10 - بَاب الاعْتِكَافِ للْمُسْتَحَاضَةِ 309 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ ، فَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنْ الدَّمِ ، وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ الْعُصْفُرِ فَقَالَتْ : كَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلَانَةُ تَجِدُهُ 310 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي . 311 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ اعْتِكَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ ) أَيْ جَوَازِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الطَّحَّانُ الْوَاسِطِيُّ ، وَشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْحَذَّاءُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُثَقَّلَةِ ، وَمَدَارُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ ، وَعِكْرِمَةُ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( بَعْضُ نِسَائِهِ ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : مَا عَرَفْنَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً ، قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَائِشَةَ أَشَارَتْ بِقَوْلِهَا مِنْ نِسَائِهِ أَيِ النِّسَاءِ الْمُتَعَلِّقَاتِ بِهِ ، وَهِيَ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ أُخْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، قُلْتُ : يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ وَقَدْ ذَكَرَهَا الْحُمَيْدِيُّ عَقِبَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، فَمَا أَدْرِي كَيْفَ غَفَلَ عَنْهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ بَعْضُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنَ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ تَعْتَكِفَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ غَيْرُ زَوْجَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهَا بِهِ تَعَلُّقٌ . وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ بَنَاتِ جَحْشٍ الثَّلَاثَ كُنَّ مُسْتَحَاضَاتٍ : زَيْنَبَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَحَمْنَةَ زَوْجَ طَلْحَةَ ، وَأُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ مِنْهُنَّ بِذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهَا فِي ذَلِكَ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ اسْتُحِيضَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ ، وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ خَطَأٌ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِنَّمَا هِيَ أُمُّ حَبِيبَةَ أُخْتُهَا . وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ : يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ وَقْتًا بِخِلَافِ أُخْتِهَا فَإِنَّ اسْتِحَاضَتَهَا دَامَتْ . قُلْتُ : وَكَذَا يُحْمَلُ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ فِي حَقِّ سَوْدَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ فِي عَدِّ الْمُسْتَحَاضَاتِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ذَكَرَهَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، فَلَعَلَّهَا هِيَ الْمَذْكُورَةُ . قُلْتُ : وَهُوَ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ تَعْلِيقًا ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا . قُلْتُ : لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ تَابِعِيٌّ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ . وَقَرَأْتُ فِي السُّنَنِ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ مُعْتَكِفَةً وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ قَالَ : وَحَدَّثَنَا بِهِ خَالِدٌ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةِ كَانَتْ عَاكِفَةً وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، وَرُبَّمَا جَعَلَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا . قُلْتُ : وَهَذَا أَوْلَى مَا فَسَّرَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ . وَقَدْ أَرْسَلَهُ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَوَصَلَهُ خَالِدٌ الطَّحَّانُ ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَغَيْرُهُمَا بِذِكْرِ عَائِشَةَ فِيهِ ، وَرَجَّحَ الْبُخَارِيُّ الْمَوْصُولَ فَأَخْرَجَهُ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، هَذَا الْحَدِيثَ ، كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِدُونِ تَسْمِيَةِ أُمِّ سَلَمَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مِنَ الدَّمِ ) أَيْ لِأَجْلِ الدَّمِ . قَوْلُهُ : ( وَزَعَمَ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْنَى الْعَنْعَنَةِ أَيْ حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ بِكَذَا وَزَعَمَ كَذَا ، وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّ ) بِالْهَمْزِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ . قَوْلُهُ : ( فُلَانَةُ ) الِظَاهِرِ أَنَّهَا تَعْنِي الْمَرْأَةَ الَّتِي ذَكَرَتْهَا قَبْلُ . وَرَأَيْتُ عَلَى حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ أَصْلِ أَبِي ذَرٍّ مَا نَصُّهُ فُلَانَةُ هِيَ رَمْلَةُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي تَفْسِيرِ الْمُبْهَمَةِ ، وَعَلَى مَا زَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَزْوَاجِهِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ اسْتُحِيضَتْ ، رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي جَمْعِهِ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حِكَايَةِ زَيْنَبَ عَنْ غَيْرِهَا وَهُوَ أَشْبَهُ ، فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَغِيرَةً ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّهَا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَزَيْنَبُ تُرْضِعُ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا . قُلْتُ : وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَلَى التَّرَدُّدِ هَلْ هُوَ عَنْ أَسْمَاءَ أَوْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَهَاتَانِ لَهُمَا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَلُّقٌ ; لِأَنَّ زَيْنَبَ رَبِيبَتُهُ وَأَسْمَاءَ أُخْتُ امْرَأَتِهِ مَيْمُونَةَ لِأُمِّهَا ، وَكَذَا لِحَمْنَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ بِهِ تَعَلُّقٌ ، وَحَدِيثُهُمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، فَهَؤُلَاءِ سَبْعٌ يُمْكِنُ أَنْ تُفَسَّرَ الْمُبْهَمَةُ بِإِحْدَاهُنَّ . وَأَمَّا مَنِ اسْتُحِيضَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ غَيْرُهُنَّ فَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ ، ذَكَرهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ مَرْثَدٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَبَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ ذَكَرَهَا ابْنُ مَنْدَهْ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ وَقِصَّتُهَا عَنْ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَوَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا الْقُرَشِيَّةُ الْفِهْرِيَّةُ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَاسْمُ أَبِي حُبَيْشٍ قَيْسٌ ، فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَيْضًا وَقَدْ كَمَّلْنَ عَشْرًا بِحَذْفِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُكْثِ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَصِحَّةُ اعْتِكَافِهَا وَصَلَاتِهَا وَجَوَازُ حَدَثِهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدِ أَمْنِ التَّلْوِيثِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهَا دَائِمُ الْحَدَثِ وَمَنْ بِهِ جُرْحٌ يَسِيلُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب اعْتِكَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ · ص 489 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب اعتكاف المستحاضة · ص 454 10 - باب اعتكاف المستحاضة خرج فيهِ حديث عكرمة ، عَن عائشة من ثلاثة طرق : أحدها : قال : 309 - نا إسحاق بن شاهين : نا خالد بن عبد الله ، عَن خالد ، عَن عكرمة ، عَن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف معه بعض نسائه ، وهي مستحاضة ترى الدم ، وربما وضعت الطست تحتها من الدم . وزعم أن عائشة رأت ماء العصفر ، فقالت : كأن هَذا شيء كانت فلانة تجده . خالد بن عبد الله هوَ الطحان الواسطي ، وشيخه خالد هوَ الحذاء . والثاني : قالَ : 310 - ثنا قتيبة : نا يزيد بن زريع ، عَن خالد يعني : الحذّاء ، عَن عكرمة ، عَن عائشة ، قالت : اعتكفت معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه ، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها ، وهي تصلي . والثالث : قالَ : 311 - نا مسدد : نا معتمر ، عَن خالد ، عَن عكرمة ، عَن عائشة - أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة . وهذه الرواية ليسَ فيها تصريح برفعه ؛ فإنه ليسَ فيها أن ذَلِكَ كانَ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أنهُ كانَ معها . وفي إسناده اختلاف أيضًا ؛ فإن عبد الوهاب الثقفي [رواه] عَن خالد ، عَن عكرمة - أن عائشة قالت . [وهذه] الرواية تشعر بأنهُ لَم يسمعه منها . وروي عَن معتمر ، عَن خالد ، عَن عكرمة ، عَن ابن عباس . وهو وهم ، قاله الدارقطني . وهذا الحديث يدل على أن المستحاضة من أهل العبادات كالطاهرة ، فكما أنها تصلي فإنها تصوم ، وتعتكف ، وتجلس في المسجد ، وتقرأ القرآن ، وتمس المصحف ، وتطوف بالبيت ؛ فإن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم غالبه كانَ في شهر رمضان ، فلو كانت المستحاضة كالحائض لا تصوم لَم تعتكف ، لا سيما على رأي من يقول : إن الاعتكاف لا يصح بغير صوم . وقد حكى إسحاق بن راهويه إجماع المسلمين على ذَلِكَ . وروى عبد الرزاق ، عَن ابن جريج ، عَن الثوري ، عَن جابر ، عَن أبي جعفر ، قالَ : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إني استحضت في غير قرئي ! قالَ : ( فاحتشي كرسفًا ، وصومي ، وصلي ، واقضي ما عليك ) . وهذا مرسل . وفيه خلاف شاذ . روى عبد الرزاق ، عَن الثوري ، عَن منصور ، عَن إبراهيم ، قالَ : المستحاضة لا تصوم ، ولا يأتيها زوجها ، ولا تمس المصحف . وعن معمر ، عَن أيوب ، قالَ : سئل سليمان بن يسار : أيصيب المستحاضة زوجها ؟ قالَ : إنما سمعنا بالرخصة لها في الصلاة . ونقل صالح بن أحمد ، عَن أبيه في المستحاضة : لا تطوف بالبيت ، إلا أن تطول بها الاستحاضة . قالَ أبو حفص العكبري : لعلها غلط من الراوي ؛ فإن الصحيح عَن أحمد أن المستحاضة بمنزلة الطاهرة تطوف بالبيت . قالَ في رواية الميموني : المستحاضة أحكامها أحكام الطاهرة في عدتها وصلاتها وحجها وجميع أمرها . ونقل عَنهُ ابن منصور : تطوف بالبيت . وأما ما وقع في رواية صالح أنها لا تطوف إلا أن يطول بها فلعله اشتبه على الراوي الطواف بالوطء ؛ فإن ابن منصور نقل عَن أحمد ذَلِكَ في الوطء ، وصالح وابن منصور متفقان في نقل المسائل عَن أحمد في الغالب . ولكن قَد روي عَن ابن عمر ما يشعر بمنع المستحاضة من الطواف ، فروى عبد الرزاق ، عَن معمر ، عَن واصل مولى ابن عيينة عَن رجل سأل ابن عمر عَن امرأة تطاول بها الدم ، فأرادت تنفر ، وأرادت تشرب دواء ليقطع عنها الدم ! قالَ : لا بأس بهِ . ونعت ابن عمر لها ماء الأراك . وقال ابن جريج ، عَن عطاء ، أنهُ لَم ير بهِ بأسًا . قالَ معمر : وسمعت [ ابن] أبي نجيح يسأل عَن ذَلِكَ ، فلم ير بهِ بأسًا . فظاهر هَذا أن المستحاضة معَ تطاول الدم بها لا تطوف حتى ينقطع عنها الدم ، معَ أنهُ يُمكن حمله على تطاول دم الحيض ومجاوزته للعادة ، أو على أن الأولى للمستحاضة أن لا تطوف حتى ينقطع دمها . وجمهور العلماء على جواز ذَلِكَ . وقد خرجه عبد الرزاق في موضع آخر من ( كتابه ) ، وقال فيهِ : إن ابن عمر سئل عَن امرأة تطاول بها دم الحيضة . وممن رخص للمستحاضة في الطواف بالبيت ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم . قالَ سعيد بن المسيب : تقضي المناسك كلها . وَهوَ قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وجمهور العلماء . وفي حديث عائشة في اعتكاف المستحاضة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عَن دم الحيض بلونه وصفرته ، وقد يتعلق بذلك من يقول باعتبار التمييز كَما تقدم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الاعتكاف للمستحاضة · ص 278 ( باب الاعتكاف للمستحاضة ) أي هذا في بيان حكم المستحاضة إذا اعتكفت ، وحكمه أنه يجوز ، وفي بعض النسخ : باب الاعتكاف للمستحاضة . والمناسبة بين البابين ظاهرة ، وقد ذكرنا أن الاعتكاف في اللغة هو اللبث ، والعكف هو الحبس ، وفي الشرع هو اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف . 14 - حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا خالد بن عبد الله ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم ، فربما وضعت الطست تحتها من الدم ، وزعم عكرمة أن عائشة رأت ماء العصفر ، فقالت : كأن هذا شيء كانت فلانة تجده . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله وهم خمسة ) : الأول : إسحاق بن شاهين بكسر الهاء أبو بشر بكسر الباء ، وسكون الشين المعجمة الواسطي جاوز المائة . الثاني : خالد بن عبد الله الطحان أبو الهيثم المتصدق بوزن نفسه الفضة ثلاث مرات . الثالث : خالد بن مهران ، الذي يقال له الحذاء بالحاء المهملة والذال المعجمة المشددة . الرابع : عكرمة مولى ابن عباس . الخامس : عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته ما بين واسطي وبصري ومدني ، وهو عكرمة ، والحذاء هو البصري ، ومدار هذا الحديث عليه . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا ، عن مسدد في هذا الباب . وأخرجه في الصوم ، عن قتيبة ، عن يزيد بن زريع . وأخرجه أبو داود في الصوم ، عن محمد بن عيسى ، وقتيبة وأخرجه النسائي في الاعتكاف ، عن قتيبة وأبي الأشعث العجلي ومحمد بن عبد الله بن ربيع . وأخرجه ابن ماجه في الصوم ، عن الحسن بن محمد بن الصباح ، عن عفان بن مسلم ، خمستهم عن يزيد بن زريع . ( ذكر لغاته ومعانيه وإعرابه ) قولها : ( بعض نسائه ) برفع بعض لأنه فاعل اعتكف . قولها : ( وهي مستحاضة ) جملة اسمية وقعت حالا ، ووجه التأنيث مع أن لفظة هي ترجع إلى لفظ بعض اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه ، أو التأنيث باعتبار ما صدق عليه لفظ البعض ، وهو المراد ، وإنما لحق تاء التأنيث في المستحاضة وإن كانت المستحاضة من خصائص النساء للإشعار بأن الاستحاضة حاصلة لها بالفعل . قولها: ( ترى الدم ) جملة من الفعل والفاعل والمفعول صفة لازمة للمستحاضة ، وهو دليل على أن المراد أنها كانت في حال الاستحاضة لا أن من شأنها الاستحاضة ، يعني أنها مستحاضة بالفعل لا بالقوة ، ويجوز أن تكون التاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية ، وإنما لم يجز أن يقال : المستحيضة على بناء المعلوم ؛ لأن المتبع هو الاستعمال وهو لم يستعمل إلا مجهولا كما في نحو جن من الجنون . وقال الجوهري : استحيضت المرأة استمر بها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة . فإن قلت : قال ابن الجوزي : ما عرفنا من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من كانت مستحاضة ، قال : والظاهر أن عائشة رضي الله تعالى عنها أشارت بقولها : ( من نسائه ) ، أي : من النساء المتعلقات به ، وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، كأن ابن الجوزي قد ذهل عن الروايتين في هذا الباب ، إحداهما امرأة من أزواجه والأخرى كان بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة ، على ما يأتيان عن قريب ، وأيضا فقد يبعد أن يعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من غير زوجاته ، وإن كان لها به تعلق ، وذكر ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاثة كن مستحاضات زينب أم المؤمنين وحمنة زوج طلحة وأم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف ، وهي المشهورة منهن بذلك وسيأتي حديثها . وذكروا في هذه المبهمة ، وهو قولها : ( بعض نسائه ) - ثلاثة أقوال ، فقيل : هي سودة بنت زمعة . وقيل : رملة أم حبيبة بنت أبي سفيان . وقيل : زينب بنت جحش الأسدية أول من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعده ، وأما على ما زعم ابن الجوزي من أن المستحاضة ليست من أزواجه صلى الله عليه وسلم ، فقد روي : فكانت زينب بنت أم سلمة استحيضت وهي لها تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنها ربيبته ، ولكن هذا الحديث رواه أبو داود من حكاية زينب على غيرها ، وهو الأشبه ؛ فإن زينب كانت صغيرة في زمنه صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة وزينب ترضع ، قولها : ( الطست ) أصله الطس بالتضعيف ، فأبدلت إحدى السينين تاء للاستثقال ، فإذا جمعت أو صغرت رددت إلى أصلها ، فقلت : طساس وطسيس ، وفي اللغة البلدية بالشين المعجمة ، ويجمع على طشوت قولها : ( من الدم ) كلمة من ابتدائية ، أي : لأجل الدم قاله الكرماني قلت : "من" هنا للتعليل . قولها : ( وزعم ) فعل ماض وفاعله عكرمة ، وهو بمعنى قال ، قال الكرماني : أو لعله ما ثبت صريح القول من عكرمة بذلك ، بل علم من قرائن الأحوال منه ، فلهذا لم يسند القول إليه صريحا ، وهذا إما تعليق من البخاري ، وإما من تتمة قول خالد الحذاء ، فيكون مسندا ، أو هو عطف من جهة المعنى على عكرمة ، أي : قال خالد : قال عكرمة وزعم عكرمة . انتهى . وقال بعضهم : وزعم معطوف على معنى العنعنة ، أي : حدثني عكرمة بكذا ، وزعم كذا ، وأبعد من زعم أنه معلق انتهى . قلت : هذا القائل يريد بذلك الرد على الكرماني فلا وجه لرده ؛ لأن وجه الكلام هو الذي قاله وتردد هذا الاحتمال لا يدفع بقوله ، وزعم معطوف على معنى العنعنة ، والعطف من أحكام الظواهر في الأصل . قولها : ( ماء العصفر ) بضم العين المهملة وبالفاء وسكون الصاد المهملة ، وهو زهر القرطم . قولها : ( كأن ) بتشديد النون قبلها همزة . قولها : ( فلانة ) الظاهر أنها هي المرأة التي ذكرت قبل ، وفلانة غير منصرف كناية عن اسمها . قال الزمخشري : فلان وفلانة كناية عن أسماء الإناث ، وإذا كنوا عن أعلام البهائم أدخلوا اللام ، فقالوا : الفلان والفلانة . قولها : ( تجده ) ، أي : في زمن استحاضتها . ومما يستنبط منه : جواز اعتكاف المستحاضة وجواز صلاتها ؛ لأن حالها حال الطاهرات ، وأنها تضع الطست لئلا يصيب ثوبها أو المسجد وأن دم الاستحاضة رقيق ليس كدم الحيض ، ويلحق بالمستحاضة ما في معناها كمن به سلس البول والمذي والودي ، ومن به جرح يسيل في جواز الاعتكاف .