بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 6 ) كِتَاب الْحَيْضِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ 1 - بَاب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ باب الأمر بالنفساء إذا نفسن 294 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي قَالَ : مَا لَكِ أَنُفِسْتِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ ، قَالَتْ : وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الْحَيْضِ ) أَصْلُهُ السَّيَلَانُ ، وَفِي الْعُرْفِ جَرَيَانُ دَمِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْحَيْضِ ، وَالْمَحِيضُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ الْحَيْضُ ، وَقِيلَ زَمَانُهُ ، وَقِيلَ مَكَانُهُ . قَوْلُهُ : ( أَذًى ) قَالَ الطِّيبِيُّ : سُمِّيَ الْحَيْضُ أَذًى لِنَتَنِهِ وَقَذَرِهِ وَنَجَاسَتِهِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْأَذَى الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَيْسَ بِشَدِيدٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَحِيضَ أَذًى يَعْتَزِلُ مِنَ الْمَرْأَةِ مَوْضِعَهُ ، وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى بَقِيَّةِ بَدَنِهَا . قَوْلُهُ : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ رَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ ، فَقَالَ اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ ، فَأَنْكَرَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُجَامِعُهُنَّ فِي الْحَيْضِ ؟ يَعْنِي خِلَافًا لِلْيَهُودِ ، فَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ ذَلِكَ هُوَ ثَابِتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ ) أَيِ ابْتِدَاؤُهُ ، وَفِي إِعْرَابِ بَابٍ الْأَوْجُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَوَّلَ الْكِتَابِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَذَا شَيْءٌ ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ عَقِبَهُ ، لَكِنْ بِلَفْظِ هَذَا أَمْرٌ وَقَدْ وَصَلَهُ بِلَفْظِ شَيْءٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ أَوْ سِتَّةٍ ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى الْحَيْضِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ أَوَّلُ ) بِالرَّفْعِ ; لِأَنَّهُ اسْمُ كَانَ وَالْخَبَرُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ عَلَى نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، قَالَ : كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُصَلُّونَ جَمِيعًا ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَتَشَرَّفُ لِلرَّجُلِ ، فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَ ، وَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ ، وَعِنْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُ ) قِيلَ مَعْنَاهُ أَشْمَلُ ; لِأَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ بَنَاتِ آدَمَ ، فَيَتَنَاوَلُ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمَنْ قَبْلَهُنَّ ، أَوِ الْمُرَادُ أَكْثَرُ شَوَاهِدَ أَوْ أَكْثَرُ قُوَّةً ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَيْسَ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةٌ ، فَإِنَّ نِسَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : بَنَاتُ آدَمَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ . قُلْتُ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّعْمِيمِ بِأَنَّ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَى نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ طُولُ مُكْثِهِ بِهِنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ لَا ابْتِدَاءُ وُجُودِهِ . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ : وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ أَيْ حَاضَتْ . وَالْقِصَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَا رَيْبٍ ، وَرَوَى الْحَاكِمُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ كَانَ عَلَى حَوَّاءَ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَتْ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَبَنَاتُ آدَمَ بَنَاتُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قولُهُ : ( بَابُ الْأَمْرِ بِالنُّفَسَاءِ ) أَيِ الْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالنُّفَسَاءِ ، وَالْجَمْعُ فِي قَوْلِهِ : ( إِذَا نَفَسْنَ ) بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ أَكْثَرِ الرُّوَايَاتِ غَيْرَ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ ، وَتَرْجَمَ بِالنُّفَسَاءِ إِشْعَارًا بِأَنَّ ذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى الْحَائِضِ لِقِوْلِ عَائِشَةَ فِي الْحَدِيثِ ( حِضْتُ ) وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا ( أَنُفِسْتِ ) وَهُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِ الْفَاءِ فِيهِمَا ، وَقِيْلَ بِالضَّمِّ فِي الْوِلَادَةِ وَبِالْفَتْحِ فِي الْحَيْضِ ، وَأَصْلُهُ خُرُوجُ الدَّمِ لِأَنَّهُ يُسَمَّى نَفْسًا ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ لِذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ الْقَاسِمَ ) يَعْنِي أَبَاهُ ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . قَوْلُهُ : ( لَا نُرَى ) بِالضَّمِّ أَيْ لَا نَظُنُّ . و سَرِفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا نَحْوٌ مِنْ عَشْرَةِ أَمْيَالٍ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ وَقَدْ يُصْرَفُ . قَوْلُهُ : ( فَاقْضِي ) الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ هُنَا الْأَدَاءُ ، وَهُمَا فِي اللُّغَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . قَوْلُهُ : ( غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ ) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ حَتَّى تَطْهُرِي وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُخْتَصٌّ بِأَحْوَالِ الْحَجِّ لَا بِجَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَرْأَةِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ · ص 475 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبغسل ما يصيب مِن فرج المرأة · ص 389 6 - كتاب الحيض بسم الله الرحمن الرحيم 6 - كِتاب الحيض وقول الله عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ إلى قوله : وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ خرج مسلم في ( صحيحه ) من حديث حماد بن سلمة : نا ثابت ، عَن أنس - أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لَم يؤاكلوها ، ولم يجامعوهن في البيوت . فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ إلى آخر الآية ، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) ، وذكر بقية الحديث . فقوله عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي : عَن حكمه والمباشرة فيهِ . و( المحيض ) قيل : إنهُ مصدر كالحيض ، وقيل : بل هوَ اسم للحيض ، فيكون اسم مصدر . وقوله تعالى : قُلْ هُوَ أَذًى - فسر الأذى بالدم النجس وبما فيهِ من القذر والنتن ، وخروجه من مخرج البول ، وكل ذَلِكَ يؤذي . قالَ الخطابي : الأذى هوَ المكروه الذِي ليسَ بشديد جدا ، كقوله : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وقوله : إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ قالَ : والمراد : أذى يعتزل منها موضعه لا غيره ، ولا يتعدى ذَلِكَ إلى سائر بدنها ، فلا يجتنبن ولا يخرجن من البيوت كفعل المجوس وبعض أهل الكِتابِ ، فالمراد أن الأذى بهن لا يبلغ الحد الذِي يجاوزونه إليه ، وإنما يجتنب منهن موضع الأذى ، فإذا تطهرن حل غشيانهن . وقوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ - قَد فسره النبي صلى الله عليه وسلم باعتزال النكاح ، وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى ذكر ما يحرم من مباشرة الحائض وما يحل منهُ في الباب الذِي يختص المباشرة من الكِتابِ . وقد قيل بأن المراد بالمحيض هاهنا مكان الحيض ، وهو الفرج . ونص على ذَلِكَ الإمام أحمد ، وحكاه الماوردي عَن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وجمهور المفسرين . وحكى الإجماع على أن المراد بالمحيض المذكور في أول الآية الدم . وقد خالف في ذَلِكَ ابن أبي موسى من أصحابنا في ( شرح الخرقي ) ، فزعم أن مذهب أحمد أنهُ الفرج أيضا ، وفيه بعد . وجمهور أصحاب الشَافِعي على أن المراد بالمحيض في الآية الدم ، في الموضعين . وقوله : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ - نهي بعد الأمر باعتزالهن في المحيض عَن قربانهن فيهِ ، والمراد بهِ الجماع أيضا ، وفيه تأكيد لتحريم الوطء في الحيض . وقوله : حَتَّى يَطْهُرْنَ - فيهِ قراءتان ( يَطْهُرْنَ ) بسكون الطاء وضم الهاء ، و( يَطَّهَّرْنَ ) بفتح الطاء وتشديدها وتشديد الهاء . وقد قيل : إن القراءة الأولى أريد بها انقطاع الدم ، والقراءة الثانية أريد بها التطهر بالماء . وممن فسر الأولى بانقطاع الدم ابن عباس ومجاهد وغيرهما . وابن جرير وغيره يشيرون إلى حكاية الإجماع على ذَلِكَ . ومنع غيره الإجماع ، وقال : كل من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء ، وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه . وفي ذَلِكَ نظر ؛ فإن قراءة التشديد تدل على نسبة فعل التطهر إليها ، فكيف يراد بذلك مجرد انقطاع الدم ، ولا صنع لها فيهِ ؟ وقوله : حَتَّى يَطْهُرْنَ - غاية النهي عَن قربانهن ، فيدل بمفهومه على أن ما بعد التطهير يزول النهي . فعلى قراءة التشديد المفسرة بالاغتسال إنما يزول النهي بالتطهر بالماء ، وعلى قراءة التخفيف يدل على زوال النهي بمجرد انقطاع الدم . واستدل بذلك فرقة قليلة على إباحة الوطء بمجرد انقطاع الدم ، وَهوَ قول أبي حنيفة وأصحابه ، إذا انقطع الدم لأكثر الحيض ، أو لدونه ، ومضى عليها وقت صلاة ، أو كانت غير مخاطبة بالصلاة كالذمية . وحكي عَن طائفة إطلاق الإباحة ، منهُم ابن كثير وابن عبد الحكم ، وفي نقله عنهما نظر . والجمهور على أنه لا يباح بدون الاغتسال ، وقالوا : الآية ، وإن دلت بمفهومها على الإباحة بالانقطاع إلا أن الإتيان مشروط لَهُ شرط آخر وَهوَ التطهر ، والمراد بهِ التطهر بالماء بقولِهِ : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ فدل على أنهُ لا يكفي مجرد التطهر ، وأن الإتيان متوقف على التطهر أو على الطهر والتطهر بعده . وفسر الجمهور التطهر بالاغتسال ، كَما في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وحكي عَن طائفة من السلف أن الوضوء كاف بعد انقطاع الدم ، منهُم مجاهد وعكرمة وطاوس ، على اختلاف عَنهُم في ذَلِكَ . قالَ ابن المنذر : روينا بإسناد فيهِ مقال عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا : إذا أدرك الزوج الشبق أمرها أن تتوضأ ، ثم أصاب منها إن شاء . وأصح من ذَلِكَ عَن عطاء ومجاهد موافقة القول الأول - يعني : المنع منهُ وكراهته بدون الغسل - قالَ : ولا يثبت عَن طاوس خلاف ذَلِكَ . قالَ : وإذا بطل أن يثبت عَن هؤلاء قول ثان كانَ القول الأول كالإجماع . انتهى . ولذلك ضعف القاضي إسماعيل المالكي الرواية بذلك عَن طاوس وعطاء ؛ لأنها من رواية ليث بن أبي سليم عنهما ، وَهوَ ضعيف . وحكي عَن بعض السلف أن التطهر غسل الفرج خاصة ، رواه ابن جريج وليث عَن عطاء ، ورواه معمر عَن قتادة ، وحكاه بعض أصحابنا عَن الأوزاعي . ولا أظنه يصح عَنهُ ، وقاله قوم من أهل الظاهر . والصحيح الذِي عليهِ جمهور العلماء أن تطهر الحائض كتطهر الجنب ، وَهوَ الاغتسال . ولو عدمت الماء فهل يباح وطؤها بالتيمم ؟ فيهِ قولان : أحدهما : يباح بالتيمم ، وَهوَ مذهبنا ، ومذهب الشَافِعي وإسحاق والجمهور ، وقول يحيى بن بكير من المالكية ، والقاضي إسماعيل منهُم أيضا . وقال مكحول ومالك : لا يباح وطؤها بدون الاغتسال بالماء . وقوله : فَأْتُوهُنَّ - إباحة ، وقوله : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي : باعتزالهن ، وَهوَ الفرج ، أو ما بين السرة والركبة ، على ما فيهِ من الاختلاف كَما سيأتي . روي هَذا عَن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة . وقيل : المراد : من الفرج دونَ الدبر . رواه علي بن أبي طلحة عَن ابن عباس . وروى أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قالَ : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أن تعتزلوهن . ورواه عكرمة عَن ابن عباس أيضا . وقيل : المراد من قبل التطهر لا من قبل الحيض ، وروي عَن ابن عباس أيضا وغيره . و( التوابون ) : الرجاعون إلى طاعة الله من مخالفته . و( المتطهرون ) فسره عطاء وغيره بالتطهر بالماء ، ومجاهد وغيره بالتطهر من الذنوب . وعن مجاهد أنه فسره بالتطهر من أدبار النساء ، ويشهد لَهُ قول قوم لوط : إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب كيف كانَ بدء الحيض · ص 396 1 - باب كيف كانَ بدء الحيض ؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( هَذا شيء كتبه الله على بنات آدم ) . وقال بعضهم : كانَ أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل . قالَ أبو عبد الله : وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أكثر . أما من قالَ : أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل فقد روي ذَلِكَ عَن حماد بن سلمة ، عَن هشام بن عروة ، عَن فاطمة بنت المنذر ، عَن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : إنما سلطت الحيضة على نساء بني إسرائيل ؛ لأنهن كن اتخذن أرجلًا من خشب يتطاولن بها في المساجد . وأما ما رجحه البخاري من أن الحيض لَم يزل في النساء منذ خلقهن الله فهوَ المروي عَن جمهور السلف : قالَ عمرو بن محمد العنقزي : نا عباد بن العوام ، عَن سفيان بن حسين ، عَن يعلى بن مسلم ، عَن سعيد بن جبير ، عَن ابن عباس ، قالَ : لما أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها قالَ الله لَهُ : ( ما حملك على أن عصيتني ؟ ) قالَ : ربِّ ، زينته لي حواء ! قالَ : ( فإني أعقبها أن لا تحمل إلا كرها ، ولا تضع إلا كرهًا ، ودميتها في الشهر مرتين ) . فلما سمعت حواء ذَلِكَ رنت ، فقالَ لها : عليك الرنة وعلى بناتك . وروى ابن جرير في ( تفسيره ) : نا يونس ، نا ابن وهب ، عَن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قوله : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ - قالَ : المطهرة التي لا تحيض ، قالَ : وكذلك خلقت حواء عليها السلام حتى عصت ، فلما عصت قالَ الله تعالى : ( إني خلقتك مطهرة ، وسأدميك كَما أدميت هَذهِ الشجرة ) . وقد استدل البخاري لذلك بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هَذا شيء كتبه الله على بنات آدم ) ، وَهوَ استدلال ظاهر حسن . ونظيره : استدلال الحسن على إبطال قول من قالَ : أول من رأى الشيب إبراهيم - بعموم قول الله عز وجل : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب كيف كانَ بدء الحيض · ص 397 294 - حدثنا علي بن عبد الله المديني : نا سفيان ، قالَ : سمعت عبد الرحمن بن القاسم ، قالَ : سمعت القاسم يقول : سمعت عائشة تقول : خرجنا لا نرى إلا الحج ، فلما كنت بسرف حضت ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فقالَ : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) قلت : نعم . قالَ : ( إن هَذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، فاقضي ما يقضي الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت ) . قالت : وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن نسائه بالبقر . هَذا إسناد شريف جدًا ؛ لجلالة رواته ، وتصريحهم كلهم بسماع بعضهم من بعض ، فلهذا صدر بهِ البخاري ( كِتابِ الحيض ) . وفيه اللفظة التي استدل بها البخاري على أن الحيض لازم للنساء منذ خلقهن الله ، وأنه لَم يحدث في بني إسرائيل كَما تقدم . وقد رويت هَذهِ اللفظة أيضا عَن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ ذَلِكَ لعائشة في الحج - بمعنى حديث عائشة . خرجه مسلم في ( صحيحه ) . ورويت أيضا عَن أم سلمة ، من رواية محمد بن عمرو : نا أبو سلمة ، عَن أم سلمة ، قالت : كنت معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحافه ، فوجدت ما تجد النساء من الحيضة ، فانسللت من اللحاف . فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنفست ؟ ) قلت : وجدت ما تجد النساء من الحيضة ! قالَ : ( ذاك ما كتب الله على بنات آدم ) . قالت : فانسللت ، فأصلحت من شأني ، ثم رجعت ، فقالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تعالي فادخلي معي في اللحاف ) . قالت : فدخلت معه . خرجه [...] ابن ماجه . ومعنى : ( كتب الله على بنات آدم ) - أنهُ قضى بهِ عليهن وألزمهن إياه ، فهن متعبدات بالصبر عليهِ . وجاء في رواية للإمام أحمد من رواية الأوزاعي ، عَن أبي عبيد ، عَن عائشة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، في هَذا الحديث أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : لا أحسب النساء خلقن إلا للشر ! قالَ : ( لا ، ولكنه شيء ابتلي بهِ نساء بني آدم ) . ولفظ ( الكتابة ) يدل على اللزوم والثبوت ؛ إما شرعًا كقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ أو قدرًا كقوله : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وهذا الحديث من هَذا القبيل .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كيف كان بدء الحيض · ص 254 بسم الله الرحمن الرحيم ( كتاب الحيض ) أي هذا كتاب في بيان أحكام الحيض ، ولما فرغ مما ورد في بيان أحكام الطهارة من الإحداث أصلا وخلفا ، شرع في بيان ما ورد في بيان الحيض الذي هو من الأنجاس ، وقدم ما ورد فيه على ما ورد في النفاس لكثرة وقوع الحيض بالنسبة إلى وقوع النفاس . والحيض في اللغة : السيلان ، يقال : حاضت السمرة ، وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم ، ويقال : الحيض لغة الدم الخارج ، يقال : حاضت الأرانب إذا خرج منها الدم ، وفي ( العباب ) التحييض التسييل ، يقال : حاضت المرأة تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا . وعن اللحياني : حاض وجاض وحاص بالمهملتين وحاد كلها بمعنى ، والمرأة حائض وهي اللغة الفصيحة الفاشية بغير تاء ، واختلف النحاة في ذلك ، فقال الخليل : لما لم يكن جاريا على الفعل كان بمنزلة المنسوب بمعنى حائضي ، أي : ذات حيض كدارع ونابل وتامر ولابن ، وكذا طالق وطامث وقاعد للآيسة ، أي : ذات طلاق ، ومذهب سيبويه أن ذلك صفة شيء مذكر ، أي شيء أو إنسان أو شخص حائض ، ومذهب الكوفيين أنه استغنى عن علامة التأنيث ؛ لأنه مخصوص بالمؤنث ، ونقض بجمل باذل وناقة بازل وضامر فيهما ، وإما معناه في الشرع فهو دم ينفضه رحم امرأة سليمة عن داء وصغر ، وقال الأزهري : الحيض دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة من قعر الرحم . وقال الكرخي : الحيض دم تصير به المرأة بالغة بابتداء خروجه ، وقيل : هو دم ممتد خارج عن موضع مخصوص ، وهو القيل : والاستحاضة جريان الدم في غير أوانه ، وقال أصحابنا : الاستحاضة ما تراه المرأة في أقل من ثلاثة أيام أو على أكثر من عشرة أيام . ( وقول الله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ، إلى قوله : ويحب المتطهرين ) . قول الله بالجر عطفا على قوله : الحيض المضاف إليه لفظ كتاب وسبب نزول هذه الآية ما رواه مسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت ، فسأل أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأنزل الله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ الآية ، فقال : النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ا: فعلوا كل شيء إلا النكاح . وقال الواحدي : السائل هو أبو الدحداح ، وفي مسلم أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر قالا بعد ذلك : أفلا نجامعهن ، فتغير وجه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الحديث . وهذا بيان للأذى المذكور في الآية ، وقال الطبري سمي الحيض أذى لنتنه وقذره ونجاسته . وقال الخطابي : الأذى المكروه الذي ليس بشديد كما قال تعالى : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى فالمعنى أن المحيض أذى يعتزل من المرأة بوضعه ، ولكن لا يتعدى ذلك إلى بقية بدنها ، قالوا : والمراد من المحيض الأول الدم ، وأما الثاني : فقد اختلف فيه : أهو نفس الدم أو زمن الحيض أو الفرج والأول هو الأصح ، فإن قلت : أورد هذه الآية هاهنا ولم يبين منها شيئا فما كانت فائدة ذكرها هاهنا . قلت : أقل فائدة التنبيه إلى نجاسة الحيض والإشارة أيضا إلى وجوب الاعتزال عنهن في حالة الحيض وغير ذلك . ( باب كيف كان بدء الحيض ) أي هذا باب فارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ويجوز فيه التنوين بالقطع عما بعده وتركه للإضافة إلى ما بعده ، والباب أصله البوب ، قلبت الواو : ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ويجمع على أبواب وأبوبة ، والمراد من الباب هنا النوع كما في قولهم : من فتح بابا من العلم ، أي : نوعا ، وكلمة كيف اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل في قولهم على كيف تبيع الأحمرين ، فإن قلت : ما محل كيف من الإعراب . قلت : يجوز أن تكون حالا كما في قولك كيف جاء زيد ، أي : على أي حالة جاء زيد والتقدير هاهنا : على أي حالة كان ابتداء الحيض ؟ ولفظ كان من الأفعال الناقصة تدل على الزمان الماضي من غير تعرض لزواله في الحال أو لا زواله ، وبهذا يفترق عن صار فإن معناه الانتقال من حال إلى حال ، ولهذا لا يجوز أن يقال : صار الله ، ولا يقال : إلا كان الله . قوله : بدء الحيض ، من بدأ يبدأ بدوا ، أي : ظهر ، والبدأ بالهمزة في آخره على فعل بسكون العين من بدأت الشيء بدءا ابتدأت به . ( وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ) . هذا من تعليقات البخاري والآن يذكره موصولا عقيب هذا ، وسيذكره أيضا في الباب السادس في جملة حديث . وقال بعضهم : وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا شيء يشير إلى حديث عائشة المذكور عقيبه . قلت : هذا الكلام غير صحيح ، بل قوله صلى الله عليه وسلم : هذا شيء يشير به إلى الحيض ، فكذلك لفظ شيء في الحديث الذي سيأتي في الباب السادس : ولكنه بلفظ : فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم . وفي الحديث الذي عقيبه : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم وعلى كل تقدير الإشارة إلى الحيض ، وقد استدركه هذا القائل في آخر كلامه بقوله : والإشارة بقوله هذا إلى الحيض . ( وقال بعضهم كان أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل ) . هذا قول عبد الله بن مسعود وعائشة رضي الله تعالى عنهما ، أخرجه عبد الرزاق عنهما ، ولفظه : كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعا وكانت المرأة تتشرف للرجل فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد فإن قلت : الحيض أرسل على بنات بني إسرائيل على هذا القول ولم يرسل على بنيه ، فكيف قال : على بني إسرائيل ؟ قلت : قال الكرماني : يستعمل بنو إسرائيل ويراد به أولاده كما يراد من بني آدم أولاده ، أو المراد به القبيلة . قلت : هذا من حيث اللغة يمشي ومن حيث العرف لا يذكر الابن . ويراد به الولد حتى لو أوصى بثلث ماله لابن زيد ، وله ابن وبنت لا تدخل البنت فيه ودخول البنات في بني آدم بطريق التبعية ، وقوله أو المراد به القبيلة ليس له وجه أصلا ؛ لأن القبيلة تجمع الكل فيدخل فيه الرجال أيضا ، وقد علم أن طبقات العرب ست ، فالقبائل تجمع الكل ، ويمكن أن يقال : إن المضاف فيه محذوف تقديره : على بنات بني إسرائيل يشهد بذلك قوله : عليه الصلاة والسلام : كتبه الله على بنات بني آدم ، وقد ذكر التوفيق بينهما عن قريب إن شاء الله تعالى ، فإن قلت : ما محل قوله : على بني إسرائيل من الإعراب ؟ قلت : النصب ؛ لأنها جملة وقعت خبرا لكان . قوله : أول مرفوع ؛ لأنه اسمه وكلمة ما مصدرية تقديره : كان أول إرسال الحيض على بني إسرائيل . ( قال أبو عبد الله : وحديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر ) . أبو عبد الله هو البخاري نفسه وكأنه أشار بهذا الكلام إلى درجة التوفيق بين الخبرين ، وهو أن كلام الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أكثر قوة وقبولا من كلام غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وقال الكرماني : ويروى : أكبر ، بالباء الموحدة ، ومعناه على هذا ، وحديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم وأجل وآكد ثبوتا ، وفسر الكرماني الأكثر بالثاء المثلثة ، أي : أشمل ؛ لأنه يتناول بنات إسرائيل وغيرهن ، وقال بعضهم : أكثر ، أي : أشمل ؛ لأنه عام في جميع بنات بني آدم ، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن . قلت : لم لا يجوز أن يكون الشمول في بنات إسرائيل ومن بعدهن ، وقال الداودي : ليس بينهما مخالفة فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم . وقال بعضهم : فعلى هذا ، فقوله : بنات آدم عام ، أريد به الخصوص . قلت : ما أبعد كلام الداودي في التوفيق بينهما نعم نحن ما ننكر أن نساء بني إسرائيل من بنات آدم ، ولكن الكلام في لفظ الأولية فيهما ، ولا تنتفي المخالفة إلا بالتوفيق بين لفظي الأولية ، وأبعد من هذا قول هذا القائل عام أريد به الخصوص ، فكيف يجوز تخصيص عموم كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكلام غيره ، ثم قال هذا القائل : ويمكن أن يجمع بينهما بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده . قلت : هذا كلام من لا يذوق المعنى ، وكيف يقول : لا ابتداء وجوده ، والخبر فيه أول ما أرسل وبينه وبين كلامه منافاة ، وأيضا من أين ورد أن الحيض طال مكثه في نساء بني إسرائيل ، ومن نقل هذا ، وقد روى الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ابتداء الحيض كان على حواء عليها الصلاة والسلام بعد أن أهبطت من الجنة ، وكذا رواه ابن المنذر ، وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره ، أن قوله تعالى في قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم : وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ أي : حاضت ، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب ؛ لأن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام . قلت : ولقد حضر لي جواب في التوفيق من الأنوار الإلهية بعونه ولطفه ، وهو أنه يمكن أن الله تعالى قطع حيض نسائهم ؛ لأن من حكم الله تعالى أنه جعل الحيض مسببا لوجو النسل ، ألا ترى أن المرأة إذا ارتفع حيضها لا تحمل عادة ، فلما أعاده عليهن كان ذلك أول الحيض بالنسبة إلى مدة الانقطاع فأطلق الأولية عليه بهذا الاعتبار ؛ لأنها من الأمور النسبية فافهم . 1 - حدثنا علي بن عبد الله المديني ، قال : حدثنا سفيان ، قال : سمعت عبد الرحمن بن القاسم ، قال : سمعت القاسم يقول : سمعت عائشة تقول : خرجنا لا نرى إلا الحج ، فلما كنا بسرف حضت ، فدخل علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أبكي ، فقال : ما لك ؟ أنفست ؟ قلت : نعم . قال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، فأقضي ما يقضي الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت . قالت : وضحى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نسائه بالبقر . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، وعلى رأس هذا الحديث في رواية أبي ذر وأبي الوقت باب الأمر بالنفساء إذا نفس ، وفي أكثر الروايات هذه الترجمة ساقطة ، أي هذا باب في بيان الأمر المتعلق بالنفساء . قال الكرماني : البحث في الحيض فما وجه تعلقه به . قلت : المراد بالنفساء الحائض . قلت : النفساء مفرد وجمعه نفاس . وقال الجوهري : ليس في الكلام من فعلاء يجمع على فعال غير نفساء وعشراء ، وهي الحامل من البهائم ، ثم قلت : ويجمع أيضا على نفساوات بضم النون ، وقال صاحب ( المطالع ) وبالفتح أيضا ، ويجمع أيضا على نفس بضم النون والفاء ، قال : ويقال في الواحد : نفسى مثل كبرى ، وبفتح النون أيضا ، وامرأتان نفساوان ، ونساء نفاس ، والنفاس أيضا مصدر سمي به الدم كما يسمى بالحيض ، مأخوذ من تنفس الرحم بخروج النفس الذي هو الدم ، وفي المغرب النفاس مصدر نفست المرأة بضم النون وفتحها إذا ولدت فهي نفساء . قوله : إذا نفس بضم الفاء وفتحها والضمير الذي فيه يرجع إلى النفساء ، وتذكيره باعتبار الشخص أو لعدم الالتباس كما ذكرنا عن قريب . فإن قلت : الباء في بالنفساء ما هي ؟ قلت : زائدة ؛ لأن النفساء مأمورة لا مأمور بها أو يكون التقدير الأمر الملتبس بالنفساء . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : علي بن عبد الله المديني بفتح الميم وكسر الدال ، قال ابن الأثير : منسوب إلى مدينة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذا أحد ما استعمل بالنسب فيه خارجا عن القياس فإن قياسه المدني ، وقال الجوهري :تقول في النسبة إلى مدينة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مدني ، وإلى مدينة المنصور مديني للفرق . الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : عبد الرحمن بن القاسم . الرابع : القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . الخامس : عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه السماع في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الأضاحي عن قتيبة وعن مسدد ، وأخرجه مسلم في الحج ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، وزهير بن حرب ، عن سفيان ، وأخرجه النسائي في الطهارة عن إسحاق بن إبراهيم ، وفي الحج عن محمد بن عبد الله والحارث بن مسكين ، وعن محمد بن رافع ، عن يحيى بن آدم ، وأخرجه ابن ماجه في الحج ، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد . ( ذكر معناه وإعرابه ) : قوله : ( لا نرى إلا الحج ) ، جملة في محل النصب على الحال ، ولا نرى بضم النون بمعنى : لا نظن ، وقوله : ( إلا الحج ) يعني إلا قصد الحج ، لأنهم كانوا يظنون امتناع العمرة في أشهر الحج ، فأخبرت عن اعتقادها ، أو عن الغالب عن حال الناس ، أو عن حال الشارع ، أما هي فقد قالت : إنها لم تحرم إلا بالعمرة . قوله : ( فلما كنت ) ، وفي بعض النسخ : فلما كنا . قوله : ( بسرف ) بفتح السين المهملة وكسر الراء ، وفي آخره فاء ، وهو اسم موضع قريب من مكة بينهما نحو من عشرة أميال ، وقيل : عشرة ، وقيل : تسعة ، وقيل : سبعة ، وقيل : ستة ، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث . قوله : ( حضت ) بكسر الحاء ؛ لأنه من حاض يحيض ، كبعت من باع يبيع ، أصله : حيضت . قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، فصار حضت بالفتح ، ثم أبدلت الفتحة كسرة لتدل على الياء المحذوفة . قوله : ( وأنا أبكي ) جملة اسمية وقعت حالا بالواو . قوله : ( أنفست ) الهمزة فيه للاستفهام ونفست قال النووي : بضم الفاء وفتحها في الحيض والنفاس ، لكن الضم في الولادة والفتح في الحيض أكثر . . وحكى صاحب ( الأفعال ) الوجهين جميعا ، وفي شرح مسلم المشهور في اللغة أن نفست بفتح النون وكسر الفاء : معناه : حضت ، وأما في الولادة فيقال : نفست بضم النون . وقال الهروي : نفست بضم النون وفتحها في الولادة ، وفي الحيض بالفتح لا غير . قوله : ( إن هذا أمر ) ، إشارة إلى الحيض ، فالأمر بمعنى الشأن . وقال الكرماني . قوله : ( أمر ) ، وفي الترجمة شيء فهو إما من باب نقل الحديث بالمعنى ، وإما أن اللفظين ثابتان . قلت : لا يحتاج إلى الترديد ؛ إذ اللفظان ثابتان . قوله : ( فاقضي ) خطاب لعائشة ، فلذلك لم تسقط الياء ، ومعناه : فأدي ، لأن القضاء يأتي بمعنى الأداء ، كما في قوله تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا أي إذا أديت صلاة الجمعة . قوله : ( ما يقضي الحاج ) ، قال الكرماني : المراد من الحاج الجنس ، فيشمل الجمع هو كقوله تعالى : سَامِرًا تَهْجُرُونَ قلت : لا ضرورة إلى هذا الكلام ، بل هو اسم فاعل ، وأصله : حاجج ، وربما يأتي في ضرورة الشعر ، هكذا قال الراجز . بكل شيخ عامر أو حاجج . وفي الصحاح تقول : حججت البيت أحجه حجًّا ، فأنا حاج ، ويجمع على حجج ، مثل بازل وبزل . قوله : ( غير ألا تطوفي ) بنصب غير ، وألا بالتشديد أصله : أن لا ، ويجوز أن تكون أن مخففة من المثقلة ، وفيه ضمير الشأن ولا تطوفي مجزوم ، والمعنى لا تطوفي ما دمت حائضا ؛ لفقدان شرط صحة الطواف ، وهو الطهارة . قوله : ( بالبقر ) ويروي بالبقرة ، والفرق بينهما كتمرة وتمر ، وعلى تقدير عدم التاء يحتمل التضحية بأكثر من بقرة واحدة . ( ذكر استنباط الأحكام ) : منها أن المرأة إذا حاضت بعد الإحرام ينبغي لها أن تأتي بأفعال الحج كلها ، غير أنها لا تطوف بالبيت ، فإذا طافت قبل أن تتطهر فعليها بدنة ، وكذلك النفساء والجنب عليهما بدنة بالطواف قبل التطهر عن النفاس والجنابة ، وأما المحدث فإن طاف طواف القدوم فعليه صدقة . وقال الشافعي : لا يعتد به والطهارة من شرطه عنده ، وكذا الحكم في كل طواف هو تطوع ، ولو طاف طواف الزيارة محدثا فعليه شاة ، وإن كان جنبًا فعليه بدنة ، وكذا الحائض والنفساء . ومنها جواز البكاء والحزن لأجل حصول مانع للعبادة . ومنها جواز التضحية ببقرة واحدة لجميع نسائه . ومنها جواز تضحية الرجل لامرأته . وقال النووي : هذا محمول على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم استأذنهن في ذلك ، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه . قلت : هذا في الواجب ، وأما في التطوع فلا يحتاج إلى الإذن ، فاستدل مالك به على أن التضحية بالبقر أفضل من البدنة ، ولا دلالة له فيه ، والأكثرون منهم الشافعي ذهبوا إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقرة ، لتقديم البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة . وهذا الحديث الذي رواه البخاري هاهنا حديث طويل فيه أحكام كثيرة وخلافات بين العلماء ، وموضعها كتاب الحج .