3094 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ - وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ مَالِكٌ - : بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ إِذَا رَسُولُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَأْتِينِي ، فَقَالَ : أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ ، مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ : يَا مَالِ ، إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ ، فَاقْبِضْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ أَمَرْتَ لَهُ غَيْرِي . قَالَ : فَاقْبِضْهُ أَيُّهَا الْمَرْءُ ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا ، وَجَلَسُوا ، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَأُ يَسِيرًا ، ثُمَّ قَالَ : هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمَا ، فَدَخَلَا فَسَلَّمَا فَجَلَسَا ، فَقَالَ عَبَّاسٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا - وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ - فَقَالَ الرَّهْطُ - عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ - : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا ، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ . قَالَ عُمَرُ : تَيْدَكُمْ ؛ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ . قَالَ الرَّهْطُ : قَدْ قَالَ ذَلِكَ . فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالَا : قَدْ قَالَ ذَلِكَ . قَالَ عُمَرُ : فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ - إِلَى قَوْلِهِ : - قَدِيرٌ ، فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ ، قَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ ، فَعَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ ، هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ ؟ قَالَ عُمَرُ : ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ ، فَكُنْتُ أَنَا وَلِيَّ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي ، أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ ، جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ ، وَجَاءَنِي هَذَا - يُرِيدُ عَلِيًّا - يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا ، فَقُلْتُ لَكُمَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ : إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا ، فَقُلْتُمَا : ادْفَعْهَا إِلَيْنَا ، فَبِذَلِكَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا ، فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ ؟ قَالَ الرَّهْطُ : نَعَمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ ؟ قَالَا : نَعَمْ ، قَالَ : فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ ؟ فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ ؛ فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : حَدِيثُ عُمَرَ مَعَ الْعَبَّاسِ ، وَعَلِيٍّ ، وَقَعَ قَبْلَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ قِصَّةُ فَدَكَ ، وَكَأَنَّهَا تَرْجَمَةٌ لِحَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ أَمْرَ فَدَكٍ فِي الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَوِيُّ ) هُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ قِتَالِ الْيَهُودِ ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ شَبُّوَيْهِ ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَرَوِيُّ وَهُوَ مَقْلُوبٌ ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ مِثْلَهُ ، قَالَ : وَهُوَ وَهْمٌ . قُلْتُ : وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا رَوَاهُ مَالِكٌ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ . وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ لَطِيفَةٌ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ ، مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهِيَ تَشَابُهُ الطَّرَفَيْنِ ، مِثَالُهُ مَا وَقَعَ هُنَا : ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْهُ مَالِكٌ ، الْأَعْلَى ابْنُ أَوْسٍ ، وَالْأَدْنَى ابْنُ أَنَسٍ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ ) أَيْ : ابْنُ مُطْعِمٍ ( قَدْ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ ) أَيْ : الْآتِي ذِكْرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ ) كَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَهِيَ مُبَالَغَةٌ لِإِرَادَةِ اسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّ أَدْخُلَ عَلَى أَنَّ حَتَّى عَاطِفَةً ، أَيِ : انْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ ، وَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّ حَتَّى بِمَعْنَى إِلَى أَنْ . قَوْلُهُ : ( مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ ) ابْنِ الْحَدَثَانِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمُثَلَّثَةِ ، وَهُوَ نَصْرِيٌّ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ ، وَأَمَّا هُوَ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ : لَا تَصِحُّ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنْ مُصْعَبٍ - أَوْ غَيْرِهِ - أَنَّهُ رَكِبَ الْخَيْلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، قُلْتُ : فَعَلَى هَذَا لَعَلَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْمَدِينَةَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا وَقَعَ لِقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ؛ دَخَلَ أَبُوهُ وَصَحِبَ ، وَتَأَخَّرَ هُوَ مَعَ إِمْكَانِ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَشَارَكَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ قِيلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنَّهُ أَخَذَ عَنِ الْعَشَرَةِ . وَلَيْسَ لِمَالِكِ بْنِ أَوْسٍ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الْبُيُوعِ ، وَفِي صَنِيعِ ابْنِ شِهَابٍ ذَلِكَ أَصْلٌ فِي طَلَبِ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَنِعْ بِالْحَدِيثِ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ لِيُشَافِهَهُ بِهِ ، وَفِيهِ حِرْصُ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ وَتَحْصِيلِهِ . ( تَنْبِيهٌ ) : ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الزُّهْرِيَّ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ : أَنْكَرَهُ قَوْمٌ ، وَقَالُوا : هَذَا مِنْ مُسْتَنْكَرِ مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، قَالَ : فَإِنْ كَانُوا عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْدٍ فَهَيْهَاتَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا فَهُوَ جَهْلٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ، عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَأَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، وَغَيْرُهُمْ . قَوْلُهُ : ( حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَنَّاةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، أَيْ : عَلَا وَامْتَدَّ ، وَقِيلَ : هُوَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ : حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ : بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ . قَوْلُهُ : ( إِذَا رَسُولُ عُمَرَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ يَرْفَأَ الْحَاجِبَ الْآتِي ذِكْرُهُ . قَوْلُهُ : ( عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَقَدْ تُضَمُّ ، وَهُوَ مَا يُنْسَجُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ . وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : هُوَ السَّرِيرُ الَّذِي يُعْمَلُ مِنَ الْجَرِيدِ ، وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ : فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رِمَالِهِ ، أَيْ : لَيْسَ تَحْتَهُ فِرَاشٌ ، وَالْإِفْضَاءُ إِلَى الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بِحَائِلٍ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَكُونَ عَلَى السَّرِيرِ فِرَاشٌ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : يَا مَالُ ) كَذَا هُوَ بِالتَّرْخِيمِ أَيْ : مَالِكٌ ، وَيَجُوزُ فِي اللَّامِ الْكَسْرُ عَلَى الْأَصْلِ ، وَالضَّمُّ عَلَى أَنَّهُ صَارَ اسْمًا مُسْتَقِلًّا فَيُعْرَبُ إِعْرَابَ الْمُنَادَى الْمُفْرَدِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ ) أَيْ : مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ . وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ أَيْ : وَرَدَ جَمَاعَةٌ بِأَهْلِيهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، يَسِيرُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا ، وَالدَّفِيفُ : السَّيْرُ اللَّيِّنُ ، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَصَابَهُمْ جَدْبٌ فِي بِلَادِهِمْ فَانْتَجَعُوا الْمَدِينَةَ . قَوْلُهُ : ( بِرَضْخٍ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ ، أَيْ : عَطِيَّةٍ غَيْرِ كَثِيرَةٍ وَلَا مُقَدَّرَةٍ . وَقَوْلُهُ : ( لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي ) قَالَهُ تَحَرُّجًا مِنْ قَبُولِ الْأَمَانَةِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا جَرَى لَهُ فِيهِ اكْتِفَاءً بِقَرِينَةِ الْحَالِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَبَضَهُ ؛ لِعَزْمِ عُمَرَ عَلَيْهِ ثَانِيَ مَرَّةٍ . قَوْلُهُ : ( أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ مُشْبَعَةٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَقَدْ تُهْمَزُ ، وَهِيَ رِوَايَتُنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ ، وَيَرْفَا هَذَا كَانَ مِنْ مَوَالِي عُمَرَ ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَلَا تُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَقَدْ حَجَّ مَعَ عُمَرَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَهُ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ لِمَوْلًى لَهُ - يُقَالُ لَهُ : يَرْفَا - : إِذَا جَاءَ طَعَامُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَأَعْلِمْنِي فَذَكَرَ قِصَّةً . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ يَرْفَا قَالَ : قَالَ لِي عُمَرُ : إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَنْزِلَةَ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : ( هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ ) أَيْ : ابْنِ عَفَّانَ ( وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ) ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرَفِهِ زِيَادَةً عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورِينَ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَزَادَ فِيهَا : وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ أَيْضًا ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ قَالَ : دَخَلَ الْعَبَّاسُ ، وَعَلِيٌّ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا ، وَفِيهَا ذُكِرَ طَلْحَةُ ، لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ عُثْمَانُ . قَوْلُهُ : ( فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي الْمَغَازِي : فَأَدْخَلَهُمْ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ ؟ ) زَادَ شُعَيْبٌ : يَسْتَأْذِنَانِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عَبَّاسٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا ) زَادَ شُعَيْبٌ ، وَيُونُسُ : فَاسْتَبَّ عَلِيٌّ ، وَعَبَّاسٌ ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْفَرَائِضِ : اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الظَّالِمِ ؛ اسْتَبَّا وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ : وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الْآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْ عَلِيٍّ فِي حَقِّ الْعَبَّاسِ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَا يُفْهِمُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : اسْتَبَّا ، وَاسْتَصْوَبَ الْمَازِرِيُّ صَنِيعَ مَنْ حَذَفَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ : لَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ وَهِمَ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً ، فَأَجْوَدُ مَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَهَا دَلَالًا عَلَى عَلِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ ، فَأَرَادَ رَدْعَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِيهِ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ يَتَّصِفُ بِهَا لَوْ كَانَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ عَنْ عَمْدٍ ، قَالَ : وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ ؛ لِوُقُوعِ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الْخَلِيفَةِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ إِنْكَارٌ لِذَلِكَ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ تَشَدُّدِهِمْ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ . قَوْلُهُ : ( وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ ) يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ الرَّهْطُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقَالَ الْقَوْمُ وَزَادَ : فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ : يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ ، قُلْتُ : وَرَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ : فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ : اقْضِ بَيْنَهُمَا ، فَأَفَادَتْ تَعْيِينَ مَنْ بَاشَرَ سُؤَالَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( تَئِيدَكُمْ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ التَّحْتَانِيَّةِ مَهْمُوزٌ ، وَفَتْحِ الدَّالِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ أَصْلُهَا : تَيْدَكُمْ ، وَالتُّؤَدَةُ : الرِّفْقُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الدَّالِ ، وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ كَرُوَيْدًا ، أَيِ : اصْبِرُوا وَأَمْهِلُوا وَعَلَى رِسْلِكُمْ . وَقِيلَ : إِنَّهُ مَصْدَرُ تَادَ يَتِيدُ ، كَمَا يُقَالُ : سِيرُوا سَيْرَكُمْ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي اللُّغَةِ . وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، وَشُعَيْبٍ : أَتِيدُوا أَيْ : تَمَهَّلُوا ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ايْتَدْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ لِلْمُفْرَدِ . قَوْلُهُ : ( أَنْشُدُكُمَا ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ ؟ ) كَذَا فِيهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : قَالَا : نَعَمْ وَمَعْنَى أَنْشُدُكُمَا : أَسْأَلُكُمَا رَافِعًا نَشْدِي ، أَيْ : صَوْتِي . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخْصُصْ بِهَا غَيْرَهُ وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي التَّفْسِيرِ : كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، فَكَانَتْ لَهُ خَاصَّةً ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَةٍ ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَةِ فِي النَّفَقَاتِ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قوْتَ سَنَتِهِمْ أَيْ : ثَمَرَ النَّخْلِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثُ صَفَايَا : بَنُو النَّضِيرِ ، وَخَيْبَرُ ، وَفَدَكُ . فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ ، وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ قَسَّمَ جُزْءًا لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ ، وَمَا فَضَلَ مِنْهُ جَعَلَهُ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَسِّمَ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَفِي مُشْتَرَى السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ ، وذلك مُفَسِّرٌ لِرِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ . وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الْمَذْكُورَةِ : وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهِ ، وَهَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ عَائِشَةَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ ؛ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ ، ثُمَّ فِي طُولِ السَّنَةِ يَحْتَاجُ لِمَنْ يَطْرُقُهُ إِلَى إِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْهُ فَيُخْرِجُهُ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُعَوِّضَ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهَا عِوَضَهُ ، فَلِذَلِكَ اسْتَدَانَ . قَوْلُهُ : ( مَا احْتَازَهَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَزَايٍ مُعْجَمَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا أَنَّهُ وَاسَى بِهِ أَقْرِبَاءَهُ وَغَيْرَهُمْ بِحَسَبِ حَاجَتِهِمْ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ ابْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ : أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ ؟ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : قَالَا نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ - تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : كَمَا تَقُولَانِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنَ الزِّيَادَةِ : فَجِئْتُمَا ، تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، فَرَأَيْتُمَا كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا وَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً فَيُصَرِّحُ ، وَتَارَةً فَيُكَنِّي ، وَكَذَلِكَ مَالِكٌ . وَقَدْ حُذِفَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ . وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِ الْعَبَّاسِ ، لِعَلِيٍّ . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ حُذِفَتْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ الْفَرَوِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَعَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ كِلَاهُمَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ عَلَى مَا قَالَ جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَاجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ عَنْ مَالِكٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ حَفِظُوهُ ، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَحْذُوفُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَتِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْحَدِيثِ ، لَكِنْ جَعَلَ الْقِصَّةَ فِيهِ لِعُمَرَ حَيْثُ قَالَ : جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ ، تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ وَفِيهِ : فَقُلْتُ لَكُمَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ فَاشْتَمَلَ هَذَا الْفَصْلُ عَلَى مُخَالَفَةِ إِسْحَاقَ لِبَقِيَّةِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي كَوْنِهِمْ جَعَلُوا الْقِصَّةَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ، وَجَعَلُوا الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ عَنْهُ وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ جعلَ الْقِصَّةَ عِنْدَ عُمَرَ وَجَعَلَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِغَيْرِ وَاسِطَةِ أَبِي بَكْرٍ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ الْفَرَوِيِّ سَوَاءً ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ الْآتِيَةُ فِي الْفَرَائِضِ ، فَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عِنْدَ عُمَرَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَصْلًا ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِسِيَاقِ إِسْحَاقَ الْفَرَوِيِّ أَصْلًا ، فَلَعَلَّ الْقِصَّتَيْنِ مَحْفُوظَتَانِ ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَلَى مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنَ الشُّرَّاحِ لِبَيَانِ ذَلِكَ ، وَفِي ذَلِكَ إِشْكَالٌ شَدِيدٌ وَهُوَ أَنَّ أَصْلَ الْقِصَّةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعَبَّاسَ ، وَعَلِيًّا قَدْ عَلِمَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، فَإِنْ كَانَا سَمِعَاهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ؟ وَإِنْ كَانَا إِنَّمَا سَمِعَاهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَوْ فِي زَمَنِهِ بِحَيْثُ أَفَادَ عِنْدَهُمَا الْعِلْمُ بِذَلِكَ ، فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ ؟ وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حَمْلُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسِ اعْتَقَدَ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ : لَا نُورَثُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ مَا يَخْلُفُهُ دُونَ بَعْضٍ ، وَلِذَلِكَ نَسَبَ عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ ، أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ ظُلْمَ مَنْ خَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا مُخَاصَمَةُ عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ بَعْدَ ذَلِكَ ثَانِيًا عِنْدَ عُمَرَ ، فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ : لَمْ يَكُنْ فِي الْمِيرَاثِ ، إِنَّمَا تَنَازَعَا فِي وِلَايَةِ الصَّدَقَةِ ، وَفِي صَرْفِهَا كَيْفَ تُصْرَفُ ؟ كَذَا قَالَ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ ، وَلَفْظُهُ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ جِئْتُمَانِي الْآنَ تَخْتَصِمَانِ ، يَقُولُ هَذَا : أُرِيدُ نَصِيبِي مِنَ ابْنِ أَخِي ، وَيَقُولُ هَذَا : أُرِيدُ نَصِيبِي مِنَ امْرَأَتِي ، وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إِلَّا بِذَلِكَ ، أَيْ : إِلَّا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَسْلِيمِهَا لَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْوِلَايَةِ . وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ نَحْوَهُ . وَفِي السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ : أَرَادَا أَنَّ عُمَرَ يُقَسِّمُهَا لِيَنْفَرِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنَظَرِ مَا يَتَوَلَّاهُ ، فَامْتَنَعَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَرَادَ أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ قَسْمٍ ، وَلِذَلِكَ أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ وَاسْتَحْسَنُوهُ ، وَفِيهِ مِنَ النَّظَرِ مَا تَقَدَّمَ . وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ جَزْمُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ ثُمَّ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بِأَنَّ عَلِيًّا ، وَعَبَّاسًا لَمْ يَطْلُبَا مِنْ عُمَرَ إِلَّا ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّ السِّيَاقَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمَا جَاءَاهُ مَرَّتَيْنِ فِي طَلَبِ شَيْءٍ وَاحِدٍ ، لَكِنَّ الْعُذْرَ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ ، وَالنَّوَوِيِّ أَنَّهُمَا شَرَحَا اللَّفْظَ الْوَارِدَ فِي مُسْلِمٍ دُونَ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُ عَمَرَ : جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ ، فَإِنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ لِبَيَانِ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ ، كَيْفَ يُقْسَمُ أَنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مِيرَاثٌ ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْغَضَّ مِنْهُمَا بِهَذَا الْكَلَامِ ، وَزَادَ الْإِمَامِيُّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي آخِرِهِ : فَأَصْلِحَا أَمْرَكُمَا ، وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ وَاللَّهِ إِلَيْكُمَا ، فَقَامَا وَتَرَكَا الْخُصُومَةَ وَأُمْضِيَتْ صَدَقَةً . وَزَادَ شُعَيْبٌ فِي آخِرِهِ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَحَدَّثْتُ بِهِ عُرْوَةَ فَقَالَ : صَدَقَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ ، أَنَا سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ فَذَكَرَ حَدِيثًا . قَالَ : وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ مَنَعَهَا عَبَّاسًا فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ الْحَسَنِ ، ثُمَّ بِيَدِ الْحُسَيْنِ ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ ، ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : قَالَ مَعْمَرٌ : ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ حَتَّى وَلِيَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي بَنِي الْعَبَّاسِ - فَقَبَضُوهَا . وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي أَنَّ إِعْرَاضَ الْعَبَّاسِ عَنْهَا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ : سَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَدَنِيُّ يَقُولُ : إِنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ الْيَوْمَ بِيَدِ الْخَلِيفَةِ يَكْتُبُ فِي عَهْدِهِ يُوَلِّي عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يَقْبِضُهَا ، وَيُفَرِّقُهَا فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قُلْتُ : كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ ، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الْأُمُورُ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَصْرِفِ الْفَيْءِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : الْفَيْءُ وَالْخُمُسُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقَارِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ . وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَبَيْنَ الْفَيْءِ ، فَقَالَ : الْخُمُسُ مَوْضُوعٌ فِيمَا عَيَّنَهُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ فِي آيَةِ الْخُمُسِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، لَا يُتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَأَمَّا الْفَيْءُ فَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ النَّظَرُ فِي مَصْرِفِهِ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيُّ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْفَيْءَ يُخَمَّسُ ، وَأَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَهُ خُمُسُ الْخُمُسِ كَمَا فِي الْغَنِيمَةِ ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ لِمُسْتَحِقِّ نَظِيرِهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : مَصْرِفُ الْفَيْءِ كُلُّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ : فَكَانَتْ هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ عُمَرَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ يُرِيدُ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ فِي بَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ الَّذِي سَأَلَتْ فَاطِمَةُ أَنْ تَأْخُذَهُ مِنْ جُمْلَتِهِ خَيْبَرُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَهْمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا وَهُوَ الْخُمُسُ ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ : مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ ، وَفَدَكَ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ كُلِّ قَبِيلَةٍ كَبِيرُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِاسْتِحْقَاقِ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَادِيَ الرَّجُلَ الشَّرِيفَ الْكَبِيرَ بِاسْمِهِ وَبِالتَّرْخِيمِ حَيْثُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَنْقِيصَهُ ، وَفِيهِ اسْتِعْفَاءُ الْمَرْءِ مِنَ الْوِلَايَةِ ، وَسُؤَالُهُ الْإِمَامَ ذَلِكَ بِالرِّفْقِ ، وَفِيهِ اتِّخَاذُ الْحَاجِبِ ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ ، وَالشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ فِي إِنْفَاذِ حُكْمٍ وَتَبْيِينِ الْحَاكِمِ وَجْهَ حُكْمِهِ ، وَفِيهِ إِقَامَةُ الْإِمَامِ مَنْ يَنْظُرُ عَلَى الْوَقْفِ نِيَابَةً عَنْهُ ، وَالتَّشْرِيكُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فِي ذَلِكَ . وَمِنْهُ يُؤْخَذُ جَوَازُ أَكْثَرِ مِنْهُمَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الِادِّخَارِ خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ مُشَدِّدِي الْمُتَزَهِّدِينَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ ، وَفِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْعَقَارِ ، وَاسْتِغْلَالِ مَنْفَعَتِهِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ اتِّخَاذِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا النَّمَاءُ ، وَالْمَنْفَعَةُ مِنْ زِرَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا قَامَ عِنْدَهُ الدَّلِيلُ صَارَ إِلَيْهِ وَقَضَى بِمُقْتَضَاهُ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ ، وَأَنَّ الْأَتْبَاعَ إِذَا رَأَوْا مِنَ الْكَبِيرِ انْقِبَاضًا لَمْ يُفَاتِحُوهُ حَتَّى يُفَاتِحَهُمْ بِالْكَلَامِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ الْفَيْءِ وَلَا خُمُسَ الْغَنِيمَةِ إِلَّا قَدْرَ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفُ بِالْقَسْمِ ، وَالْعَطِيَّةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مِلْكَ رَقَبَةِ مَا غَنِمَهُ ، وَإِنَّمَا مَلَّكَهُ مَنَافِعَهُ ، وَجَعَلَ لَهُ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ ، وَكَذَلِكَ الْقَائِمُ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ . وَقَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُورَثُ : احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ قَالَ : أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْعُمُومَ فَلَا اسْتِغْرَاقَ عِنْدَهُ لِكُلِّ مَنْ مَاتَ أَنَّهُ يُورَثُ ، وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَهُ فَلَا يُسَلِّمُ دُخُولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، وَلَوْ سَلَّمَ دُخُولَهُ لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ ، وَخَبَرُ الْآحَادِ يُخَصِّصُ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْسَخُ ، فَكَيْفَ بِالْخَبَرِ إِذَا جَاءَ مِثْلَ مَجِيءِ هَذَا الْخَبَرِ وَهُوَ : لَا نُورَثُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فرض الخمس · ص 235 عمدة القاري شرح صحيح البخاريقصة فدك · ص 21 قصة فدك . 3 - حدثنا إسحاق بن محمد الفروي ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان وكان محمد بن جبير ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك ، فانطلقت حتى أدخل على مالك بن أوس ، فسألته عن ذلك الحديث ، فقال مالك : بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني فقال : أجب أمير المؤمنين ، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر ، فإذا هو جالس على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش متكئ على وسادة من أدم ، فسلمت عليه ، ثم جلست فقال : يا مال إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات ، وقد أمرت فيهم برضخ ، فاقبضه فاقسمه بينهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين لو أمرت به غيري ، قال : اقبضه أيها المرء ، فبينا أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفا ، فقال : هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون ، قال : نعم ، فأذن لهم ، فدخلوا فسلموا وجلسوا ، ثم جلس يرفا يسيرا ، ثم قال : هل لك في علي وعباس ، قال : نعم ، فأذن لهما فدخلا ، فسلما فجلسا ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النضير ، فقال الرهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر ، قال عمر : تيدكم ، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ما تركنا صدقة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ؟ قال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل عمر على علي وعباس ، فقال : أنشدكما الله أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك ، قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ، ثم قرأ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ إلى قوله : قدير فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، قد أعطاكموها ، وبثها فيكم ، حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حياته أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله ، هل تعلمان ذلك ؟ قال عمر : ثم توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبضها أبو بكر ، فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر ، فكنت أنا ولي أبي بكر ، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما عمل فيها أبو بكر ، والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركما واحد ، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا يريد عليا يريد نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما عمل فيها أبو بكر وبما عملت فيها منذ وليتها ، فقلتما : ادفعها إلينا ، فبذلك دفعتها إليكما ، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك ؟ قال الرهط : نعم ، ثم أقبل على علي وعباس ، فقال : أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم ، قال فتلتمسان مني قضاء غير ذلك ؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي ؛ فإني أكفيكماها . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : إن الله قد خص رسوله إلى قوله : فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، لا من جملة ما سألت فاطمة رضي الله تعالى عنها ما بقي من خمس خيبر ، وكان علي وعباس يختصمان في الفيء الذي خص الله تعالى نبيه بذلك ، كما سيجيء بيان ذلك أن في الفيء خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون غيره ، وحقه في الفيء من أموال بني النضير كانت له خاصة حين أجلاهم ، وكذا نصف أرض فدك صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها ، فكانت خالصة له ، وكذا ثلث أرض وادي القرى أخذه في الصلح حين صالح اليهود ، وكذا حصنان من حصون خيبر الوطيح والسلالم أخذهما صلحا ، ومنها سهمه من خمس خيبر ، وما افتتح منها عنوة ، فكان هذا ملكا له خاصة لا حق لأحد فيها . ذكر رجاله ، وهم خمسة : الأول : إسحاق بن محمد الفروي ، بفتح الفاء ، وسكون الراء وبالواو ، وقال الغساني : وفي بعض النسخ محمد بن إسحاق ، وهو خطأ . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع مالك بن أوس بفتح الهمزة وسكون الواو وبالسين المهملة ابن الحدثان بالمهملتين المفتوحتين ، وبالثاء المثلثة ابن عوف بن ربيعة النصري ، من بني نصر بن معاوية ، يكنى أبا سعيد ، زعم أحمد بن صالح المصري - وكان من جملة أهل هذا الشأن أن له صحبة ، وقال سلمة بن وردان : رأيت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . . فذكرهم ، وذكر فيهم مالك بن أوس بن الحدثان النصري ، وقال أبو عمر : لا أحفظ له صحبة أكثر مما ذكرت ، ولا أعلم له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما روايته عن عمر رضي الله تعالى عنه فأكثر من أن تذكر ، وروى عن العشرة المهاجرين ، وعن العباس بن عبد المطلب ، روى عنه محمد بن جبير بن مطعم ، والزهري ، ومحمد بن المنكدر ، وآخرون ، مات بالمدينة سنة اثنتين وتسعين ، وهو ابن أربع وتسعين سنة . الخامس محمد بن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة ابن مطعم بن عدي بن نوفل بن عدي بن عبد مناف القرشي المديني ، مات بالمدينة زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في النفقات ، عن سعيد بن عفير ، وفي الاعتصام عن عبد الله بن يوسف ، وفي الفرائض عن يحيى بن بكير ، وأخرجه مسلم في المغازي ، عن عبد الله بن أسماء ، وعن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود في الخراج عن الحسن بن علي الخلال ، ومحمد بن يحيى بن فارس ، وعن محمد بن عبيد ، وأخرجه الترمذي في السير عن الحسن بن علي الخلال به ، وأخرجه النسائي في الفرائض عن عمرو بن علي ، وفي قسم الفيء عن علي بن حجر ، وفي التفسير عن محمد بن عبد الأعلى . ذكر معناه : قوله : حتى أدخل يجوز فيه ضم اللام وفتحها ، فوجه الضم هو أن تكون حتى عاطفة ، والمعنى : انطلقت فدخلت . ووجه الفتح هو أن تكون حتى بمعنى كي ، ومثله قوله تعالى وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ قوله : بينا قد مر غير مرة أن أصله بين ، فأشبعت فتحة النون بالألف ، وربما تزاد فيه الميم ، فيقال : بينما ، وهما ظرفا زمان ، ويضافان إلى جملة اسمية وفعلية ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، وجوابه هو قوله : إذا رسول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، والأفصح أن لا يكون في جوابهما إذ وإذا . قوله : حين متع النهار بالميم والتاء المثناة من فوق والعين المهملة المفتوحات ، ومعناه حين ارتفع وطال ارتفاعه ، وقال صاحب العين : متع النهار متوعا ، وذلك قبل الزوال . وقيل : معناه طال وعلا ، وأمتع الشيء : طالت مدته ، ومنه في الدعاء : أمتعني الله بك ، وقيل معناه : نفعني الله بك ، وقال الداودي : متع صار قرب نصف النهار ، وفي رواية أبي داود : أرسل علي عمر رضي الله عنه حين تعالى النهار ، وفي رواية مسلم : أرسل إلي عمر بن الخطاب فجئته حين تعالى النهار . قوله : على رمال سرير الرمال بكسر الراء وضمها : ما ينسج من سعف النخل ليضطجع عليه ، ويقال : رمل سريره وأرمله إذا رمل شريطا ، أو غيره ، فجعله ظهرا . وقيل : رمال السرير ما مد على وجهه من خيوط وشريط ونحوهما ، وفي رواية أبي داود : فجئته فوجدته في بيته جالسا على سريره مفضيا إلى رماله ، وفي رواية مسلم : فوجدته في بيته جالسا على سريره مفضيا إلى رماله متكئا على وسادة من أدم . قوله : مفضيا إلى رماله يعني ليس بينه وبين رماله شيء ، وإنما قال هذا لأن العادة أن يكون فوق الرمال فراش ، أو نحوه ، ومعنى قوله : ليس بينه وبينه أي ليس بين عمر وبين الرمال فراش . قوله : يا مال أي يا مالك ، فرخمه بحذف الكاف ، ويجوز ضم اللام وكسرها على الوجهين في الترخيم . قوله : إنه قدم علينا من قومك ، وفي رواية مسلم أنه قد دف أهل أبيات من قومك ، وكذا في رواية أبي داود : دف من الدف ، وهو المشي بسرعة . قوله : برضخ بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة ، وفي آخره خاء معجمة ، وهي العطية القليلة غير المقدرة . قوله : لو أمرت به غيري أي لو أمرت بدفع الرضخ إليهم غيري ، وفي رواية أبي داود : وقد أمرت فيهم بشيء فاقسم فيهم ، قلت : لو أمرت غيري بذلك فقال : خذه ، وفي رواية مسلم : لو أمرت بهذا غيري قال : خذه يا مال . قوله : اقبضه أيها المرء هو عزم عليه في قبضه . قوله : يرفأ هو مولى عمر وحاجبه بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء وفتح الفاء مهموزا وغير مهموز ، وهو الأشهر ، وفي رواية البيهقي : اليرفأ بالألف واللام . قوله : هل لك في عثمان أي هل لك إذن في عثمان ، وقال الكرماني : هل لك رغبة في دخولهم . قوله : يستأذنون جملة حالية . قوله : اقض بيني وبين هذا يعني علي بن أبي طالب ، وفي رواية مسلم : اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن - يعني الكاذب إن لم ينصف - فحذف الجواب ، وزعم المازري أن هذه اللفظة ننزه القائل والمقول فيه عنها ، وننسبها إلى أن بعض الرواة وهم فيها ، وقد أزالها بعض الناس من كتابه تورعا ، وإن لم يكن الحمل فيها على الرواة ، فأجود ما يحمل عليه أن العباس قالها إدلالا عليه ؛ لأنه بمنزلة والده ، ولعله أراد ردع علي عما يعتقد أنه مخطئ فيه ، وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعله عن قصد ، وإن كان علي لا يراها موجبة لذلك في اعتقاده ، وهذا كما يقول المالكي : شارب النبيذ ناقص الدين ، والحنفي يعتقد أنه ليس بناقص ، وكل واحد محق في اعتقاده ، ولا بد من هذا التأويل ؛ لأن هذه القضية جرت بحضرة عمر والصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ولم ينكر أحد منهم هذا الكلام مع تشددهم في إنكار المنكر ، وما ذلك إلا أنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم بما لا يعتقده . انتهى . قلت : كل هذا لا يفيد شيئا ، بل يجب إزالة هذه اللفظة عن الكتاب ، وحاشى من عباس أن يتلفظ بها ، ولا سيما بحضرة عمر بن الخطاب وجماعة من الصحابة ، ولم يكن عمر ممن يسكت عن مثل هذا لصلابته في أمور الدين ، وعدم مبالاته من أحد ، وفي ما قاله نسبة عمر إلى ترك المنكر ، وعجزه عن إقامة الحق ، فاللائق لحال الكل إزالة هذه من الوسط ، فلا يحتاج إلى تأويل غير طائل ؛ فافهم . قوله : وهما يختصمان أي العباس وعلي يختصمان أي يتجادلان ويتنازعان ، والواو فيه للحال . قوله : فيما أفاء الله على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم من مال بني النضير ، وهو مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، وهو المال الذي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، وفي رواية عن الزهري : قرى غربية فدك ، وقال ابن عباس في قوله : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ الآية ، هو من أموال الكفار ، وأهل القرى وهم قريظة والنضير وهما بالمدينة ، وفدك وخيبر وقرى غربية وينبع . . كذا في تفسير النسفي . قوله : فقال الرهط ، وهم المذكورون فيما مضى ، وهم عثمان وأصحابه ، فقوله : عثمان خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم عثمان وأصحابه المذكورون ، ويجوز أن يكون بيانا ، أو بدلا . قوله : وأرح أمر من الإراحة بالراء المهملة ، وفي رواية مسلم : فاقض بينهم وأرحهم فقال مالك بن أوس : يخيل إلي أنهم كانوا قدموهم لذلك ، وفي رواية أبي داود : فقال العباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا يعني عليا ، فقال بعضهم : أجل يا أمير المؤمنين ، فاقض بينهما وأرحهما . قوله : فقال عمر : تيدكم بفتح التاء المثناة من فوق وكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفتح الدال المهملة وضمها ، وهو اسم فعل كرويد ، أي اصبروا وأمهلوا وعلى رسلكم ، وقيل : إنه مصدر تأد يتئد ، وقال ابن الأثير : هو من التؤدة ، كأنه قال : الزموا تؤدتكم ، يقال : تأد تأدا كأنه أراد أن يقول : تأدكم فأبدل من الهمزة ياء يعني آخر الحروف ، هكذا ذكره أبو موسى ، وفي رواية مسلم : اتئدوا أي تأنوا واصبروا . قوله : أنشدكم بالله بضم الشين ، أي أسألكم بالله ، يقال : نشدتك الله وبالله . قوله : لا نورث ما تركنا صدقة قد مضى تفسيره وأن الرواية بالنون - قال القرطبي : يعني جماعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما في رواية أخرى : نحن معاشر الأنبياء لا نورث . روى أبو عمر في التمهيد من حديث ابن شهاب عن مالك بن أوس عن عمر رضي الله تعالى عنه : إنا معشر الأنبياء ما تركناه صدقة . وهذا حجة على الحسن البصري في ذهابه إلى أن هذا خاص بنبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم دون غيره من الأنبياء ، فاستدل بقوله تعالى في قصة زكرياء عليه السلام يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وبقوله تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وحمل جمهور العلماء الآيتين على ميراث العلم والنبوة والحكمة ومنطق الطير في حق سليمان عليه السلام . قوله : قد قال ذلك أي قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا نورث ما تركناه صدقة ، وكذلك معنى قوله : قد قال ذلك في الموضعين الآخرين . قوله : ولم يعطه أحدا غيره أي لم يعط الفيء أحدا غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ لأنه خصص الفيء كله له كما هو مذهب الجمهور ، أو جله كما هو مذهب الشافعية . وقيل : أي حيث حلل الغنيمة له ولم تحل لسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقال القاضي : تخصيصه بالفيء إما كله ، أو بعضه ، وهل في الفيء خمس أم لا ؟ قال ابن المنذر : لا نعلم أحدا قبل الشافعي قال بالخمس . قوله : ثم قرأ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ إلى قوله قَدِيرٌ وتمام الآية : فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي وما رد الله على رسوله ورجع إليه ، ومنه فيء الظل ، والفيء كالعود والرجوع يستعمل بمعنى المصير ، وإن لم يتقدم ذلك . قوله : فَمَا أَوْجَفْتُمْ من الإيجاف من الوجيف ، وهو السير السريع ، والمعنى إنما جعل الله لرسوله من أموال بني النضير شيئا لم تحصلوه بالقتال والغلبة ، ولكن سلط الله رسوله عليهم وعلى أموالهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم ، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ، وهو معنى قوله فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، ولا حق لأحد فيها ، فكان يأخذ منها نفقته ونفقة أهله ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ، وفي رواية مسلم : قال عمر رضي الله تعالى عنه : إن الله خص رسوله بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره ؛ قال : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا ، قال : فقسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بينكم أموال بني النضير ، فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقته سنة ، ثم يجعل ما بقي أسوة المال . انتهى ، وهذا تفسير لرواية البخاري في نفس الأمر ؛ فقوله : والله ما احتازها أي ما جمعها دونكم ، وهو بالحاء المهملة والزاي . قوله : ولا استأثر بها أي ولا استبد بها ، وتخصص بها عليكم . قوله : وبثها فيكم أي فرقها عليكم . قوله : نفقة سنتهم فإن قلت : كيف يجمع هذا مع ما ثبت أن درعه حين وفاته كانت مرهونة على الشعير استدانة لأهله ؟ قلت : كان يعزل مقدار نفقتهم منه ، ثم ينفق ذلك أيضا في وجوه الخير إلى حين انقضاء السنة عليهم . قوله : فجعل مال الله بفتح الميم ، وهو موضع الجعل بأن يجعله في السلاح والكراع ومصالح المسلمين . قوله : فلما بدا أي ظهر وصح لي . قوله : من ابن أخيك ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن أخاه عبد الله والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله . قوله : يريد نصيب امرأته من أبيها أي يريد علي بن أبي طالب نصيب زوجته فاطمة الذي آل إليها من أبيها ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الكرماني : إن كان الدفع إليهما صوابا فلم لم يدفعه في أول الحال ؟ وإلا فلم دفعه في الآخر ؟ وأجاب بأنه منع أولا على الوجه الذي كانا يطلبانه من التملك ، وثانيا أعطاهما على وجه التصرف فيها كما تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وقال الخطابي : هذه القصة مشكلة جدا ، وذلك أنهما إذا كانا قد أخذا هذه الصدقة من عمر على الشريطة التي شرطها عليهم ، وقد اعترفا بأنه قال صلى الله عليه وسلم : ما تركنا صدقة ، وقد شهد المهاجرون بذلك ، فما الذي بدا لهما بعد حتى تخاصما ، والمعنى في ذلك أنه كان يشق عليهما الشركة ، فطلبا أن يقسم بينهما ليستبد كل واحد منهما بالتدبير والتصرف فيما يصير إليه ، فمنعهما عمر القسم ؛ لئلا يجري عليهما اسم الملك ؛ لأن القسمة إنما تقع في الأموال ، ويتطاول الزمان فتظن به الملكية ، وقال أبو داود : ولما صارت الخلافة إلى علي رضي الله تعالى عنه لم يغيرها عن كونها صدقة . قوله : قضاء غير ذلك أي غير الذي قضى به ، وفي رواية أبي داود : والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة . قوله : فادفعاها إلي ، وفي رواية أبي داود : فإن عجزتما عنها فرداها إلي . ذكر ما يستفاد منه : فيه أن عليا والعباس اختصما في ما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير ولم يتنازعا في الخمس ، وإنما تنازعا فيما كان خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الفيء ، فتركه صدقة بعد وفاته ، وفيه أنه يجب أن يولى أمر كل قبيلة سيدها ؛ لأنه أعرف باستحقاق كل رجل منهم لعلمه بهم ، وفيه الترخيم له ولا عار على المنادى بذلك ولا نقيصة ، وفيه استعفاؤه مما يوليه الإمام بألين الكلام ؛ لقول مالك لعمر رضي الله تعالى عنه حين أمره بقسمة المال بين قومه : لو أمرت به غيري ، وفيه الحجابة للإمام ، وأن لا يصل إليه شريف ولا غيره إلا بإذنه ، وفيه الجلوس بين يدي السلطان بغير إذنه ، وفيه الشفاعة عند الإمام في إنفاذ الحكم إذا تفاقمت الأمور وخشي الفساد بين المتخاصمين ؛ لقول عثمان رضي الله تعالى عنه : اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر . وقد ذكر البخاري في المغازي أن عليا والعباس استبا يومئذ . وفيه تعزير الإمام من يشهد له على قضائه وحكمه . وفيه أنه لا بأس أن يمدح الرجل نفسه ويطريها إذا قال الحق . وفيه جواز ادخار الرجل لنفسه وأهله قوت سنة ، وهو خلاف قول جهلة الصوفية المنكرين للادخار الزاعمين أن من ادخر لغد فقد أساء الظن بربه ولم يتوكل عليه حق توكله ، وفيه إباحة اتخاذ العقار التي يبتغي بها الفضل والمعاش ، وفيه أن الصديق رضي الله تعالى عنه قضى على العباس وفاطمة رضي الله تعالى عنهما بحديث : لا نورث ، ولم يحاكمهما في ذلك إلى أحد غيره ، فكذلك الواجب أن يكون للحكام والأئمة الحكم بعلومهم لأنفسهم كان ذلك أو لغيرهم بعد أن يكون ما حكموا فيه بعلومهم مما يعلم صحة أمره رعيتهم - قاله الطبري . وفيه قبول خبر الواحد ؛ فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يستشهد بأحد كما استشهد عمر ، بل أخبر بذلك عنه صلى الله عليه وسلم فقبل ذلك منه ، وفيه أنه لا ينكر أن يخفى على الفقيه والعالم بعض الأمور مما علمه غيره كما خفي على فاطمة التخصيص في ذلك ، وكذلك يقال : إنه خفي على علي رضي الله تعالى عنه ذلك ، وكذلك على العباس ، حتى طلبا الميراث ، وقد يقال : لم يخف ذلك عليهما ، وإنما كانا ذهلا ونسيا حتى ذكرهما أبو بكر ، فرجعا إليه ، بدليل أن عمر نشدهما بالله هل تعلمان ذلك فقالا : نعم ، وفيه أن في طلب فاطمة ميراثها من أبيها وطلب العباس دليلا على أن الأصل في الأحكام العموم وعدم التخصيص حتى يرد ما يدل على التخصيص ، وعلى أن المتكلم داخل في عموم كلامه ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : من ترك مالا فلأهله . وهذا قول أكثر أهل الأصول خلافا للحنابلة وابن خويز منداد ، وعند كثير من القائلين بالعموم : إن هذا الخطاب وسائر العمومات لا يدخل فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الشرع ورد بالتفرقة بينه وبين أمته ، ولو ثبت العموم لوجب تخصيصها ، وهذا الخبر وما في معناه يوجب تخصيص الآية : وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وخبر الآحاد يخصص ؛ فكيف ما كان هذا سبيله ، وهو القطع بصحته . والله أعلم .