3- باب وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا : إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ ؛ لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ ، وَمِثْلُهُ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ . وَاسْأَلْ الْعِيرَ : يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ ، وَأَصْحَابَ الْعِيرِ . وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا : يَقُولُ : لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ . وَيُقَالُ : إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي ، وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا ، وَالظِّهْرِيُّ هَا هُنَا أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ . أَرَاذِلُنَا : سُقَّاطُنَا . إِجْرَامِي : هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ أَجْرَمْتُ . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : جَرَمْتُ . الْفُلْكَ وَالْفَلَكُ وَاحِدٌ ، وَهْيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ . مُجْرَاهَا : مَدْفَعُهَا ، وَهُوَ مَصْدَرُ أَجْرَيْتُ . وَأَرْسَيْتُ : حَبَسْتُ . وَيُقْرَأُ : مَجْرَاهَا مِنْ جَرَتْ هِيَ ، مُرْسِاهَا من رست . ومجريها ومرسيها مِنْ فُعِلَ بِهَا . الرَاسِيَاتٌ : ثَابِتَاتٌ . قَوْلُهُ : وَإِلَى مَدْيَنَ أَيْ لِأَهْلِ مَدْيَنَ ، لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ . وَمِثْلُهُ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ وَالْعِيرَ أَيْ : أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَصْحَابَ الْعِيرِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا مَدْيَنَ لَا يَنْصَرِفُ ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ بَلَدٍ مُؤَنَّثٍ ، وَمَجَازُهُ مَجَازُ الْمُخْتَصَرِ الَّذِي فِيهِ ضَمِيرٌ ، أَيْ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ ، وَمِثْلُهُ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ ، وَالْعِيرَ أَيْ مَنْ فِي الْعِيرِ . قَوْلُهُ : وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا يَقُولُ لَمْ يَتَلَفَّتُوا إِلَيْهِ ، وَيُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ ظَهَرَتْ لِحَاجَتِي إِلَخْ ) ثَبَتَ هَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَرْجَمَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : أَرَاذِلُنَا سُقَّاطُنَا ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ ، وَالْأَرَاذِلُ جَمْعُ أَرْذَالِ إِمَّا عَلَى بَابِهِ كَمَا جَاءَ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا أَوْ جَرَى مَجْرَى الْأَسْمَاءِ كَالْأَبْطَحِ ، وَقِيلَ أَرَاذِلُ جَمْعُ أَرْذُلُ بِضَمِّ الذَّالِ وَهُوَ جَمْعُ رَذْلٍ مِثْلُ كَلْبٍ وَأَكْلُبٍ وَأَكَالِبَ . قَوْلُهُ : ( إِجْرَامِيٌّ مَصْدَرُ أَجْرَمَتْ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ جَرَمْتُ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنْشَدَ : طَرِيدُ عَشِيرَةٍ وَرَهِينُ ذَنْبٍ بِمَا جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِسَانِي وَجَرَمَتْ بِمَعْنَى كَسَبَتْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( الْفُلْكُ وَالْفَلَكُ وَاحِدٌ وَهِيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ ) كَذَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ بِضَمِّ الْفَاءِ فِيهِمَا وَسُكُونِ اللَّامِ فِي الْأُولَى وَفَتْحِهَا فِي الثَّانِيَةِ ، وَلِآخَرِينَ بِفَتْحَتَيْنِ فِي الْأَوَّلِ وَبِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ فِي الثَّانِيَةِ ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ التِّينِ وَقَالَ : الْأَوَّلُ وَاحِدٌ وَالثَّانِي جَمْعٌ مِثْلُ أَسَدٍ وَأُسْدٍ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَلِبَعْضِهِمْ بِضَمِّ ثُمَّ سُكُونٍ فِيهِمَا جَمِيعًا وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَمْعَ وَالْوَاحِدَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ قَالَ فِي الْوَاحِدِ : فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَقَالَ فِي الْجَمْعِ : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ وَالَّذِي فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفُلْكُ وَاحِدٌ وَجَمْعٌ وَهِيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ ، وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ . قَوْلُهُ : ( مُجْرَاهَا مَدْفَعُهَا ، وَهُوَ مَصْدَرٌ أَجْرَيْتُ ، وَأَرْسَيْتُ حَبَسْتُ وَيُقْرَأُ مَجْرَاهَا مِنْ جَرَتْ هِيَ وَمُرْساهَا مِنْ رَسَتْ ، وَمُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا مِنْ فُعِلَ بِهَا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا أَيْ مَسِيرُهَا وَهِيَ مِنْ جَرَتْ بِهِمْ ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالضَّمِّ فَهُوَ مِنْ أَجْرَيْتُهَا أَنَا ، وَمُرْسَاهَا أَيْ وَقْفَهَا وَهُوَ مَصْدَرٌ أَيْ أَرْسَيْتُهَا أَنَا انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ : مَجْرَاهَا مَوْقِفُهَا بِوَاوٍ وَقَافٍ وَفَاءٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ . ثُمَّ وَجَدْتُ ابْنَ التِّينِ حَكَاهَا عَنْ رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ قَالَ : وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ فَاسِدُ الْمَعْنَى ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْأَصْلِ بِدَالٍ ثُمَّ فَاءٍ ثُمَّ عَيْنٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : الَّذِي قَرَأَ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي مُجْرَاهَا الْجُمْهُورُ ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَحَفْصٌ ، عَنْ عَاصِمٍ بِالْفَتْحِ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، عَنْ عَاصِمٍ كَالْجُمْهُورِ ، وَقَرَءُوا كُلُّهُمْ فِي الْمَشْهُورِ بِالضَّمِّ فِي مُرْسَاهَا ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَتْحَهَا أَيْضًا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَفِي قِرَاءَةِ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالسِّينِ أَيِ اللَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( رَاسِيَاتٍ ثَابِتَاتٍ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ أَيْ ثِقَالٍ ثَابِتَاتٍ عِظَامٍ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا لَمَّا ذَكَرَ مُرْسَاهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريوَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا · ص 203 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ · ص 204 4- بَاب وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وَاحِدُ شَاهِدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ 4685- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، وَهِشَامٌ قَالَا : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ : بَيْنَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَوْ قَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ ، هل سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْوَى ؟ فَقَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ . وَقَالَ هِشَامٌ : يَدْنُو الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ : تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ يَقُولُ : أَعْرِفُ ، يَقُولُ : رَبِّ أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ . فَيَقُولُ : سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ، ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ ، أَوْ الْكُفَّارُ ، فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ : هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَقَالَ شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا الْآيَةَ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ . قَوْلُهُ : وَيَقُولُ الأَشْهَادُ وَاحِدُهُ شَاهِدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِمْ هُنَا فَقِيلَ : الْأَنْبِيَاءُ وَقِيلَ : الْمَلَائِكَةُ . أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَهَذَا أَعَمُّ ، وَعَنْ قَتَادَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الْخَلَائِقُ ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الْجَمِيعِ . وَقَوْلُهُ حَدَّثَنَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ أَيْ مَا تَجَبَّرُوا وَتَكَبَّرُوا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَصَدَرُوا عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ) وَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله وكان عرشه على الماء · ص 293 باب قوله : وكان عرشه على الماء . أي هذا باب في قوله تعالى : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ أي كان عرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض ، وقيل لابن عباس : على أي شيء كان الماء ؟ قال : على متن الريح ، وفي وقوف العرش على الماء ، والماء على غير تراب أعظم الاعتبار لأهل الأفكار ، قال كعب : خلق الله ياقوتة حمراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء . 204 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : أنفق أنفق عليك ، وقال : يد الله ملأى لا تغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده ، وكان عرشه على الماء ، وبيده الميزان يخفض ويرفع . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ، وأبو الزناد بكسر الزاي وبالنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز ، والحديث أخرجه في التوحيد أيضا ، وأخرجه النسائي في التفسير ببعضه . قوله : ( أنفق عليك ) مجزوم لأنه جواب الأمر ، وفيه مشاكلة لأن إنفاق الله تعالى لا ينقص من خزائنه شيئا . قوله : ( يد الله ملأى ) كناية عن خزائنه التي لا تنفد بالعطاء . قوله : ( لا يغيضها ) بالغين والضاد المعجمتين أي لا ينقصها ، وهو لازم ومتعد ، يقال : غاض الماء يغيض ، وغضته أنا أغيضه ، وغاض الماء إذا غار . قوله : ( سحاء ) أي دائمة الصب والهطل بالعطاء يقال : سح يسح فهو ساح ، والمؤنث سحاء ، وهي فعلاء لا أفعل لها كهطلاء ، ويروى سحا بالتنوين على المصدر فكأنها لشدة امتلائها تفيض أبدا . قوله : ( الليل والنهار ) منصوبان على الظرفية . قوله : ( أرأيتم ) أي أخبروني . قوله : ( ما أنفق ) أي الذي أنفق من يوم خلق السماء والأرض . قوله : ( فإنه ) أي فإن الذي أنفق . قوله : ( لم يغض ) أي لم ينقص ما في يده ، وحكم هذا حكم المتشابهات تأويلا . قوله : ( الميزان ) أي العدل ، قال الخطابي : الميزان هنا مثل ، وإنما هو قسمته بالعدل بين الخلق . قوله : ( يخفض ويرفع ) أي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر كما يصنعه الوزان عند الوزن يرفع مرة ، ويخفض أخرى ، وأئمة السنة على وجوب الإيمان بهذا وأشباهه من غير تفسير بل يجرى على ظاهره ، ولا يقال كيف . اعتراك افتعلك من عروته أي أصبته ، ومنه يعروه ، واعتراني . أشار به إلى قوله تعالى : إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ولم يثبت هذا هنا إلا في رواية الكشميهني وحده . قوله : اعْتَرَاكَ افتعلك ) أراد به أنه من باب الافتعال ، ولكن قوله : اعتراك افتعلك بكاف الخطاب ليس باصطلاح أحد من أهل العلوم الآلية ، وقال بعضهم : وإنما يقال : اعتراك افتعلت بتاء مثناة من فوق ، وهو كذلك عند أبي عبيدة . قلت : كذا وقع في بعض النسخ ، والصواب أن يقال : اعترى افتعل فلا يحتاج إلى ذكر كاف الخطاب في الوزن . قوله : ( من عروته ) إشارة إلى أن أصله من عرا يعرو عروا ، وفي الصحاح : عروت الرجل أعروه عروا إذا ألممت به وأتيته طالبا فهو معرو ، وفلان تعروه الأضياف وتعتريه أي تغشاه . قوله : ( ومنه يعروه واعتراني ) أي ومن هذا الأصل قولهم فلان يعروه أي يصيبه ، وقال الجوهري : أعراني هذا الأمر واعتراني تغشاني ، وفيه معنى الإصابة . آخذ بناصيتها أي في ملكه وسلطانه . أشار به إلى قوله تعالى : مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وتفسيره بقوله أي في ملكه وسلطانه تفسير بالمعنى الغائي ؛ لأن من أخذ بناصيته يكون تحت قهر الآخذ وحكمه ، وهذا التفسير بمفسره لم يثبت إلا في رواية الكشميهني وحده . وإلى مدين أخاهم شعيبا . أي أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم أي من أنفسهم . قوله : شُعَيْبًا بدل من أخاهم الذي هو منصوب بأرسلنا المقدر ، وشعيب منصرف لأنه علم عربي ، وليس فيه علة أخرى ، وفي صحيح ابن حبان : أربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك يا أبا ذر ، وكان لسانه العربية ، أرسله الله إلى مدين بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وفي اسم أبيه أقوال ، والمشهور شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم ، ومدين لا ينصرف للعلمية والعجمة ثم صار اسما للقبيلة ، ثم إن مدين لما بنى بلدة قريبة من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز سماها باسمه مدين . قوله : وَإِلَى مَدْيَنَ أي إلى أهل مدين لأن مدين اسم بلد فلا يمكن الإرسال إليه ، ولا يكون الإرسال إلا إلى أهله فلذلك قدر المضاف مثل : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أي اسأل أهل القرية لأن السؤال عن القرية لا يتصور ، وكذلك قوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ تقديره واسأل أصحاب العير بكسر العين الإبل بأحمالها من عار يعير إذا سار ، وقيل : هي قافلة الحمير فكثرت حتى سمي بها كل قافلة . وراءكم ظهريا يقول : لم تلتفتوا إليه ، ويقال : إذا لم يقض الرجل حاجته ظهرت بحاجتي ، وجعلتني ظهريا ، والظهري هاهنا أن تأخذ معك دابة أو وعاء تستظهر به . أشار به إلى قوله تعالى : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا وهذا أيضا لم يثبت إلا للكشميهني وحده ، وفسره بقوله : لم تلتفتوا إليه ، وهو تفسير بالمعنى الغائي لأن معنى قوله : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا جعلتموه وراء ظهوركم ، وجعل الشيء وراء الظهر كناية عن عدم الالتفات إليه ، والظهري منسوب إلى الظهر ، وكسرة الظاء من تغييرات النسب . قوله : ( ويقال إذا لم يقض الرجل حاجته ) أي حاجة فلان مثلا يقال له : ظهرت بها كأنه استخف بها وجعلها بظهره ، أي كأنه أزالها ، ولم يلتفت إليها ، وجعلها ظهريا أي خلف ظهره . قوله : ( والظهري هاهنا ) إلى آخره ، إن أراد بقوله هاهنا تفسير الظهري الذي في القرآن فلا يصح ذلك لأن تفسير الظهري هو الذي ذكره أولا ، وقال الزمخشري : معنى قوله تعالى : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا نسيتموه وجعلتموه كالشيء منبوذا وراء الظهر لا يعبأ به ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يريد ألقيتموه خلف ظهوركم ، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي ، والله أكبر وأعز من جميع خلقه ، وقوله : والظهري هاهنا إلى آخره غير المعنى الذي ذكره المفسرون في الآية الكريمة ، نعم جاء الظهري أيضا بهذا المعنى ، وقد قال الجوهري : الظهري بالكسر العدة للحاجة إن احتيج إليه ، وهذا يؤكد المعنى الذي قاله ومنه يقال : بعير ظهير بين الظهارة إذا كان قويا ، وناقة ظهيرة ، قاله الأصمعي . قوله : ( يستظهر به ) أي يستعين به أي بالظهري ، ويقال : فلان ظهرني على فلان ، وأنا ظهرتك على هذا الأمر أي عونك . أراذلنا سقاطنا . أشار به إلى قوله تعالى وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وفسر أراذلنا بقوله سقاطنا بضم السين المهملة ، وتشديد القاف جمع سقط بفتحتين ، وهو الردي الدني الخسيس ، وسقاطنا أي أخساؤنا ، والأراذل جمع أرذل ، وهو الردي من كل شيء ، وقيل : جمع أرذل بضم الذال ، وهو جمع رذل مثل كلب وأكلب وأكالب ، والآية في قصة نوح عليه الصلاة والسلام .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين · ص 295 باب قوله : ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين . أي هذا باب في قوله تعالى : ويقول الأشهاد ، الآية ، وليس في معظم النسخ لفظ باب ، وقد مر تفسير الأشهاد عن قريب . 205 - حدثنا مسدد ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، وهشام قالا : حدثنا قتادة ، عن صفوان بن محرز ، قال : بينا ابن عمر يطوف إذ عرض رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، أو قال : يا ابن عمر ، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في النجوى ؟ فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يدنى المؤمن من ربه ، وقال هشام : يدنو المؤمن حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا ؟ يقول : أعرف ، يقول : رب أعرف مرتين ، فيقول : سترتها في الدنيا ، وأغفرها لك اليوم ، ثم تطوى صحيفة حسناته ، وأما الآخرون أو الكفار فينادى على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، وقال شيبان عن قتادة حدثنا صفوان . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويزيد من الزيادة ابن زريع مصغر زرع ، وسعيد هو ابن عروبة ، وهشام هو ابن عبد الله الدستوائي ، وصفوان بن محرز بضم الميم ، وسكون الحاء المهملة ، وكسر الراء ، وبالزاي المازني . والحديث مضى في كتاب المظالم في باب قول الله تعالى : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ومضى الكلام فيه هناك . قوله : في النجوى أي المناجاة التي بين الله تعالى وبين المؤمنين ، وإنما أطلق النجوى لمخاطبة الكفار على رؤوس الأشهاد . قوله : ( يدنى المؤمن ) على صيغة المجهول من الدنو ، وهو القرب . قوله : ( كنفه ) بفتح النون ، وهو الجانب والناحية ، وهذا تمثيل لجعله تحت ظل رحمته يوم القيامة ، وقال ابن الأثير : حتى يضع عليه كنفه أي يستره ، وقيل يرحمه ، ويلطف به ، والكنف والدنو كلاهما مجازان لاستحالة حقيقتهما على الله تعالى ، والحديث من المتشابهات . قوله : ( ثم تطوى ) ويروى ثم يعطى . قوله : ( وأما الآخرون ) بالمد ، وفتح الخاء وكسرها ، ويروى بالقصر والكسر فهم المدبرون المتأخرون عن الخير . قوله : ( أو الكفار ) شك من الراوي . قوله : وقال شيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي ، وقد أخرج البخاري هذا الحديث أيضا في كتاب التوحيد عن مسدد عن أبي عوانة عن قتادة عن صفوان إلى آخره ثم قال : وقال آدم حدثنا شيبان حدثنا قتادة حدثنا صفوان عن ابن عمر : سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ووصله ابن مردويه من طريق شيبان .