3 - بَاب قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ فَتَأْتِيهِ بِالْمُصْحَفِ فَتُمْسِكُهُ بِعِلَاقَتِهِ 297 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ سَمِعَ زُهَيْرًا ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ ، أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ ) الْحِجْرُ بِفَتْحِ الْمُهْملَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ ) هُوَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . قَوْلُهُ : ( يُرْسِلُ خَادِمَهُ ) أَيْ جَارِيَتَهُ ، وَالْخَادِمُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى . قَوْلُهُ : ( إِلَى أَبِي رَزِينٍ ) هُوَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( بِعِلَاقَتِهِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، أَيِ الْخَيْطِ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ كِيسُهُ ، وَذَلِكَ مَصِيرٌ مِنْهُمَا إِلَى جَوَازِ حَمْلِ الْحَائِضِ الْمُصْحَفَ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ مَسِّهِ ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ نَظَّرَ حَمْلَ الْحَائِضِ الْعِلَاقَةَ الَّتِي فِيهَا الْمُصْحَفُ بِحَمْلِ الْحَائِضِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَحْفَظُ الْقُرْآنَ ; لِأَنَّهُ حَامِلُهُ فِي جَوْفِهِ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَنَعَ الْجُمْهُورُ ذَلِكَ ، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الْحَمْلَ مُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ ، وَالِاتِّكَاءَ لَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ حَمْلًا . قَوْلُهُ : ( سَمِعَ زُهَيْرًا ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ ، وَمَنْصُورُ ابْنُ صَفِيَّةَ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمِّهِ لِشُهْرَتِهَا ، وَهُوَ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِيُّ ، وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ) وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّوْحِيدِ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ وَضْعُ رَأْسِهِ فِي حِجْرِهَا . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِي هَذَا الْفِعْلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ; لِأَنَّ قِرَاءَتَهَا لَوْ كَانَتْ جَائِزَةً لَمَا تُوُهِّمَ امْتِنَاعُ الْقِرَاءَةِ فِي حِجْرِهَا حَتَّى احْتِيجَ إِلَى التَّنْصِيصِ عَلَيْهَا ، وَفِيهِ جَوَازُ مُلَامَسَةِ الْحَائِضِ ، وَأَنَّ ذَاتَهَا وَثِيَابَهَا عَلَى الطَّهَارَةِ مَا لَمْ يَلْحَقْ شَيْئًا مِنْهَا نَجَاسَةٌ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَقْذَرَةِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ بِقُرْبِ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ : وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِنَادِ الْمَرِيضِ فِي صَلَاتِهِ إِلَى الْحَائِضِ إِذَا كَانَتْ أَثْوَابُهَا طَاهِرَةً ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ · ص 479 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض · ص 403 3 - باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض وكان أبو وائل يرسل خادمه وهي حائض إلى أبي رزين ؛ لتأتيه بالمصحف ، فتمسكه بعلاقته . 297 - حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين : سمع زهيرًا ، عَن منصور بن صفية ، أن أمه حدثته ، أن عائشة حدثتها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يتكئ في حجري وأنا حائض ، ثم يقرأ القرآن . هَذا الإسناد كله مصرح فيهِ بالتحديث والسماع ، إلا في رواية زهير وَهوَ ابن معاوية ، عَن منصور بن صفية بنت شيبة . ومراد البخاري بهذا الباب أن قرب القارئ من الحائض ومن موضع حيضها لا يمنعه من القراءة ؛ فإنه لو لَم يكن للحيض تأثير في منع القراءة لَم يكن في إخبار عائشة بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وَهوَ متكئ في حجرها في حال الحيض معنى ، فإنها أرادت أن قرب فم القارئ للقرآن من محل الحيض لا يمنعه القراءة . وقد زعم بعضهم أن في الحديث دلالة على أن الحيض نفسه غير مانع من القراءة ، ولا يصح ذَلِكَ ، إنما مراد عائشة أن قرب الطاهر من الحائض لا يمنع القراءة . وقد صرحت ميمونة أم المؤمنين بهذا المعنى ، كَما خرجه الإمام أحمد من حديث ابن جريج : أخبرني منبوذ ، أن أمه أخبرته ، أنها بينا هي جالسة عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إذ دخل عليها ابن عباس ، فقالت : ما لك شعثًا ؟ قالَ : أم عمار مرجلتي حائض . فقالت : أي بني ، وأين الحيضة من اليد ؟ لقد كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يدخل على إحدانا وهي متكئة حائض ، قَد علم أنها حائض ، فيتكئ عليها ، فيتلو القرآن وَهوَ متكئ عليها . أو يدخل عليها قاعدة وهي حائض ، فيتكئ في حجرها ، فيتلو القرآن وَهوَ متكئ في حجرها . وتقوم وهي حائض ، فتبسط لَهُ خمرة في مصلاه . وفي رواية : فتبسط خمرته ، فيصلي عليها في بيتي . أي بني ، وأين الحيضة من اليد ؟ وخرجه النسائي مختصرًا ، ولم يذكر قصة ابن عباس . قالَ القرطبي : ويؤخذ من هَذا الحديث جواز استناد المريض للحائض في صلاته إذا كانت أثوابها طاهرة . قالَ : وَهوَ أحد القولين عندنا . وفي ( تهذيب المدونة ) في صلاة المريض : ولا يستند بحائض ولا جنب . وقد ألحق البخاري بذلك إمساك الحائض بعلاقة المصحف وحمله كذلك ، وقد حكاه عن أبي وائل . وقد اختلف الفقهاء في حمل المُحدِث المصحف بعلاقة : هل هوَ جائز ؟ أم لا ؟ وفيه قولان مشهوران : وممن رخص في ذَلِكَ عطاء والحسن والأوزاعي والثوري ، وكرهه مالك ، وحرمه أصحاب الشَافِعي ، وعن أحمد روايتان ، ومن أصحابنا من جزم بجوازه من غير خلاف حكاه . وأصل هَذهِ المسألة منع المحدث من مس المصحف ، وسواء كانَ حدثه حدثًا أكبر وَهوَ من يجب عليهِ الغسل ، أو أصغر وَهوَ من يجب عليهِ الوضوء . هَذا قول جماهير العلماء ، وروي ذَلِكَ عَن علي وسعد وابن عمر وسلمان ، ولا يعرف لَهُم مخالف من الصحابة ، وفيه أحاديث عَن النبي صلى الله عليه وسلم متصلة ومرسلة . وخالف في ذَلِكَ أهل الظاهر . وأجاز الحكم وحماد للمحدث مسه بظهر الكف دونَ بطنه . وعن الحسن ، قالَ : لا بأس أن يأخذ المصحف غير المتوضئ ، فيضعه من مكان إلى مكان . وعن سعيد بن جبير أنهُ بال ، ثم غسل وجهه ويديه ، ثم أخذ المصحف ، فقرأ فيهِ . رواهما عبد الرزاق . وعن الشعبي ، قالَ : مس المصحف ما لم تكن جنبًا . ذكره وكيع . وأما الاستدلال بقولِهِ عز وجل : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ - ففيه كلام ليسَ هَذا موضعه . والله أعلم . وإن عدم الماء وتيمم فله مس المصحف عندنا وعند الشافعية والأكثرين ، خلافًا للأوزاعي . وفي الحديث دلالة على جواز قراءة القرآن متكئًا ، ومضطجعًا ، وعلى جنبه ، ويدخل ذَلِكَ في قول الله عز وجل : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض · ص 259 باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض . أي هذا باب في بيان حكم قراءة الرجل في حجر امرأته ، والحال أنها حائض ، والحجر بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الجيم ، والجمع حجور ، ومحل في حجر امرأته نصب على الحال ، تقديره قراءة الرجل حال كونه متكئا على حجر امرأته وكلمة في تأتي بمعنى على ، كما في قوله تعالى : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي عليها ، ويجوز أن يقدر واضعا رأسه على حجر امرأته ، ومستندا إليه . ثم وجه المناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منها على حكم متعلق بالحائض ، وهو ظاهر . ( وكان أبو وائل يرسل خادمه وهي حائض إلى أبي رزين فتأتيه بالمصحف فتمسكه بعلاقته ) . الكلام في هذا على أنواع . الأول في وجه مطابقة هذا للترجمة ؛ فقال صاحب التلويح وتبعه صاحب التوضيح : لما ذكر البخاري حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف نظرها بمن يحفظ القرآن فهو حامله ، لأنه في جوفه كما روي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير هو في جوفه ، ولما قرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ورقة وهو جنب قال : في جوفي أكثر من هذا ، ونزل ثياب الحائض بمنزلة العلاقة وقراءة الرجل بمنزلة المصحف لكونه في جوفه ، قلت : هذا في غاية البعد ؛ لأن بين قراءة الرجل في حجر امرأته وبين حمل الحائض المصحف بعلاقته بون عظيم من الجهة التي ذكرت ، لأن قوله : ( نظرها ) إما تشبيه ، وإما قياس ، فإن أراد به التشبيه ، وهو تشبيه محسوس بمعقول فلا وجه للتشبيه ، وإن أراد به القياس فشروطه غير موجودة فيه ، ويمكن أن يقال : وجه التطابق بينهما هو جواز الحكم في كل منهما ، فكما تجوز قراءة الرجل في حجر الحائض فكذلك يجوز حمل الحائض المصحف بعلاقته ، وفي كل منهما دخل للحائض ، وفيه وجه التطابق ، ثم لو قيل ما قيل في ذلك فلا يخلو عن تعسف . النوع الثاني : أن هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح ، فقال : حدثنا جرير عن مغيرة : كان أبو وائل فذكره . النوع الثالث في معناه : فقوله : ( يرسل خادمه ) ، الخادم اسم لمن يخدم غيره ، ويطلق على الغلام والجارية ؛ فلذلك قال : وهي حائض ، فأنث الضمير . قوله : ( بعلاقته ) بكسر العين ما يعلق به المصحف ، وكذلك علاقة السيف ونحو ذلك . وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة الأسدي ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يره ، روى عن كثيرين من الصحابة . وقال يحيى بن معين : ثقة لا يسأل عن مثله ، قال الواقدي : مات في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، وأبو رزين بفتح الراء وكسر الزاي المعجمة ، اسمه مسعود بن مالك الأسدي ، مولى أبي وائل الكوفي التابعي ، روى له مسلم والأربعة . النوع الرابع في استنباط الحكم منه ، وهو جواز حمل الحائض المصحف بعلاقته ، وكذلك الجنب ، وممن أجاز ذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعطاء ، والحسن البصري ، ومجاهد ، وطاوس ، وأبو وائل ، وأبو رزين ، وأبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، والأوزاعي ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، والشعبي ، والقاسم بن محمد . وقال ابن بطال : ورخص في حمله الحكم ، وعطاء ابن أبي رباح ، وسعيد بن جبير ، وحماد بن أبي سليمان وأهل الظاهر ومنع الحكم مسه بباطن الكف خاصة . وقال ابن حزم : وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز كل ذلك بوضوء وبلا وضوء ، وللجنب والحائض ، وهو قول ربيعة وسعيد بن المسيب وابن جبير وابن عباس وداود وجميع أصحابنا ، وأما مس المصحف ، فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه ، فإنه لا يصح منها شيء لأنها إما مرسلة ، وإما صحيفة لا نستند به ، وإما عن ضعيف ، والصحيح عن ابن عباس عن أبي سفيان حديث هرقل الذي فيه : و قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث كتابا فيه قرآن للنصارى ، وقد أيقن أنهم يمسونه ، فإن ذكروا حديث ابن عمر : نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو . قلنا : هذا حق يلزم اتباعه ، وليس فيه لا يمس المصحف جنب ولا كافر ، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط ، فإن قالوا : إنما بعث إلى هرقل بآية واحدة . قيل لهم : ولم يمنع من غيرها ، وأنتم أهل قياس فقيسوا ، فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها ، فإن ذكروا قوله جل وعلا : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ قلنا : لا حجة فيه لأنه ليس أمرا ، وإنما هو خبر ، والرب تعالى لا يقول إلا حقا ، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي أو إجماع متيقن ، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه لم يعن المصحف . وإنما عنى كتابا آخر عنده كما جاء عن سعيد بن جبير في هذه الآية : هم الملائكة الذين في السماء ، وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ مصحفا أمر نصرانيا ، فينسخه له . وقال أبو حنيفة : لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعلاقته وغير المتوضئ عنده كذلك ، وأبى ذلك مالك إلا إن كان في خرج أو تابوت ؛ فلا بأس أن يحمله الجنب واليهودي والنصراني قال أبو محمد: وهذه تفاريق لا دليل على صحتها . انتهى كلامه . والجواب عما قاله فقوله : بأن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه إلخ ليس كذلك ؛ فإن أكثر الآثار في ذلك صحاح ؛ منها ما رواه الدارقطني في سننه بسند صحيح متصل عن أنس : خرج عمر بن الخطاب متقلدا السيف ، فدخل على أخته وزوجها خباب وهم يقرؤون سورة طه ، فقال : أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرؤه ، فقالت له أخته : إنك رجس ، ولا يمسه إلا المطهرون ، فقم فاغتسل ، أو توضأ فقام وتوضأ ، ثم أخذ الكتاب بيده ، والعجب من أبي عمر بن عبد البر إذ ذكره في سير ابن إسحاق . وقال : هو معضل ، وتبعه على ذلك أبو الفتح القشيري ، وهذا أعجب منه . وقال السهيلي : هو من أحاديث السير . ومنها ما رواه الدارقطني أيضا بسند صحيح من حديث سالم يحدث عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يمس القرآن إلا طاهر ، ولما ذكره الجوزقاني في كتابه قال : هذا حديث مشهور حسن . ومنها ما رواه الدارقطني أيضا من حديث الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه : لا يمس القرآن إلا طاهر ، ورواه في الغرائب من حديث إسحاق الطباع عن مالك مسندا ، ومن الطريق الأولى ، خرجه الطبراني في الكبير ، وابن عبد البر ، والبيهقي في الشعب . وقد وردت أحاديث كثيرة بمنع قراءة القرآن للجنب والحائض ، منها : حديث عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه ، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب ، قال أبو عمر : رويناه من وجوه صحاح . ومنها حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة ، عن علي رضي الله تعالى عنه ، يرفعه : لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة ، صححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن حبان وأبو علي الطوسي والترمذي والحاكم والبغوي في شرح السنة ، وفي سؤالات الميموني قال شعبة : ليس أحد يحدث بحديث أجود من ذا ، وفي كامل ابن عدي عنه : لم يرو عمرو أحسن من هذا ، وكان شعبة يقول : هذا ثلث رأس مالي . وخرجه ابن الجارود في المنتقى زاد ابن حبان : قد يتوهم غير المتبحر في الحديث أن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها كان يذكر الله تعالى على أحيانه يعارض هذا ، وليس كذلك ؛ لأنها أرادت الذكر الذي هو غير القرآن ؛ إذ القرآن يجوز أن يسمى ذكرا وكان لا يقرأ وهو جنب ، ويقرؤه في سائر الأحوال . ومنها حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقرأ الحائض ولا الجنب ولا النفساء القرآن شيئا . رواه الدارقطني ، ثم البيهقي . وقال : إسناده صحيح . ومنها حديث أبي موسى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي لا تقرأ القرآن وأنت جنب . وعن الأسود أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند لا بأس به ، وإبراهيم : لا يقرأ الجنب ، وعن الشعبي وأبي وائل مثله بزيادة : والحائض . والجواب عن الكتاب إلى هرقل فنحن نقول به لمصلحة الإبلاغ والإنذار ، وأنه لم يقصد به التلاوة . وأما الجواب عن الآية بأن المراد بالمطهرين الملائكة كما قاله قتادة والربيع بن أنس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبير وغيرهم ، ونقله السهيلي عن مالك ، وأكدوا هذا بقوله : ( المطهرين ) ، ولم يقل : المتطهرين إن تخصيص الملائكة من بين سائر المتطهرين على خلاف الأصل ، وكلهم مطهرون والمس والاطلاع عليه ، إنما هو لبعضهم دون الجمبع . 4 - حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، سمع زهيرا ، عن منصور بن صفية : أن أمه حدثته أن عائشة حدثتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ في حجري وأنا حائض ، ثم يقرأ القرآن . قال صاحب التوضيح : وجه مناسبة إدخال حديث عائشة فيه أن ثيابها بمنزلة العلاقة ، والشارع بمنزلة المصحف ، لأنه في جوفه ، وحامله إذ غرض البخاري بهذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض المصحف وقراءتها القرآن ، فالمؤمن الحافظ له أكبر أوعيته . قلت : ليس في الحديث إشارة إلى الحمل ، وفيه الاتكاء ، والاتكاء غير الحمل ، وكون الرجل في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل ، وغرض البخاري الدلالة على جواز القراءة بقرب موضع النجاسة لا على جواز حمل الحائض للمصحف ، وبهذا رد الكرماني على ابن بطال في قوله : وغرض البخاري في هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض للمصحف وقراءتها القرآن . قلت : رده عليه إنما يستقيم في قوله : ( وقراءتها القرآن ) ؛ لأنه ليس في الحديث ما يدل على جواز قراءة الحائض القرآن ، والذي فيه يدل على جواز قراءة القرآن في حجر الحائض ، وعلى جواز حمل المصحف لها بعلاقته ، فأورد حديثا وأثرا فالحديث يدل على الأول ، والأثر يدل على الثاني ، ولكنه غير مطابق للترجمة ، وكل ما كان من هذا القبيل فيه تعسف ولا يقرب من الموافقة إلا بالجر الثقيل . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول أبو نعيم . الثاني زهير بن معاوية بن خديج الجعفي . الثالث منصور بن صفية بنت شيبة ، وأبو منصور عبد الرحمن الحجبي العبدري المكي كان يحجب البيت ، وهو شيخ كبير ، وإنما نسب منصور إلى أمه ؛ لأنه اشتهر بها ، ولأنه روى عنها ، الرابع صفية بنت شيبة ، الخامس عائشة رضي الله تعالى عنها . ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه السماع في موضع واحد ، والعنعنة كذلك ، وفيه أن رواته ما بين كوفي ومكي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، عن قبيصة ، عن سفيان الثوري ، وأخرجه مسلم في الطهارة ، عن يحيى بن يحيى ، عن داود بن عبد الرحمن المكي ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر كلاهما عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه ابن ماجه ، عن محمد بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري ، أربعتهم عن منصور بن عبد الرحمن به . ( ذكر معناه وغيره ) قوله : ( يتكئ في حجري ) ، قال القرطبي : كذا صوابه ، ووقع في رواية العذري : حجرتي ، بتاء مثناة من فوق ، وهو وهم . قوله : ( يتكئ ) بالهمزة من باب الافتعال ، أصله يوتكئ ، قلبت الواو تاء ، وأدغمت التاء في التاء ، وثلاثيه وكأ ، وهي جملة في محل النصب ؛ لأنها خبر كان . قوله : ( وأنا حائض ) ، جملة اسمية وقعت حالا ، قال الكرماني : إما من فاعل يتكئ ، وإما من المضاف إليه ، وهو ياء المتكلم . قلت : من فاعل يتكئ لا وجه له على ما لا يخفى ، وما هي إلا من ياء المتكلم : في حجري ، ولا يمنع وقوع الحال من المضاف إليه إذا كان بين المضاف والمضاف إليه شدة الاتصال ، كما في قوله تعالى : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وكلمة في في قوله : ( في حجري ) ، بمعنى على ، كما في قوله تعالى : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي على جذوع النخل ، فإن قلت : ما فائدة العدول عنه ؟ قلت : لبيان التمكن فيه كتمكن المظروف في الظرف . قوله : ( فيقرأ القرآن ) ، وفي رواية البخاري في التوحيد : كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض ، فعلى هذا المراد بالاتكاء وضع رأسه في حجرها . وقال ابن دقيق العيد : في هذا القول إشارة إلى أن الحائض لا يقرأ القرآن ؛ لأن قراءتها لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة في حجرها حتى احتيج إلى التنصيص عليها ، وفيه جواز ملامسة الحائض لأنها طاهرة ، وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة ، قاله النووي . قلت : فيه نظر لأن الحائض طاهرة والنجاسة هو الدم ، وهو غير طاهر في كل وقت من أوقات الحيض ، فعلى هذا لا يكره قراءة القرآن ، بحذاء بيت الخلاء ، ومع هذا ينبغي أن يكره تعظيما للقرآن ؛ لأن ما قرب إلى الشيء يأخذ حكمه ، وفيه جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت ثيابها طاهرة قاله القرطبي ، وفيه نظر .