392 - حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا ، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا ، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا ، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا ، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ ) هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ : قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ : قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِغَيْرِ ذِكْرِ نُعَيْمٍ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمٍ مَوْصُولًا فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَتَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ مُوسَى ، وَسَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) اقْتَصَرَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَذْكُرِ الرِّسَالَةَ وَهِيَ مُرَادَةٌ كَمَا تَقُولُ : قَرَأْتُ الْحَمْدُ وَتُرِيدُ السُّورَةَ كُلَّهَا ، وَقِيلَ : أَوَّلُ الْحَدِيثِ وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ التَّوْحِيدَ فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ صَارَ كَالْمُوَحِّدِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَحْتَاجُ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، فَلِهَذَا عَطَفَ الْأَفْعَالَ الْمَذْكُورَةَ عَلَيْهَا فَقَالَ : وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا . . . إِلَخْ . وَالصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ ، وَحِكْمَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ الْأَفْعَالِ أَنَّ مَنْ يُقِرَّ بِالتَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنْ صَلَّوْا وَاسْتَقْبَلُوا وَذَبَحُوا لَكِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ مِثْلَ صَلَاتِنَا وَلَا يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْبَحُ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْكُلُ ذَبِيحَتَنَا ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا ، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى حَالِ الْمَرْءِ فِي صَلَاتِهِ وَأَكْلِهِ يُمْكِنُ بِسُرْعَةٍ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ ، بِخِلَافِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ . قَوْلُهُ : ( فَقَدْ حَرُمَتْ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بِالتَّشْدِيدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِرُ مَبَاحِثِهِ فِي بَابِ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ · ص 592 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ · ص 593 393 - قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ : سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ ، أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ ؟ فَقَالَ : مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا ، وَصَلَّى صَلَاتَنَا ، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا ، فَهُوَ الْمُسْلِمُ : لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هو ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَفَائِدَةُ إِيرَادِ هَذَا الْإِسْنَادِ تَقْوِيَةُ رِوَايَةِ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ لِمُتَابَعَةِ حُمَيْدٍ لَهُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُحَرِّمُ ) بِالتَّشْدِيدِ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ ، كَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ قَبْلَ هَذَا وَعَنْ هَذَا ، وَالْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِ حُمَيْدٍ : سَأَلَ مَيْمُونٌ ، أَنَسًا التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ حَضَرَ ذَلِكَ عَقِبهُ بِطَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الَّتِي فِيهَا تَصْرِيحُ حُمَيْدٍ بِأَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ دَلَّسَهُ ، وَلِتَصْرِيحِهِ أَيْضًا بِالرَّفْعِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْأُخْرَى حِكْمَةٌ . وَقَدْ رَوَيْنَا طَرِيقَ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ مَوْصُولَةً فِي الْإِيمَانِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ ، وَلِابْنِ مَنْدَهْ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْمَذْكُورِ . وَأَعَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيُّ طَرِيقَ حُمَيْدٍ الْمَذْكُورَةَ فَقَالَ : الْحَدِيثُ حَدِيثُ مَيْمُونٍ ، وَحُمَيْدٌ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْهُ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِرِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ مَيْمُونٍ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا ، قَالَ : وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ - يَعْنِي فِي التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ - قَالَ : لِأَنَّ عَادَةَ الْمِصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ ذِكْرُ الْخَبَرِ فِيمَا يَرْوُونَهُ . قُلْتُ هَذَا التَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ ، وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ ، لَمْ يُوثَقْ بِرِوَايَةِ مُدَلِّسٍ أَصْلًا وَلَوْ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ . وَرِوَايَةُ مُعَاذٍ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى أَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَنَسٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ أَنَسٍ ثُمَّ يَسْتَثْبِتَ فِيهِ مِنْ مَيْمُونٍ - لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ كَانَ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ - فَكَانَ حَقِيقًا بِضَبْطِهِ فَكَانَ حُمَيْدٌ تَارَةً يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ أَنَسٍ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ ، وَتَارَةً عَنْ مَيْمُونٍ لِكَوْنِهِ ثَبَّتَهُ فِيهِ ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ حُمَيْدٍ بِهَذَا يَقُولُ : حَدَّثَنِي أَنَسٌ وَثَبَّتَنِي فِيهِ ثَابِتٌ وَكَذَا وَقَعَ لِغَيْرِ حُمَيْدٍ .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فضل استقبال القبلة · ص 282 قال البخاري - رحمه الله - : 391 - حدثنا عمرو بن عباس : ثنا ابن مهدي : ثنا منصور بن سعد ، عن ميمون بن سياه ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا تخفروا الله في ذمته . 392 - وحدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ، إلا بحقها ، وحسابهم على الله عز وجل . 393 - وقال علي بن عبد الله : ثنا خالد بن الحارث ، ثنا حميد ، قال : سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك فقال : يا أبا حمزة ، ما يحرم دم العبد وماله ؟ فقال : من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم . وقال ابن أبي مريم : أبنا يحيى بن أيوب : ثنا حميد : ثنا أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . هذا الحديث قد خرجه البخاري من طريقين : أحدهما : من رواية منصور بن سعد ، عن ميمون بن سياه ، عن أنس مرفوعا . وميمون بن سياه ، بصري اختلف فيه ، فضعفه ابن معين ، ووثقه أبو حاتم الرازي . والثاني : من رواية حميد ، عن أنس - تعليقا - من ثلاثة أوجه ، عنه . وفي بعض النسخ أسنده . من أحدها : عن نعيم بن حماد ، عن ابن المبارك ، عن حميد ، عن أنس ، ورفعه . والثاني : علقه عن ابن المديني ، عن خالد بن الحارث ، عن حميد ، أن ميمون بن سياه سأل أنسا - فذكره ، ولم يرفعه ، جعله من قول أنس . والثالث : علقه ، عن ابن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب : ثنا حميد : ثنا أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وصرح فيه بسماع حميد له من أنس ، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ومقصود البخاري بهذا : تصحيح رواية حميد ، عن أنس المرفوعة . وقد نازعه في ذلك الإسماعيلي ، وقال : إنما سمعه حميد من ميمون بن سياه ، عن أنس . قال : ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله : ثنا حميد : ثنا أنس ؛ فإن عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فيما يروونه ؛ لا يطوونه طي أهل العراق . يشير إلى أن الشاميين والمصريين يصرحون بالتحديث في رواياتهم ، ولا يكون الإسناد متصلا بالسماع . وقد ذكر أبو حاتم الرازي عن أصحاب بقية بن الوليد أنهم يصنعون ذلك كثيرا . ثم استدل الإسماعيلي على ما قاله بما خرجه من طريق عبيد الله بن معاذ : ثنا أبي : ثنا حميد ، عن ميمون بن سياه ، قال : سألت أنسا : ما يحرم دم المسلم وماله ؟ قال : من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - الحديث . قال : وما ذكره عن علي ابن المديني عن خالد بن الحارث فهو يثبت ما جاء به معاذ بن معاذ ؛ لأن ميمون هوَ الذي سأل ، وحميد منه سمع . والله أعلم . انتهى ما ذكره . ورواية معاذ بن معاذ ، عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفة . وقد ذكر الدارقطني في العلل أنها هي الصواب ، بعد أن ذكر أن ابن المبارك ويحيى بن أيوب ومحمد بن عيسى بن سميع رووه عن حميد ، عن أنس مرفوعا . قال : وذكر هذا الحديث لعلي ابن المديني ، عن ابن المبارك . فقال : أخاف أن يكون هذا وهما ، لعله : حميد ، عن الحسن - مرسلا . قال الدارقطني : وليس كذلك ؛ لأن معاذ بن معاذ من الأثبات . وقد رواه كما ذكرنا - يعني : عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفا . وقد خرجه أبو داود في سننه من طريق يحيى بن أيوب كما أشار إليه البخاري . وخرجه أبو داود - أيضا - والترمذي والنسائي من طريق ابن المبارك وحسنه الترمذي وصححه وغربه ، وذكر متابعة يحيى بن أيوب له . وخرجه النسائي - أيضا - من طريق محمد بن عيسى بن سميع : ثنا حميد عن أنس ورفعه . ومن طريق محمد بن عبد الله الأنصاري : ثنا حميد ، قال : سأل ميمون بن سياه أنسا ، فقال : يا أبا حمزة ، ما يحرم دم المسلم وماله - فذكره موقوفا ، ولم يرفعه . وهذه مثل رواية خالد بن الحارث التي ذكرها البخاري ، عن ابن المديني ، عنه ، وقد جعلا ميمون بن سياه سائلا لأنس ، ولم يذكرا أن حميدا رواه عن ميمون ، ولعل قولهما أشبه . وتابعهما معاذ بن معاذ على وقفه ، إلا أنه جعله : عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس ، وهو الصحيح عند الإسماعيلي والدارقطني كما سبق . وأما رفعه مع وصله ، فقد حكى الدارقطني عن ابن المديني أنه أنكره . وكذا نقل ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، أنه قال : لا يسنده إلا ثلاث أنفس : ابن المبارك ويحيى بن أيوب وابن سميع . يشير إلى أن غيرهم يقفه ولا يرفعه ، كذا قال . وقد رواه أبو خالد الأحمر ، عن حميد ، عن أنس - مرفوعا . خرج حديثه الطبراني وابن جرير الطبري . وروى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى المنذر بن ساوَى : أما بعد ؛ فإن من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله والرسول . خرجه أبو عبيد . وهو مرسل . وقد دل هذا الحديث على أن الدم لا يعصم بمجرد الشهادتين ، حتى يقوم بحقوقهما ، وآكد حقوقهما الصلاة ؛ فلذلك خصها بالذكر . وفي حديث آخر أضاف إلى الصلاة الزكاة . وذكر استقبال القبلة إشارة إلى أنه لا بد من الإتيان بصلاة المسلمين المشروعة في كتابهم المنزل على نبيهم وهي الصلاة إلى الكعبة ، وإلا فمن صلى إلى بيت المقدس بعد نسخه كاليهود أو إلى المشرق كالنصارى فليس بمسلم ، ولو شهد بشهادة التوحيد . وفي هذا دليل على عظم موقع استقبال القبلة من الصلاة ؛ فإنه لم يذكر من شرائط الصلاة غيرها ، كالطهارة وغيرها . وذكره أكل ذبيحة المسلمين ، فيه إشارة إلى أنه لا بد من التزام جميع شرائع الإسلام الظاهرة ، ومن أعظمها أكل ذبيحة المسلمين ، وموافقتهم في ذبيحتهم ، فمن امتنع من ذلك فليس بمسلم . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتحن أحيانا من يدخل في الإسلام ، وقد كان يرى في دينه الأول الامتناع من أكل بعض ذبيحة المسلمين ، بإطعامه مما كان يمتنع من أكله ؛ ليتحقق بذلك إسلامه . فروي أنه عرض على قوم - كانوا يمتنعون في جاهليتهم من أكل القلب ، ثم دخلوا في الإسلام - أكل القلب ، وقال لهم : أن إسلامكم لا يتم إلا بأكله . فلو أسلم يهودي ، وأقام ممتنعا من أكل ذبائح المسلمين ، كان ذلك دليلا على عدم دخول الإسلام في قلبه ، وهذا الحديث يدل على أنه لا يصير بذلك مسلما . ويشهد لذلك : قول عمر فيمن أسلم من أهل الأمصار وقدر على الحج ولم يحج ، أنه هم بضرب الجزية عليهم ، وقال : ما هم بمسلمين . وحكي عن الحسن بن صالح ، أن المسلم إذا أسلم بدار الحرب ، وأقام بها مع قدرته على الخروج ، فهو كالمشرك في دمه وماله ، وأنه إن لحق المسلم بدار الحرب وأقام بها صار مرتدا بذلك . وقوله : فذلك المسلم ، له ذمة الله ورسوله . الذمة : العهد ، وهو إشارة إلى ما عهده الله ورسوله إلى المسلمين بالكف عن دم المسلم وماله . وقوله : فلا تخفروا الله في ذمته ، أي : لا تغدروا بمن له عهد من الله ورسوله ، فلا تفوا له بالضمان ، بل أوفوا له بالعهد . وهو مأخوذ من قولهم : أخفرت فلانا ، إذا غدرت به ، ويقولون : خفرته ، إذا حميته .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يبدي ضبعيه ويجافي في السجود · ص 126 58 - حدثنا نعيم قال : حدثنا ابن المبارك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله . حديث أنس هذا أخرجه البخاري في هذا الباب من ثلاثة أوجه : الأول : مسند عن عمرو بن عباس إلخ ، وقد مر . والثاني : فيه خلاف بين الرواة من أربعة أوجه : الأول : حدثه البخاري عن نعيم بن حماد الخزاعي ، ونعيم أخرجه معلقا من حيث قال : قال ابن المبارك ، وهو عبد الله بن المبارك ، وهذا هو المذكور في نسختنا . الثاني : قال ابن شاكر راوي البخاري عنه قال نعيم بن حماد فالبخاري علقه ، والثالث : رواية الأصيلي وكريمة قال ابن المبارك بغير ذكر نعيم فالبخاري أيضا علقه . والرابع : وقع مسندا حيث قال في بعض النسخ : حدثنا نعيم حدثنا ابن المبارك إلخ ، والثالث من الأوجه التي ذكرها البخاري معلق موقوف على ما يأتي عن قريب . وأخرج أبو داود هذا الحديث في الجهاد ، والترمذي في الإيمان عن سعيد بن يعقوب عن ابن المبارك ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمد بن حاتم عن حبان عن ابن المبارك. قوله : أمرت أي أمرني الله تعالى ، وإنما طوى ذكر الفاعل لشهرته ولتعظيمه. قوله : أن أقاتل الناس أي بأن أقاتل ، وكلمة أن مصدرية ، وأراد بالناس المشركين. قوله : حتى يقولوا لا إله إلا الله إنما اكتفى بذكر هذا الشرط من غير انضمام محمد رسول الله ؛ لأنه عبر على طريق الكناية عن الإقرار برسالته بالصلاة ، والاستقبال ، والذبح ؛ لأن هذه الثلاثة من خواص دينه صلى الله عليه وسلم ؛ لأن القائلين لا إله إلا الله كاليهود فصلاتهم بدون الركوع ، وقبلتهم غير الكعبة ، وذبيحتهم ليست كذبيحتنا ، وقد يجاب بأن هذا الشرط الأول من كلمة الشهادة شعار لمجموعها كما يقال : قرأت الم ذَلِكَ الْكِتَابُ والمراد كل السورة لا يقال فعلى هذا لا يحتاج إلى الأمور الثلاثة ؛ لأن مجرد هذه الكلمة التي هي شعار الإسلام محرمة للدماء والأموال ؛ لأنا نقول الغرض منه بيان تحقيق القول بالفعل ، وتأكيد أمره فكأنه قال : إذا قالوها وحققوا معناها بموافقة الفعل لها فتكون محرمة ، وأما تخصيص هذه الثلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدين فلكونها أظهرها وأعظمها وأسرعها علما بها إذ في اليوم الأول من الملاقاة مع الشخص يعلم صلاته ، وطعامه غالبا بخلاف نحو الصوم فإنه لا يظهر الامتياز بيننا وبينهم به ، ونحو الحج فإنه قد يتأخر إلى شهور وسنين ، وقد لا يجب عليه أصلا. قوله : وذبحوا ذبيحتنا أي ذبحوا المذبوح مثل مذبوحنا ، والذبيحة على وزن فعيلة بمعنى المذبوح ، فإن قلت : فعيل إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث فلا تدخله التاء . ( قلت ) لما زال عنه معنى الوصفية ، وغلبت الاسمية عليه ، واستوى فيه المذكر والمؤنث فدخله التاء ، وقد يقال : إن الاستواء فيه عند ذكر الموصوف معه ، وأما إذا انفرد عنه فلا. قوله : إلا بحقها أي إلا بحق الدماء والأموال ، وفي حديث ابن عمر فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام. قوله : وحسابهم على الله على سبيل التشبيه أي هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع ، وإلا فلا يجب على الله شيء ، وكان الأصل فيه أن يقال وحسابهم لله أو إلى الله ، وقد مر تحقيق الكلام في هذا الباب مستوفى في باب فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ( وقال علي بن عبد الله : حدثنا خالد بن الحارث قال : حدثنا حميد قال : سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك قال : يا أبا حمزة وما يحرم دم العبد وماله ، فقال : من شهد أن لا إله إلا الله ، واستقبل قبلتنا ، وصلى صلاتنا ، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم ) . هذا معلق وموقوف ، أما التعليق فإنه قال : قال علي بن عبد الله هو ابن المديني ، وفاعل قال الأول هو البخاري ، وفاعل قال الثاني ظاهر ، وهو شيخه علي بن المديني ، وأما الوقف فإن أنسا لم يرفعه. قوله : يابا حمزة أصله يا أبا حمزة فحذفت الهمزة للتخفيف ، وأبو حمزة كنية أنس. قوله : وما يحرم بالتشديد من التحريم ، وكلمة ما استفهامية ، فإن قلت : وما يحرم عطف على ماذا ، ( قلت ) على شيء محذوف كأنه سأل عن شيء قبل هذا ، ثم قال : وما يحرم ، ولم تقع الواو في رواية الأصيلي وكريمة ، وقال بعضهم : الواو استئنافية . ( قلت ) الاستئناف كلام مبتدأ فعلى هذا لا يبقى مقول لقال فيحتاج إلى تقدير ، فإن قلت : الجواب ينبغي أن يكون مطابقا للسؤال ، والسؤال هنا عن سبب التحريم فالجواب كيف يطابقه ( قلت ) المطابقة ظاهرة ؛ لأن قوله : من شهد إلخ هو الجواب وزيادة ؛ لأنه لما ذكر الشهادة وما عطف عليها علم أن الذي يفعل هذا هو المسلم ، والمسلم يحرم دمه وماله إلا بحقه. قوله : له أي من النفع وعليه أي من المضرة ، والتقديم يفيد الحصر أي له ذلك لا لغيره . ( قال ابن أبي مريم : أخبرنا يحيى قال : حدثنا حميد قال : حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ) . هذا أيضا معلق رواه ابن أبي مريم ، وهو سعيد بن الحكم المصري عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ، وقد وصله أبو نعيم حدثنا أبو أحمد الجرجاني ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا إبراهيم بن هانئ ، حدثنا عمرو بن الربيع ح وحدثنا إبراهيم بن محمد ، حدثنا أبو عروبة ، حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا ابن أبي مريم قالا : حدثنا يحيى بن أيوب أخبرني حميد سمع أنسا فذكره ، وفي هذا فائدة ، وهي تصريح حميد بسماعه إياه من أنس ، ولكن طعن فيه الإسماعيلي وقال : الحديث حديث ميمون ، وإنما سمعه حميد منه ، ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله : عن حميد حدثنا أنس قال ، ويدل على ذلك ما أخبرنا يحيى بن محمد بن البحتري حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي عن حميد عن ميمون قال : سألت أنسا ما يحرم مال المسلم ودمه ... الحديث . ( قلت ) رواية معاذ لا دليل فيها على أن حميدا لم يسمعه من أنس ؛ لأنه يجوز أن يكون سمعه من أنس ، ثم استثبت فيه عن ميمون فكأنه تارة يحدث به عن أنس لأجل العلو ، وتارة عن ميمون للاستثبات ، وقد جرت عادة حميد وغيره بهذه الطريقة ، فإن قلت : جاء عن أبي هريرة أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وجاء عن ابن عمر : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وجاء عن أنس المذكور في هذا الباب ، فما التوفيق بين هذه الروايات الثلاث؟ ( قلت ) إنما اختلفت هذه الألفاظ فزادت ونقصت لاختلاف الأحوال والأوقات التي وقعت هذه الأقوال فيها ، وكانت أمور الشريعة تشرع شيئا فشيئا ، فخرج كل قول فيها على شرط المفروض في حينه ، فصار كل منها في زمانه شرطا لحقن الدم وحرمة المال ، ولا منافاة بين الروايات ، ولا اختلاف .