15 - بَاب إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ تَصَاوِيرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ؟ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ 374 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمِيطِي عنا قِرَامَكِ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ ، أَيْ فِيهِ صُلْبَانٌ مَنْسُوجَةٌ أَوْ مَنْقُوشَةٌ أَوْ تَصَاوِيرُ ، أَيْ فِي ثَوْبٍ ذِي تَصَاوِيرَ ، كَأَنَّهُ حَذَفَ الْمُضَافَ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هُوَ عَطْفٌ عَلَى ثَوْبِ لَا عَلَى مُصَلَّبٍ ، وَالتَّقْدِيرُ : أَوْ صَلَّى فِي تَصَاوِيرَ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : أَوْ بِتَصَاوِيرَ وَهُوَ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ ، وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ : فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ مُصَوَّرٍ . قَوْلُهُ : ( هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ) جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي تَرْكِ الْجَزْمِ فِيمَا فِيهِ اخْتِلَافٌ ، وَهَذَا مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ . وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَقْتَضِي الْفَسَادَ أَمْ لَا ؟ وَالْجُمْهُورُ إِنْ كَانَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ اقْتَضَاهُ ، وَإِلَّا فَلَا . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُنْهَى مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ وَمَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ لَا يُوَفِّي بِجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ إِلَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ ، لِأَنَّ السِّتْرَ وَإِنْ كَانَ ذَا تَصَاوِيرٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ وَلَمْ يَكُنْ مُصَلَّبًا وَلَا نهى عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ صَرِيحًا . وَالْجَوَابُ أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ مَنْعَ لُبْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَبِإِلْحَاقِ الْمُصَلَّبِ بِالْمُصَوَّرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى . وَأَمَّا ثَالِثًا فَالْأَمْرُ بِالْإِزَالَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِعْمَالِ . ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : مُصَلَّبٌ الْإِشَارَةَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إِلَّا نَقَضَهُ . وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ سِتْرًا أَوْ ثَوْبًا . قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْوَارِثِ ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( قِرَامٌ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ : سِتْرٌ رَقِيقٌ مِنْ صُوفٍ ذُو أَلْوَانٍ . قَوْلُهُ : ( أَمِيطِي ) أَيْ أَزِيلِي وَزْنًا وَمَعْنًى . قَوْلُهُ : ( لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُ ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا ، وَلِلْبَاقِينَ بِإِثْبَاتِ الضَّمِيرِ ، وَالْهَاءِ فِي رِوَايَتِنَا فِي فَإِنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، وَعَلَى الْأُخْرَى يُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الثَّوْبِ . قَوْلُهُ : ( تَعْرِضُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَلُوحُ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ : تَعَرَّضُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، أَصْلُهُ تَتَعَرَّضُ . وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْطَعْهَا وَلَمْ يُعِدْهَا ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذَا ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ تَصَاوِيرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ · ص 577 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته · ص 207 15 - باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ؟ وما ينهى من ذلك خرج فيه : 374 - حديث : عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أميطي عنا قرامك هذا ؛ فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي . القرام : قيل : إنه ثوب من صوف ، فيه ألوان من العهون ، ويتخذ سترا ، أو كلة . وقال الخطابي : هو ستر رقيق . قال : ويشبه أن تكون عائشة سترت به موضعا كان عورة من بيتها ؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ستر الجدر . قلت : حديث النهي عن ستر الجدر إسناده ضعيف . ولكن خرج مسلم من حديث عائشة ، أنها أخذت نمطا فسترته على الباب ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم رأى النمط ، فعرفت الكراهة في وجهه ، فجذبه حتى هتكه أو قطعه ، وقال : إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين . وفي مسند الإمام أحمد ، عنها في هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : أتسترين الجدر يا عائشة ؟ قالت : فطرحته ، فقطعته مرفقتين ، فقد رأيته متكئا على إحداهما ، وفيها صورة . وخرج مسلم من حديث عائشة ، قالت : كان في بيتي ثوب فيه تصاوير ، فجعلته إلى سهوة في البيت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إليه ، ثم قال : يا عائشة أخريه عني ، فنزعته ، فجعلته وسائد . وفي الصحيحين ، عنها ، قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه ، وقال : أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله عز وجل . قالت : فجعلناه وسادة أو وسادتين . وفي صحيح مسلم عنها ، قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، وكان الداخل إذا دخل استقبله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حولي هذا ؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا . فهذه ثلاث علل قد علل بها النبي صلى الله عليه وسلم كراهة الستر . ويشهد للتعليل الثالث : حديث سعيد بن جمهان ، عن سفينة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت فاطمة ، فأخذ بعضادتي الباب ، وإذا قرام قد ضرب في ناحية البيت ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ، فتبعه علي ، فقال : ما رجعك يا رسول الله ؟ قال : إنه ليس لي ولا لنبي أن يدخل بيتا مزوقا . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه . ويشبه هذا ما خرجه النسائي من حديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما ولبسه ، وقال : شغلني هذا عنكم اليوم ، له نظرة ولكم نظرة ، ثم ألقاه . وخرج الترمذي في كتاب العلل بإسناد فيه ضعف ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل خاتمه في يمينه ، ثم إنه نظر إليه وهو يصلي ويده على فخذه ، فنزعه ولم يلبسه . وقد روي هذا الحديث عن طاوس مرسلا ، وفيه : أن هذا الخاتم كان من ذهب . وهذا إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله امتثالا لما أمره الله به ؛ أن لا يمد عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا ، فكان يتباعد عنها بكل وجه ، ولهذا قال : ما لي وللدنيا ، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ، ثم راح وتركها . فكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر ، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا ، ولا يلتفت إلى فضولها الفانية الشاغلة عن الآخرة ، وخصوصا في حال عباداته ومناجاته لله ، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره ، فإن ذلك كان هو قرة عينه . فكان [...] تلمح شيء من متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية في تلك الحال ؛ فإنه [...] ذلك الصفاء ، فلذلك كان تباعده عنه غاية المباعدة . وهذا هو المعنى المشار إليه بقوله : فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي . وفيه : دليل على أن المصلي لا ينبغي أن يترك بين يديه ما يشغله النظر إليه عن صلاته . وفي سنن أبي داود ، عن عثمان بن طلحة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين ؛ فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي . وخرجه الإمام أحمد من حديث أم عثمان بنت سفيان ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الحديث : إنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يلهي المصلين . والمراد بالقرنين : قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل عليه السلام ؛ فإنهما كانا في الكعبة إلى أن أحرقا عند حريق البيت في زمن ابن الزبير . وفي الحديث : دليل على جواز الصلاة في الكعبة . وقد نص أحمد على كراهة أن يكون في القبلة شيء معلق من مصحف أو غيره . وروي عن النخعي ، قال : كانوا يكرهون ذلك . وعن مجاهد ، قال : لم يكن ابن عمر يدع شيئا بينه وبين القبلة إلا نزعه : سيفا ولا مصحفا . ونص أحمد على كراهة الكتابة في القبلة لهذا المعنى ، وكذا مذهب مالك . وقد ذكر البخاري تعليقا عن عمر ، أنه أمر ببناء المسجد ، وقال : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . ويستدل بحديث عائشة هذا على كراهة الصلاة إلى التصاوير المنصوبة ؛ فإن في ذلك مشابهة للنصارى وعباد الأصنام المصلين لها ، ولا يترك في المسجد صورة في بناء . سئل الحسن عن ساجة في المسجد فيها تصاوير ؟ قال : أنجروه . وتكره الصلاة في الكنائس التي فيها صور عند كثير من العلماء ، وهو مروي عن عمر وابن عباس ، وقول مالك وأحمد وغيرهما . وأما الصلاة في ثوب فيه تصاوير ففيه قولان للعلماء ، بناء على أنه : هل يجوز لبس ذلك أم لا ؟ فرخص في لبسه جماعة ، منهم أحمد في رواية الشالنجي ، وكذلك قال أبو خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، واستدلوا بالحديث الذي جاء فيه : إلا رقما في ثوب . وقد خرجه البخاري في كتاب : اللباس من حديث أبي طلحة . وخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، والترمذي وصححه من حديث أبي أيوب وسهل بن حنيف ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وكان كثير من السلف يلبس خاتما عليه صورة حيوان منقوشة في فصه . وقالت طائفة : يكره ذلك ، وهو قول مالك والثوري ، وطائفة من أصحابنا . وقالت طائفة : يحرم لبسه ، وهو رواية عن أحمد ، اختارها القاضي أبو يعلى وغيره . وروى وكيع في كتابه عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عمران بن حطان ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى في ثوب تصاوير إلا نقضه . وقد خرجه البخاري في كتابه هذا من طريق هشام ، عن يحيى ، ولفظه : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه . وظاهر تبويب البخاري يدل على كراهة الصلاة فيه استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم : لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي . ولكن هذا لا ينافي فيما فيه تصاوير في موضع لا يقع بصره عليه في الصلاة . وصرح أصحابنا بكراهة استصحابه في الصلاة ، وسواء قلنا : يجوز لبسه أو لا . ومذهب مالك : أنه لا يلبس خاتم فيه تماثيل ، ولا يصلى به ، ويلبس ثوب فيه تصاوير . وأما الصلاة على بساط فيه تصاوير ، فرخص فيه أكثر العلماء ، ونص عليه أحمد وإسحاق ؛ لأنهم أجازوا استعمال ما يوطأ عليه من الصور . وكره ذلك طائفة قليلة ، ومنهم : الجوزجاني ، وروى عن الزهري . وذكر ابن أبي عاصم في كتاب اللباس له : باب : من قال لا بأس بالصلاة على البساط إذا كان فيه الصور : حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم : ثنا روح بن عبادة : ثنا شعبة ، عن الشيباني ، عن عبد الله بن شداد ، عن ميمونة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة ، وفيها تصاوير . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة بدون هذه الزيادة . وسيأتي بسط هذه المسائل في موضعها من الكتاب - إن شاء الله تعالى . وقد بوب البخاري في كتاب : اللباس على كراهة الصلاة في التصاوير ، وأعاد فيه حديث عائشة الذي خرجه هاهنا ، وظاهر ذلك يدل على أنه يكره الصلاة في ثوب فيه صورة ، وعلى بساط عليه صورة ؛ فإن ذلك كله يعرض للمصلي في صلاته . وبوب هناك - أيضا - على الرخصة فيما يوطأ من الصورة ، وعلى كراهة ذلك - أيضا - فأشار إلى الاختلاف فيه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهى من ذلك · ص 95 باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ، وما ينهى من ذلك باب منون خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب يذكر فيه إن صلى شخص حال كونه في ثوب مصلب بضم الميم وفتح اللام المشددة ، قال بعضهم : أي فيه صلبان ( قلت ) ليس المعنى كذلك ، بل معناه إن صلى في ثوب منقوش بصور الصلبان. قوله : أو تصاوير قال الكرماني : أو تصاوير عطف على ثوب لا على مصلب ، والمصدر بمعنى المفعول أو على مصلب لكن بتقدير أنه في معنى ثوب مصور بالصليب فكأنه قال مصور بالصليب أو بتصاوير غيره ، وقال بعضهم : أو تصاوير أي في ثوب ذي تصاوير كأنه حذف المضاف لدلالة المعنى عليه ( قلت ) جعل الكرماني تصاوير مصدرا بمعنى المفعول غير صحيح ؛ لأن التصاوير اسم للتماثيل ، كذا قال أهل اللغة ، قال الجوهري : التصاوير التماثيل ، وقد جاء التصاوير والتماثيل والتصاليب فكأنها في الأصل جمع تصوير وتمثال وتصليب ، ولئن سلمنا كون التصاوير مصدرا في الأصل جمع تصوير فلا يصح أن يقال عند كونه عطفا على ثوب أن يقدر أو إن صلى في ثوب مصورة لعدم التطابق حينئذ بين الصفة والموصوف مع أنه شرط ، والظاهر أنه عطف على مصلب مع حذف حرف الصلة تقديره : إن صلى في ثوب مصور بصلبان أو ثوب مصور بتصاوير التي هي التماثيل . وقول بعضهم لدلالة المعنى عليه ، ولم يبين أن المعنى الدال عليه ما هو ، والقول بحذف حرف الصلة أولى من القول بحذف المضاف ؛ لأن ذاك شائع ذائع ، وفرق بعض العلماء بين الصورة والتمثال ، فقال : الصورة تكون في الحيوان ، والتمثال تكون فيه وفي غيره ، ويقال : التمثال ما له جرم وشخص ، والصورة ما كان رقما أو تزويقا في ثوب أو حائط ، وقال المنذري : قيل التماثيل الصور ، وقيل في قوله تعالى : وَتَمَاثِيلَ إنها صور العقبان والطواويس على كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام ، وكان مباحا ، وقيل : صور الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام من رخام أو شبه لينشطوا في العبادة بالنظر إليهم ، وقيل : صور الآدميين من نحاس ، والله تعالى أعلم. قوله : هل تفسد صلاته استفهام على سبيل الاستفسار ، جرى البخاري في ذلك على عادته في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف ؛ لأن العلماء اختلفوا في النهي الوارد في الشيء ، فإن كان لمعنى في نفسه فهو يقتضي الفساد فيه ، وإن كان لمعنى في غيره فهو يقتضي الكراهة أو الفساد فيه خلاف. قوله : وما ينهى من ذلك ، أي والذي ينهى عنه من المذكور ، وهو الصلاة في ثوب مصور بصلبان أو بتصاوير ، وفي بعض النسخ لفظة عنه موجودة ، وفي رواية عن ذلك بكلمة «عن» موضع «من» ، والأول أصح . 40 - حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس : كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي . وجه مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن الستر الذي فيه التصاوير إذا نهى عنه الشارع فمنع لبسه بالطريق الأولى ، فإن قلت : الترجمة شيئان ، والحديث لا يدل إلا على شيء واحد ، وهو الثوب الذي فيه الصورة . ( قلت ) يلحق به الثوب الذي فيه صور الصلبان لاشتراكهما في أن كلا منهما عبد من دونه الله عز وجل. ذكر رجاله وهم أربعة ؛ الكل قد ذكروا ، ومعمر بفتح الميم ، وعبد الوارث هو ابن سعيد. وفيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، والعنعنة في موضع واحد ، ورجاله كلهم بصريون . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في اللباس ، وأخرجه النسائي بألفاظ : ففي لفظ : يا عائشة أخرجي هذا فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا ، وفي لفظ : فإن فيه تمثال طير مستقبل البيت إذا دخل الداخل ، وفي لفظ : فيه تصاوير فنزعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعه وسادتين فكان يرتفق عليهما ، وفي لفظ : كان في بيتي ثوب فيه تصاوير ، فجعلته إلى سهوة في البيت ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إليه ، ثم قال : يا عائشة أخرجيه عني فنزعته فجعلته وسائد ، وفي لفظ : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اشتريت بقرام فيه تماثيل ، فلما رآه تلون وجهه ، ثم هتكه بيده ، وقال : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله ، وفي لفظ : قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفر ، وقد اشتريت بقرام على سهوة لي فيه تماثيل فنزعه ، وفي لفظ : خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرجة ، ثم دخل ، وقد علقت قراما فيه الخيل أولات الأجنحة ، فلما رآه قال : انزعيه . ذكر معانيه : قوله : قرام بكسر القاف وتخفيف الراء ، وهو ستر رقيق من صوف ذو ألوان ، وقال أبو سعد : القرام صوف غليظ جدا يفرش في الهودج ، وفي المحكم : هو ثوب من صوف ملون ، والجمع قرم ، وعن ابن الأعرابي جمعه قروم هو ثوب من صوف فيه ألوان من عهن ، فإذا خيط صار كأنه بيت فهو كلة ، وقال القزاز وابن دريد : هو الستر الرقيق وراء الستر الغليظ على الهودج وغيره ، وقال الخليل : يتخذ سترا أو يغشى به هودج أو كلة ، وزعم الجوهري أنه ستر فيه رقم ونقوش ، وقال : وكذلك المقرم والمقرمة. قوله : أميطي أي أزيلي ، وهو أمر من أماط يميط ، قال ابن سيده : يقال ماط عني ميطا ومياطا ، وأماط تنحى وبعد ، وماطه عني وأماطه نحاه ودفعه ، قال بعضهم : مطت به ، وأمطته على حكم ما يتعدى إليه الأفعال غير المتعدية بالنقل في الغالب ، وماط الأذى ميطا ، وأماطه نحاه ودفعه. قوله : لا تزال تصاوير بدون الضمير ، وفي بعض الرواية تصاويره بإضافته إلى الضمير ، والضمير في فإنه للشأن ، وفي الرواية التي بالضمير يحتمل أن يرجع إلى الثوب. قوله : تعرض بفتح التاء وكسر الراء أي تلوح ، وفي رواية الإسماعيلي : تعرض بفتح العين ، وتشديد الراء ، وأصله : تتعرض فحذفت إحدى التاءين كما في نَارًا تَلَظَّى ذكر ما يستنبط منه : قال الخطابي : فيه دليل على أن الصور كلها منهي عنها سواء كانت أشخاصا ماثلة أو غير ماثلة كانت في ستر أو بساط أو في وجه جدار أو غير ذلك ، وقال ابن بطال : علم من الحديث النهي عن اللباس الذي فيه التصاوير بالطريق الأولى ، وهذا كله على الكراهة ، فإن من صلى فيه فصلاته مجزئة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعد الصلاة ، ولأنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنها عرضت له ، ولم يقل إنها قطعتها ، ومن صلى بذلك أو نظر إليه فصلاته مجزئة عند العلماء ، وقال المهلب : وإنما أمر باجتناب هذا لإحضار الخشوع في الصلاة ، وقطع دواعي الشغل ، وقيل : إنه منسوخ بحديث سهل بن حنيف رواه مالك بن أنس عن أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على طلحة الأنصاري يعوده ، فوجد عنده سهل بن حنيف ، فأمر أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته ، فقال له سهل : لم تنزعه ؟ قال : لأن فيه تصاوير ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمت . قال : ألم يقل : إلا ما كان رقما في ثوب ؟ قال : بلى ، ولكنه أطيب للنفس وأخرجه النسائي عن علي بن شعيب عن معن عن مالك به ، واحتج أصحابنا بهذا أن الصور التي تكون فيما تبسط وتفترش وتمتهن خارجة عن النهي الوارد في هذا الباب ، وبه قال الثوري والنخعي ومالك وأحمد في رواية ، وقال أبو عمر : ذكر أبو القاسم قال : كان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب ، وأما البسط والوسائد والثياب فلا بأس به ، وكره أن يصلي إلى قبة فيها تماثيل ، وقال الثوري : لا بأس بالصور في الوسائد ؛ لأنها توطأ ويجلس عليها ، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال ، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط ، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة ، وقال أبو عمر : وكره الليث التماثيل في البيوت والأسرة والقباب والطساس والمنارات إلا ما كان رقما في ثوب ، وأما الشافعية فإنهم كرهوا الصور مطلقا سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط ونحوها ، واحتجوا بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك ، ولم يفرقوا في ذلك ، والله تعالى أعلم.