بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 65 - كِتَاب التَفْسِيرِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اسْمَانِ مِنْ الرَّحْمَةِ ، الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْعَلِيمِ وَالْعَالِمِ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ التَّفْسِيرِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : كِتَابُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ ، وَأَخَّرَ غَيْرُهُ الْبَسْمَلَةَ . وَالتَّفْسِيرُ تَفْعِيلٌ مِنَ الْفَسْرِ وَهُوَ الْبَيَانُ ، تَقُولُ : فَسَرْتُ الشَّيْءَ ، بِالتَّخْفِيفِ ، أَفْسِرُهُ فَسْرًا ، وَفَسَّرْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ أُفَسِّرُهُ تَفْسِيرًا : إِذَا بَيَّنْتَهُ . وَأَصْلُ الْفَسْرِ : نَظَرُ الطَّبِيبِ إِلَى الْمَاءِ لِيَعْرِفَ الْعِلَّةَ . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ فَسَرَتِ الْفَرَسَ إِذَا رَكَضْتَهَا مَحْصُورَةً لِيَنْطَلِقَ حَصْرُهَا . وَقِيلَ : هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْ سَفَرَ كَجَذَبَ وَجَبَذَ ، تَقُولُ : سَفَرَ إِذَا كَشَفَ وَجْهَهَ ، وَمِنْهُ أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ . وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَطَائِفَةٌ : هُمَا بِمَعْنًى . وَقِيلَ : التَّفْسِيرُ هو بَيَانُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ ، وَالتَّأْوِيلُ هُوَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْمَعْنَى ، وَقِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا غَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَسَطْتُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ . قَوْلُهُ : ( الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسْمَانِ مِنَ الرَّحْمَةِ ) ، أَيْ : مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ ، وَالرَّحْمَةُ لُغَةً الرِّقَّةُ وَالِانْعِطَافُ ، وَعَلَى هَذَا فَوَصْفُهُ بِهِ تَعَالَى مَجَازٌ عَنْ إِنْعَامِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ لَا صِفَةُ ذَاتٍ . وَقِيلَ : لَيْسَ الرَّحْمَنُ مُشْتَقًّا ، لِقَوْلِهِمْ : وَمَا الرَّحْمَنُ ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ جَهِلُوا الصِّفَةَ وَالْمَوْصُوفَ ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُولُوا : وَمَنِ الرَّحْمَنُ ؟ وَقِيلَ : هُوَ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ لِأَنَّهُ جَاءَ غَيْرَ تَابِعٍ لِمَوْصُوفٍ فِي قَوْلِهِ : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَجِيئِهِ غَيْرَ تَابِعٍ أَنْ لَا يَكُونَ صِفَةً ، لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ إِذَا عُلِمَ جَازَ حَذْفُهُ وَإِبْقَاءُ صِفَتِهِ . قَوْلِهِ : ( الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْعَلِيمِ وَالْعَالِمِ ) هَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ الْمَعْنَى ، وَإِلَّا فَصِيغَةُ فَعِيلٍ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ ، فَمَعْنَاهَا زَائِدٌ عَلَى مَعْنَى الْفَاعِلِ ، وَقَدْ تَرِدُ صِيغَةُ فَعِيلٍ بِمَعْنَى الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ ، وَفِيهَا أَيْضًا زِيَادَةٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الثُّبُوتِ ، بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْفَاعِلِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ لَا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ فَاحْتُرِزَ عَنْهُ . وَاخْتُلِفَ هَلِ الرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالنَّدْمَانِ وَالنَّدِيمِ ، فَجُمِعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا ؟ أَوْ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ بِحَسَبِ الْمُتَعَلِّقِ فَهُوَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ ؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ فِي الدُّنْيَا تَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَفِي الْآخِرَةِ تَخُصُّ الْمُؤْمِنَ ، أَوِ التَّغَايُرُ بِجِهَةٍ أُخْرَى فَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَلَائِلَ النِّعَمِ وَأُصُولَهَا ؛ تَقُولُ : فُلَانٌ غَضْبَانُ إِذَا امْتَلَأَ غَضَبًا ، وَأَرْدَفَ بِالرَّحِيمِ لِيَكُونَ كَالتَّتِمَّةِ لِيَتَنَاوَلَ مَا دَقَّ . وَقِيلَ : الرَّحِيمُ أَبْلَغُ لِمَا يَقْتَضِيهِ صِيغَةُ فَعِيلٍ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ جِهَةَ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا مُخْتَلِفَةٌ . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَمَّا تَسَمَّى بِالرَّحْمَنِ كَمُسَيْلِمَةَ جِيءَ بِلَفْظِ الرَّحِيمِ لِقَطْعِ التَّوَهُّمِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِهِمَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ ، وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ : الرَّحْمَنُ إِذَا سُئِلَ أَعْطَى وَالرَّحِيمُ إِذَا لَمْ يُسْأَلْ يَغْضَبُ ، وَمِنَ الشَّاذِّ مَا رُوِيَ عَنِ الْمُبَرِّدِ ، وَثَعْلَبٍ أَنَّ الرَّحْمَنَ عِبْرَانِيٌّ وَالرَّحِيمَ عَرَبِيٌّ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، وَالزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُمَا ، وَقَدْ وُجِدَ فِي اللِّسَانِ الْعِبْرَانِيِّ لَكِنْ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَالدِّينُ الْجَزَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بِالدِّينِ بِالْحِسَابِ ، مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ) أَيْ : مِنَ الْفَضْلِ ، أَوْ مِنَ التَّفْسِيرِ ، أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ ، مَعَ التَّقْيِيدِ بِشَرْطِهِ فِي كُلِّ وَجْهٍ . قَوْلُهُ : ( وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ( يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي أَوَّلِ مَجَازِ الْقُرْآنِ لَكِنَّ لَفْظَهُ : وَلِسُوَرِ الْقُرْآنِ أَسْمَاءٌ : مِنْهَا أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ تُسَمَّى أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِهَا فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ ، وَتُعَادُ قِرَاءَتُهَا فَيُقْرَأُ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَبْلَ السُّورَةِ ، وَيُقَالُ لَهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِهَا فِي الْمَصَاحِفِ فَتُكْتَبُ قَبْلَ الْجَمِيعِ انْتَهَى . وَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِمَّا اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : سُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّ أُمَّ الشَّيْءِ ابْتِدَاؤُهُ وَأَصْلُهُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا . وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : التَّعْلِيلُ بِأَنَّهَا يُبْدَأُ بِهَا يُنَاسِبُ تَسْمِيَتَهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لَا أُمَّ الْكِتَابِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُتَّجَهُ مَا قَالَ بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ مَبْدَأُ الْوَلَدِ ، وَقِيلَ : سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالتَّعَبُّدِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ . وَعَلَى مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْفِعْلِ . وَاشْتِمَالِهَا عَلَى ذِكْرِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ . وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَوَافَقَهُمَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ كَرَاهِيَةَ تَسْمِيَةِ الْفَاتِحَةِ أُمَّ الْكِتَابِ ، وَتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ . قُلْتُ : وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْحِجْرِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَسْمِيَتِهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأُمِّ الْكِتَابِ . وَلَعَلَّ الَّذِي كَرِهَ ذَلِكَ وَقَفَ عِنْدَ لَفْظِ الْأُمِّ ، وَإِذَا ثَبَتَ النَّصُّ طَاحَ مَا دُونَهُ . وَلِلْفَاتِحَةِ أَسْمَاءٌ أُخْرَى جُمِعَتْ مِنْ آثَارٍ أُخْرَى : الْكَنْزُ ، وَالْوَافِيَةُ ، وَالشَّافِيَةُ ، وَالْكَافِيَةُ ، وَسُورَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَسُورَةُ الصَّلَاةِ ، وَسُورَةُ الشِّفَاءِ ، وَالْأَسَاسُ ، وَسُورَةُ الشُّكْرِ ، وَسُورَةُ الدُّعَاءِ . قَوْلُهُ : ( الدِّينُ : الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ . كَمَا تَدِينُ تُدَانُ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ : الدِّينُ : الْحِسَابُ وَالْجَزَاءُ ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ : كَمَا تَدِينُ تُدَانُ . انْتَهَى ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا وَهُوَ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَيْضًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا ، وَأَبُو قِلَابَةَ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا الدَّرْدَاءِ . وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيِّ وَضَعَّفَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بِالدِّينِ بِالْحِسَابِ . مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ قَالَ : بِالْحِسَابِ . وَمِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ غَيْرَ مُحَاسَبِينَ . وَالْأَثَرُ الْأَوَّلُ جَاءَ مَوْقُوفًا عَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ : هُوَ يَوْمُ الْحِسَابِ وَيَوْمُ الْجَزَاءِ . وَلِلدِّينِ مَعَانٍ أُخْرَى : مِنْهَا الْعَادَةُ ، وَالْحُكْمُ ، وَالْحَالُ ، وَالْخَلْقُ ، وَالطَّاعَةُ ، وَالْقَهْرُ ، وَالْمِلَّةُ ، وَالشَّرِيعَةُ ، وَالْوَرَعُ ، وَالسِّيَاسَةُ ، وَشَوَاهِدُ ذَلِكَ يَطُولُ ذِكْرُهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ · ص 761 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ · ص 6 4474 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ : كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي . فَقَالَ : أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ؟ ثُمَّ قَالَ لِي : لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ . ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ : أَلَمْ تَقُلْ : لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي خُبَيْبٌ ) بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ ( ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) أَيِ : ابْنِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَحَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ أَيِ : ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ) بَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ سَمَاعَ خُبَيْبٍ لَهُ مِنْ حَفْصِ ، وَحَفْصٍ لَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيدٍ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ . وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ : رَافِعٌ ، وَقِيلَ : الْحَارِثُ ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَوَهَّى الَّذِي قَبْلَهُ . وَقِيلَ : أَوْسٌ . وَقِيلَ : بَلْ أَوْسٌ اسْمُ أَبِيهِ وَالْمُعَلَّى جَدُّهُ . وَمَاتَ أَبُو سَعِيدٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَأَرَّخَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفَاتَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ . ( تَنْبِيهَانِ ) يَتَعَلَّقَانِ بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ : ( أَحَدُهُمَا ) نَسَبَ الْغَزَالِيُّ ، وَالْفَخْرُ الرَّازِّيُّ وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَهُوَ وَهَمٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى . ( ثَانِيهِمَا ) رَوَى الْوَاقِدِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَزَادَ فِي إِسْنَادِهِ : عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ . وَالْوَاقِدِيُّ شَدِيدُ الضَّعْفِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ . وَشَيْخُهُ مَجْهُولٌ . وَأَظُنُّ الْوَاقِدِيَّ دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ فَإِنَّ مَالِكًا أَخْرَجَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِيهِ ذِكْرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ : عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَمِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ - نَادَاهُ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَوَهِمَ ابْنُ الْأَثِيرِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ شَيْخَ الْعَلَاءِ هُوَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى ، فَإِنَّ ابْنَ الْمُعَلَّى صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَدَنِيٌّ ، وَذَلِكَ تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْعَلَاءِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَحْمَدُ من طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، كُلُّهُمْ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، كِلَاهُمَا عَنِ الْعَلَاءِ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ كَوْنَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي مَا رَجَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَلِأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ وَاخْتِلَافِ سِيَاقِهِمَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ أُجِبْهُ ) زَادَ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ : فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ : أَيْ أُبَيُّ ، فَالْتَفَتَ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ صَلَّى فَخَفَّفَ . ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَيْحَكَ مَا مَنَعَكَ إِذْ دَعَوْتُكَ أَنْ لَا تُجِيبَنِي ؟ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى : اسْتَجِيبُوا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَوَلَيْسَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الْآيَةَ ؟ فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ( تَنْبِيهٌ ) نَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا ، وَهُوَ قَوْلُهُ : أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ قَبْلَ قَوْلِ أَبِي سَعِيدِ : كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ : فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْخِطَابِ قَالَ : وَالَّذِي تَأَوَّلَ الْقَاضِيَانِ عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَأَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ إِجَابَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ يَعْصِي الْمَرْءُ بِتَرْكِهِ ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ : وَمَا ادَّعَاهُ الدَّاوُدِيُّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْقَاضِيَانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافٍ عِنْدَهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ أَمْ لَا . قَوْلُهُ : ( لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ ) فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ : لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا ؟ قَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَهَا أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهَا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ ، وَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، لِأَنَّ الْمَفْضُولَ نَاقِصٌ عَنْ دَرَجَةِ الْأَفْضَلِ ، وَأَسْمَاءَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامَهُ لَا نَقْصَ فِيهَا ، وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى التَّفَاضُلِ أَنَّ ثَوَابَ بَعْضِهِ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ بَعْضٍ ، فَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعَانِي لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ ، وَيُؤَيِّدُ التَّفْضِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَيْ : فِي الْمَنْفَعَةِ وَالرِّفْقِ وَالرِّفْعَةِ ، وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ قَالَ : فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالتَّقْدِيرُ : نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا لَكِنْ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الْبَابِ : أَوْ مِثْلِهَا ، يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلِ ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : يُحَدِّثُنِي وَأَنَا أَتَبَاطَأُ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ الْبَابَ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الْحَدِيثُ . قَوْلُهُ : ( أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السُّورَةُ الَّتِي قَدْ وَعَدْتَنِي ؟ قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْكِتَابِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ) فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ : فَقَالَ : هِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَقَالَ : إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ . وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي هِيَ الْفَاتِحَةُ . وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ هِيَ السَّبْعُ الطِّوَالُ ، أَيِ : السُّوَرُ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ إِلَى آخِرِ الْأَعْرَافِ ثُمَّ بَرَاءَةٌ ، وَقِيلَ : يُونُسُ . وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الْآيُ ؛ لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا مَثَانِيَ فَقِيلَ : لِأَنَّهَا تُثَنَّى في كُلَّ رَكْعَةٍ ، أَيْ : تُعَادُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا يُثْنَى بِهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى . وَقِيلَ : لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ ، كَذَا قَالَ ، وعَكْسَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ السُّورَةَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْآيَةَ لَمْ يَقُلْ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ لَا يُقَالُ لَهَا سَبْعٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا السُّورَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَسْمَائِهَا ، وَفِيهِ قُوَّةٌ لِتَأْوِيلِ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَرَادَ السُّورَةَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمَّى سُورَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا تُسَمَّى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ هَذَا التَّعَقُّبَ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ لِأَنَّهُ عَاتَبَ الصَّحَابِيَّ عَلَى تَأْخِيرِ إِجَابَتِهِ . وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ حُكْمَ لَفْظِ الْعُمُومِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَضَاهُ ، وَأَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ إِذَا تَقَابَلَا كَانَ الْعَامُّ مُنَزَّلًا عَلَى الْخَاصِّ ، لِأَنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْعُمُومِ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ إِجَابَةَ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ . وَفِيهِ أَنَّ إِجَابَةَ الْمُصَلِّي دُعَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ . وَفِيهِ بَحْثٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ إِجَابَتُهُ وَاجِبَةً مُطْلَقًا سَوَاءَ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ ، أَمَّا كَوْنُهُ يَخْرُجُ بِالْإِجَابَةِ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يَخْرُجُ فَلَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ . فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الْإِجَابَةُ وَلَوْ خَرَجَ الْمُجِيبُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَهَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِالنِّدَاءِ أَوْ يَشْمَلُ مَا هُوَ أَعُمُّ حَتَّى تَجِبَ إِجَابَتُهُ إِذَا سَأَلَ ؟ فِيهِ بَحْثٌ ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّ إِجَابَةَ الصَّحَابَةِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي قَوْلِهِ : هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ هِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ، وَأَنَّ الْوَاوَ لَيْسَتْ بِالْعَاطِفَةِ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ، وَإِنَّمَا هِيَ الَّتِي تَجِيءُ بِمَعْنَى التَّفْصِيلِ كَقَوْلِهِ : فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وَقَوْلِهِ : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ انْتَهَى . وَفِيهِ بَحْثٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : ( وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ) مَحْذُوفَ الْخَبَرِ ، وَالتَّقْدِيرُ : مَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا ، فَيَكُونُ وَصْفُ الْفَاتِحَةِ انْتَهَى بِقَوْلِهِ : هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهَ : وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ، أَيْ : مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ رِعَايَةً لِنَظْمِ الْآيَةِ ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ هُوَ الَّذِي أُوتِيتُهُ زِيَادَةً عَلَى الْفَاتِحَةِ . ( تَنْبِيهٌ ) يُسْتَنْبَطُ مِنْ تَفْسِيرِ السَّبْعِ الْمَثَانِي بِالْفَاتِحَةِ أَنَّ الْفَاتِحَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ امْتَنَّ عَلَى رَسُولِهِ بِهَا ، وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ اتِّفَاقًا فَيَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ نُزُولِ الْفَاتِحَةِ عَلَيْهَا . قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ : هَذِهِ هَفْوَةٌ مِنْ مُجَاهِدٍ ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَنَسَبَ الْقَوْلَ بِذَلِكَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ ، وَنَقَلُوا فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنْ جَاءَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ أَنَّهَا سِتُّ آيَاتٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ الْبَسْمَلَةَ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهَا ثَمَانُ آيَاتٍ ، لِأَنَّهُ عَدَّهَا وَعَدَّ : أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ : لَمْ يَعُدَّهَا وَعَدَّ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَهَذَا أَغْرَبُ الْأَقْوَالِ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 79 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب تفسير القرآن أي : هذا كتاب في بيان تفسير القرآن الكريم ، وفي رواية أبي ذر هكذا : كتاب تفسير القرآن - وعند غير أبي ذر البسملة مؤخرة عن الترجمة . والتفسير مصدر من فسر من باب التفعيل ، ومعناه اللغوي البيان ، يقال فسرت الشيء بالتخفيف وفسرته بالتشديد - إذا بينته ، ومعناه الاصطلاحي : التفسير هو التكشيف عن مدلولات نظم القرآن . الرحمن الرحيم اسمان من الرحمة : الرحيم والراحم بمعنى واحد ، كالعليم والعالم . قوله من الرحمة ؛ أي مشتقان من الرحمة ، وهي في اللغة الحنو والعطف ، وفي حق الله تعالى مجاز عن إنعامه على عباده ، وعن ابن عباس : الرحمن الرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر ؛ فالرحمن الرقيق ، والرحيم العاطف على خلقه بالرزق . وقيل : الرحمن لجميع الخلق ، والرحيم للمؤمنين . وقيل : رحمن الدنيا ورحيم الآخرة . وعن ابن المبارك : الرحمن إذا سئل أعطى ، والرحيم إذا لم يسأل يغضب . وعن المبرد : الرحمن عبراني والرحيم عربي - قلت : في العبراني بالخاء المعجمة . قوله الرحيم والراحم بمعنى واحد فيه نظر ؛ لأن الرحيم إن كان صيغة مبالغة فيزيد معناه على معنى الراحم ، وإن كان صفة مشبهة فيدل على الثبوت بخلاف الراحم فإنه يدل على الحدوث ، وأجيب بأن ما قاله بالنظر إلى أصل المعنى دون الزيادة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في فاتحة الكتاب · ص 79 باب ما جاء في فاتحة الكتاب أي : هذا باب في بيان ما جاء في فاتحة الكتاب من الفضل أو من التفسير ، أو أعم من ذلك . اعلم أن لسورة الفاتحة ثلاثة عشر اسما ؛ الأول : فاتحة الكتاب ، لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم ، وقيل : لأنها أول سورة نزلت من السماء . والثاني : أم القرآن - على ما يجيء . والثالث : الكنز . والرابع : الوافية ؛ سميت بها لأنها لا تقبل التنصف في ركعة . والخامس : سورة الحمد ؛ لأن أولها الحمد . والسادس : سورة الصلاة . والسابع : السبع المثاني . والثامن : الشفاء والشافية ، وعن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاتحة الكتاب شفاء من كل سم . والتاسع : الكافية ؛ لأنها تكفي عن غيرها . والعاشر : الأساس ؛ لأنها أول سور القرآن ، فهي كالأساس . والحادي عشر : السؤال ؛ لأن فيها سؤال العبد من ربه . والثاني عشر : الشكر ؛ لأنها ثناء على الله تعالى . والثالث عشر : سورة الدعاء - لاشتمالها على قوله اهدنا الصراط . وسميت أم الكتاب أنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة . أي وسميت سورة الفاتحة أم الكتاب ، وذلك بالنظر إلى أن الأم مبدأ الولد ، وقيل : سميت بها لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى والتعبد بالأمر والنهي والوعد والوعيد ، وقيل : لأن فيها ذكر الذات والصفات والأفعال وليس في الوجود سواء ، وقيل : لاشتمالها على ذكر المبدأ والمعاش والمعاد . وسميت أم القرآن لأن الأم في اللغة الأصل ؛ سميت به لأنها لا تحتمل شيئا مما فيه النسخ والتبديل ، بل آياتها كلها محكمة فصارت أصلا ، وقيل : سميت أم القرآن لأنها تؤم غيرها ، كالرجل يؤم غيره فيتقدم عليه . والدين الجزاء في الخير والشر كما تدين تدان ، وقال مجاهد : بالدين بالحساب مدينين محاسبين . أشار به إلى تفسير الدين في قوله مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، وهو كلام أبي عبيدة حيث قال : الدين الجزاء والحساب ، يقال في المثل كما تدين تجازَى ؛ أي كما تفعل تجازى به . وروي هذا حديثا مرسلا ، رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وروي أيضا بهذا الإسناد عن أبي قلابة عن أبي الدرداء موقوفا ، وأبو قلابة عبد الله بن زيد لم يدرك أبا الدرداء . قوله وقال مجاهد : بالدين بالحساب ؛ هو تفسير قوله تعالى : أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ووصله عبد بن حميد في التفسير من طريق منصور عن مجاهد في قوله كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ قال : الحساب والدين يأتي لمعان كثيرة ؛ العادة ، والعمل ، والحكم ، والحال ، والحق ، والطاعة ، والقهر ، والملة ، والشريعة ، والورع ، والسياسة . قوله مدينين محاسبين أشار به إلى ما في قوله تعالى : فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ وفسر مدينين بقوله محاسبين بفتح السين . 1 - حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن شعبة قال : حدثني خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد ، فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه ، فقلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي ! فقال : ألم يقل الله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ؟ ثم قال : ألا أعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ؟ ثم أخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج قلت له : ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ؟ قال : الحمد لله رب العالمين ؛ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويحيى بن سعيد القطان ، وخبيب - بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة - ابن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف - بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة - أبو الحارث الأنصاري الخزرجي المدني ، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وأبو سعيد - بفتح السين وكسر العين وسكون الياء آخر الحروف - ابن المعلى - بضم الميم وفتح العين واللام المشددة ، على لفظ اسم مفعول من التعلية ، واختلف في اسم أبي سعيد هذا ؛ فقيل اسمه رافع ، وقيل الحارث ، وقيل أوس ، وقال أبو عمر : من قال هو رافع بن المعلى فقد أخطأ ؛ لأن رافع بن المعلى قتل ببدر ، وأصح ما قيل الله أعلم في اسمه الحارث بن نفيع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة من بني زريق الأنصاري الزرقي ، توفي سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وسبعين ، وقال أبو عمر أيضا : لا يعرف في الصحابة إلا بحديثين ؛ أحدهما عن شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن - إلى آخر ما ذكر هنا ، والآخر عند الليث بن سعد وهو حديث طويل ، وأوله : كنا نغدوا إلى السوق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - الحديث ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث المذكور في الباب ، وقيل : نسب الغزالي والفخر الرازي وتبعهما البيضاوي هذا الحديث إلى أبي سعيد الخدري وهو وهم ، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى ، وقال بعضهم : وروى الواقدي هذا الحديث أيضا في رواية عن أبي سعيد بن المعلى عن أبي بن كعب - وليس كذلك ، والذي هنا هو الصحيح ، وشيخ الواقدي هنا مجهول أيضا وهو محمد بن معاذ ، وقال أيضا : الواقدي شديد الضعف إذا انفرد ، فكيف إذا خالف ! قلت : ذكر الحافظ المزي هذا ولم يتعرض إلى شيء من ذلك ، ومن العجب أن الواقدي أحد مشايخ إمامه الشافعي ويحط عليه هذا الحط ! وهو وإن كان ضعفه بعضهم فقد وثقه آخرون ؛ فقال إبراهيم الحربي : الواقدي أمين الناس على أهل الإسلام . وعن مصعب بن الزبير : ثقة مأمون - وكذا وثقه أبو عبيد ، وأثنى عليه ابن المبارك وآخرون . وأخرج البخاري هذا الحديث أيضا في فضائل القرآن عن علي بن عبد الله ، وفي التفسير أيضا عن إسحاق بن منصور وعن بندار ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ ، وأخرجه النسائي فيه وفي التفسير عن إسماعيل بن مسعود ، وفي فضائل القرآن عن بندار . وأخرجه ابن ماجه في ثواب التسبيح عن أبي بكر بن أبي شيبة . قوله في المسجد ؛ أي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . قوله فلم أجبه لأنه ظن أن الخطاب لمن هو خارج عن الصلاة . قوله ألم يقل الله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ؟ هذا خاص به صلى الله عليه وسلم . قوله ألا أعلمنك ، كلمة ألا للحث والتحضيض على ما يقوله القائل في مثل هذا الموضع ، و أعلمنك بنون التأكيد المشددة . قوله أعظم سورة في القرآن ، قال ابن بطال : يحتمل أن يكون أعظم بمعنى عظيم . وقال ابن التين : معناه أن ثوابها أعظم من غيرها ، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض ، وقد منع ذلك الأشعري وجماعة ؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل وأسماء الله وصفاته وكلامه لا نقص فيها ، وأجيب عن هذا بأن الأفضلية من حيث الثواب والنفع للمتعبدين لا من حيث المعنى والصفة ، فإن قلت : يؤيد التفضيل قوله تعالى نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا - قلت : الخيرية في المنفعة والرفق لعباده لا من حيث الذات . قوله قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هذا صريح في الدلالة على أن البسملة ليست من الفاتحة . قوله هي السبع المثاني ؛ أما السبع فلأنها سبع آيات بلا خلاف ، إلا أن منهم من عد أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ دون التسمية ، ومنهم من مذهبه على العكس - قاله الزمخشري . قلت : الأول قول الحنفية ، والعكس قول الشافعية فإنهم يعدون التسمية من الفاتحة ولا يعدون أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية ، ولكل فريق حجج وبراهين عرفت في موضعها . وأما تسميتها بالمثاني فلأنها تثنى في كل ركعة ، وقيل : المثاني من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة ، أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى - وفيه نظر ، والمثاني جمع مثنى الذي هو معدول عن اثنين اثنين ؛ فافهم ! وروى ابن عباس أن السبع المثاني هي السبع الطوال : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، ويونس - وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وكذا ذكره الحاكم وقال الكهف بدل يونس ، وذكر الداودي عن غيره أنها من البقرة إلى براءة ، قال : وقيل هي السبع التي تلي هذه السبع . وقيل : السبع الفاتحة ، والمثاني القرآن . وقال الخطابي : يعني بالعظيم عظيم المثوبة على قراءتها ، وذلك لما تجمع هذه السورة من الثناء والدعاء والسؤال ، والواو في والقرآن العظيم ليست واو العطف الموجبة للفصل بين الشيئين ، وإنما هي الواو التي تجيء بمعنى التخصيص ، كقوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وكقوله : فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وقال الكرماني : المشهور بين النحاة أن هذه الواو للجمع بين الوصفين ، فمعنى وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أي ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم وما يوصف بهما ، انتهى . قلت : قول الخطابي إن هذه الواو ليست للعطف خلاف ما قاله النحاة وغيرهم ، وهذا من عطف العام على الخاص ، وقد مثل هو أيضا بقوله فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وهذا يرد كلامه على ما لا يخفى ، وكون العطف عطف العام على الخاص أو بالعكس لا يخرج الواو عن العطفية .