16- سُورَةُ النَّحْلِ رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ . نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ فِي ضَيْقٍ يُقَالُ : أَمْرٌ ضَيْقٌ وَضَيِّقٌ ، مِثْلُ هَيْنٍ وَهَيِّنٍ ، وَلَيْنٍ وَلَيِّنٍ ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ تَتَهَيَّأُ . سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا لَا يَتَوَعَّرُ عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكَتْهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي تَقَلُّبِهِمْ اخْتِلَافِهِمْ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَمِيدُ : تَكَفَّأُ . مُفْرَطُونَ مَنْسِيُّونَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَمَعْنَاهَا الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تُسِيمُونَ تَرْعَوْنَ . شَاكِلَتِهِ نَاحِيَتِهِ . قَصْدُ السَّبِيلِ الْبَيَانُ . الدِّفْءُ : مَا اسْتَدْفَأْتَ به . تُرِيحُونَ بِالْعَشِيِّ . وَ تَسْرَحُونَ بِالْغَدَاةِ . بِشِقِّ يَعْنِي الْمَشَقَّةَ . عَلَى تَخَوُّفٍ تَنَقُّصٍ . الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً وَهِيَ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ ، وَكَذَلِكَ النَّعَمُ . الْأَنْعَامُ : جَمَاعَةُ النَّعَمِ . أَكْنَانا : وَاحِدُهَا كِنٌّ ، مِثْلُ حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ . سَرَابِيلَ قُمُصٌ . تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَأَمَّا سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ : فَإِنَّهَا الدُّرُوعُ . دَخَلا بَيْنَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ فَهُوَ دَخَلٌ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : حَفَدَةً : مَنْ وَلَدَ الرَّجُلُ . السَّكَرُ : مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتِهَا . وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَدَقَةَ : أَنْكَاثًا هِيَ خَرْقَاءُ ، كَانَتْ إِذَا أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا نَقَضَتْهُ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْأُمَّةُ : مُعَلِّمُ الْخَيْرِ ، وَالْقَانِتُ : الْمُطِيعُ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - سُورَةُ النَّحْلِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) أَمَّا قَوْلُهُ رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ فَذَكَرَهُ اسْتِشْهَادًا لِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِبْرِيلُ اتِّفَاقًا ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى رَدِّ مَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رُوحُ الْقُدُسِ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ عِيسَى يُحْيِي بِهِ الْمَوْتَى ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي تَقَلُّبِهِمْ فِي اخْتِلَافِهِمْ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ مِثْلُهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي تَقَلُّبِهِمْ يَقُولُ فِي أَسْفَارِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَمِيدُ تَكَفَّأُ ) هُوَ بِالْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مَهْمُوزٌ ، وَقِيلَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ الْكَافِ . وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلُهُ : وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ قَالَ : تَكَفَّأُ بِكُمْ ، وَمَعْنَى تَكَفَّأُ تُقَلَّبُ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مَوْقُوفًا قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ ، قَالَ فَأَرْسَى اللَّهُ فِيهَا الْجِبَالَ ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعٍ . قَوْلُهُ : مُفْرَطُونَ مَنْسِيُّونَ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ قَالَ : مَنْسِيُّونَ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : مُفْرَطُونَ أَيْ مَتْرُوكُونَ فِي النَّارِ مَنْسِيُّونَ فِيهَا . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : مُعَجَّلُونَ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : ذَهَبَ قَتَادَةُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَفْرَطْنَا فُلَانًا إِذَا قَدَّمُوهُ فَهُوَ مُفْرَطٌ وَمِنْهُ أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ قُلْتُ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَقَرَأَهَا نَافِعٌ بِكَسْرِهَا وَهُوَ مِنَ الْإِفْرَاطِ ، وَقَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرِ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَكْسُورَةٍ أَيْ مُقَصِّرُونَ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ مُبَالِغُونَ فِي الْإِسَاءَةِ . قَوْلُهُ : ( فِي ضَيْقٍ يُقَالُ أَمْرٌ ضَيْقٌ وَأَمْرٌ ضَيِّقٌ مِثْلُ هَيْنٌ وَهَيِّنٌ وَلَيْنٌ وَلَيِّنٌ وَمَيْتٌ وَمَيِّتٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ ضَيْقٍ كَمَيْتٍ وَهَيْنٍ وَلَيْنٍ فَإِذَا خَفَّفْتُهَا قُلْتُ مَيْتٌ وَهَيْنٌ وَلَيْنٌ فَإِذَا كَسَرْتَ أَوَّلِهِ فَهُوَ مَصْدَرُ ضَيَّقَ انْتَهَى . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ هُنَا وَفِي النَّمْلِ بِالْكَسْرِ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ ، فَقِيلَ عَلَى لُغَتَيْنِ ، وَقِيلَ الْمَفْتُوحُ مُخَفَّفٌ مِنْ ضَيْقٍ أَيْ فِي أَمْرِ ضَيِّقٍ . وَاعْتَرَضَهُ الْفَارِسِيُّ بِأَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ خَاصَّةٍ بِالْمَوْصُوفِ فَلَا يُدَّعَى الْحَذْفُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَتَفَيَّأُ ظِلَالَهُ تَتَهَيَّأُ ) كَذَا فِيهِ وَالصَّوَابُ تَتَمَيَّلُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا لَا يَتَوَعَّرُ عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكْتُهُ ) رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلِهِ ، وَيَتَوَعَّرُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَذُلُلًا حَالٌ فِي السُّبُلِ أَيْ ذَلَّلَهَا اللَّهُ لَهَا ، وَهُوَ جَمْعُ ذَلُولٍ قَالَ تَعَالَى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ( ذُلُلًا ) أَيْ مُطِيعَةٌ ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ ذُلُلًا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ اسْلُكِي ، وَانْتِصَابُ سُبُلٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ . قَوْلُهُ : ( الْقَانِتُ الْمُطِيعُ ) سَيَأْتِي فِي آخِرِ السُّورَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ) الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ أَبُو عُبَيْدَةَ ، فَإِنَّ هَذَا كَلَامُهُ بِعَيْنِهِ ، وَقَرَّرَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ إِذَا وَصَلَهُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ ، وَالتَّقْدِيرُ فَإِذَا أَخَذْتُ فِي الْقِرَاءَةِ فَاسْتَعِذْ ، وَقِيلَ هُوَ عَلَى أَصْلِهِ لَكِنْ فِيهِ إِضْمَار ، أَيْ إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُوجَدُ عِنْدَ الْقَصْدِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ ابْنُ سِيرِينَ ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ مَالِكٍ وَهُوَ مَذْهَبُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ فَكَانُوا يَسْتَعِيذُونَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَمَعْنَاهَا ) أَيْ مَعْنَى الِاسْتِعَاذَةِ ( الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُسِيمُونَ تَرْعَوْنَ ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ قَالَ : تَرْعَوْنَ فِيهِ أَنْعَامَكُمْ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : تُسِيمُونَ أَيْ تَرْعَوْنَ ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، أَسَمْتُ الْإِبِلَ رَعَيْتُهَا ، وَسَامَتْ هِيَ رَعَتْ . قَوْلُهُ : ( شَاكِلَتُهُ نَاحِيَتُهُ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا وَإِنَّمَا هُوَ فِي السُّورَةِ الَّتِي تَلِيهَا ، وَقَدْ أَعَادَهُ فِيهَا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْحَمَوِيِّ نِيَّتُهُ بَدَلَ نَاحِيَتُهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا هُنَاكَ . قَوْلُهُ : ( قَصْدُ السَّبِيلِ الْبَيَانُ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ قَالَ : الْبَيَانُ . وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلِهِ وَزَادَ : الْبَيَانُ بَيَانُ الضَّلَالَةِ وَالْهُدَى . قَوْلُهُ : ( الدِّفْءُ مَا اسْتَدْفَأْتُ بِهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الدِّفْءُ مَا اسْتَدْفَأْتُ بِهِ مِنْ أَوْبَارِهَا وَمَنَافِعٌ مَا سِوَى ذَلِكَ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ قَالَ : الثِّيَابُ . وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : لِبَاسٌ يُنْسَجُ . وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : ( تَخَوُّفُ تَنَقُّصُ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجيْحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ قَالَ : عَلَى تَنَقُّصٍ . وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجَبْ . فَقَالَ عُمَرُ : مَا رَأَى إِلَّا أَنَّهُ عَلَى مَا يُنْتَقَصُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ ، قَالَ فَخَرَجَ رَجُلٌ فَلَقِيَ أَعْرَابِيًّا فَقَالَ : مَا فَعَلَ فُلَانٌ ؟ قَالَ تَخَوَّفْتُهُ - أَيْ تَنَقَّصْتُهُ - فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ عُمَرُ ، فَأَعْجَبَهُ وَفِي شِعْرِ أَبِي كَثِيرٍ الْهُذَلِيِّ مَا يَشْهَدُ لَهُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَخَوُّفٍ قَالَ : عَلَى تَنَقُّصٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، وَقِيلَ التَّخَوُّفُ تَفَعُّلٌ مِنَ الْخَوْفِ . قَوْلُهُ : ( تُرِيحُونَ بِالْعَشِيِّ وَتَسْرَحُونَ بِالْغَدَاةِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ أَيْ بِالْعَشِيِّ ، وَحِينَ تَسْرَحُونَ أَيْ بِالْغَدَاةِ . قَوْلُهُ : الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً هِيَ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ ، وَكَذَلِكَ النَّعَمُ الْأَنْعَامُ جَمَاعَةُ النَّعَمِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ فَذَكَّرَ وَأَنَّثَ ، فَقِيلَ الْأَنْعَامُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ ، وَقِيلَ الْمَعْنَى عَلَى النَّعَمِ فَهِيَ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ ، وَالْعَرَبُ تُظْهِرُ الشَّيْءَ ثُمَّ تُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا هُوَ مِنْهُ بِسَبَبٍ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : قَبَائِلُنَا سَبْعٌ وَأَنْتُمْ ثَلَاثَةٌ وَلَلسَّبْعُ أَوْلَى مِنْ ثَلَاثٍ وَأَطْيَبُ أَيْ ثَلَاثَةٍ أَحْيَاءٍ ، ثُمَّ قَالَ مِنْ ثَلَاثٍ أَيْ قَبَائِلَ انْتَهَى . وَأَنْكَرَ الْفَرَّاءُ تَأْنِيثَ النَّعَمِ وَقَالَ : إِنَّمَا يُقَالُ : هَذَا نَعَمٌ ، وَيُجْمَعُ عَلَى نُعْمَانَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِثْلُ حَمَلٍ وَحَمَلَانِ . قَوْلُهُ : ( أَكْنَانًا وَاحِدُهَا كِنُّ ، مِثْلُ حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : أَكْنَانًا قَالَ : غِيرَانًا مِنَ الْجِبَالِ يُسْكَنُ فِيهَا . قَوْلُهُ : ( بِشِقٍّ يَعْنِي الْمَشَقَّةُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ أَيْ بِمَشَقَّةِ الْأَنْفُسُ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ قَالَ : الْمَشَقَّةُ عَلَيْكُمْ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ عَنْ قَتَادَةَ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِلَّا بِجَهْدِ الْأَنْفُسِ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ الشِّينِ مِنْ شِقِّ ، وَقَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ بِفَتْحِهَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُمَا بِمَعْنًى ، وَأَنْشَدَ : وَذُو إِبِلٍ تَسْعَى وَيَحْبِسُهَا لَهُ أَخُو نَصَبٍ مِنْ شِقِّهَا وَذَءُوبٍ قَالَ الْأَثْرَمُ صَاحِبُ أَبِي عُبَيْدَةَ : سَمِعْتُهُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ ، فَبِالْكَسْرِ مَعْنَاهُ ذَابَتْ حَتَّى صَارَتْ عَلَى نِصْفِ مَا كَانَتْ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ انْتَهَى . وَكَلَامُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ يُسَاعِدُ الْأَوَّلَ . قَوْلُهُ : ( سَرَابِيلُ قُمُصٌ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ، وَأَمَّا سَرَابِيلُ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ فَإِنَّهَا الدُّرُوعٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أَيْ قُمُصًا وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ أَيْ دُرُوعًا . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ قَالَ الْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ قَالَ : دُرُوعٌ مِنْ حَدِيدٍ . قَوْلُهُ : ( دَخَلًا بَيْنَكُمْ ، كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ فَهُوَ دَخَلٌ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ ( دَخَلًا ) خِيَانَةً ، وَقِيلَ الدَّخَلُ الدَّاخِلُ فِي الشَّيْءِ لَيْسَ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : حَفَدَةُ مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : بَنِينَ وَحَفَدَةً قَالَ : الْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنْهُ قَالَ : هُمْ بَنُو امْرَأَةِ الرَّجُلِ . وَفِيهِ عَنْهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْحَفَدَةُ وَالْأَصْهَارُ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَخْتَانِ . وَأُخْرِجَ هَذَا الْأَخِيرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِثْلِهِ ، وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْهُ قَالَ : مَنْ أَعَانَكَ فَقَدْ حَفَدَكَ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : الْحَفَدَةُ الْخُدَّامُ . وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ : الْحَفَدَةُ الْبَنُونَ وَبَنُو الْبَنِينَ ، وَمَنْ أَعَانَكَ مِنْ أَهْلٍ أَوْ خَادِمٍ فَقَدْ حَفَدَكَ . وَهَذَا أَجْمَعُ الْأَقْوَالِ ، وَبِهِ تَجْتَمِعُ ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ . وَأَصْلُ الْحَفَدِ مُدَارَكَةُ الْخَطْوِ وَالْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْيِ ، فَأُطْلِقَ عَلَى مَنْ يَسْعَى فِي خِدْمَةِ الشَّخْصِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( السَّكَرُ مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتِهَا ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ مَا أُحِلَّ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلِهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي النَّاسِخِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قَالَ : الرِّزْقُ الْحَسَنُ الْحَلَالُ ، وَالسَّكَرُ الْحَرَامُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ سُورَةُ النَّحْلِ مَكِّيَّةٌ . وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ : السَّكَرُ خَمْرُ الْأَعَاجِمِ . وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ وَقِيلَ لَهُ فِي قَوْلِهِ : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا أَهُوَ هَذَا الَّذِي تَصْنَعُ النَّبَطُ ؟ قَالَ لَا ، هَذَا خَمْرٌ ، وَإِنَّمَا السَّكَرُ نَقِيعُ الزَّبِيبِ ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ التَّمْرُ وَالْعِنَبُ . وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ هَذَا الْقَوْلَ وَانْتَصَرَ لَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَدَقَةَ ( أَنْكَاثًا ) هِيَ خَرْقَاءُ كَانَتْ إِذَا أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا نَقَضَتْهُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْعَدَنِيِّ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ صَدَقَةَ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَتْ بِمَكَّةَ امْرَأَةٌ تُسَمَّى خَرْقَاءُ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَفِي تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ أَنَّ اسْمَهَا بَطَّةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ تَمِيمٍ ، وَعِنْدَ الْبَلَاذُرِيِّ أَنَّهَا وَالِدَةُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ ، وَأَنَّهَا بِنْتُ سَعْدِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ . وَفِي غُرَرِ التِّبْيَانِ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْزِلُ هِيَ وَجَوَارِيهَا مِنَ الْغَدَاةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ بِنَقْضِ ذَلِكَ ، هَذَا دَأْبُهَا لَا تَكُفُّ عَنِ الْغَزْلِ وَلَا تُبْقِي مَا غَزَلَتْ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ مِثْلُ رِوَايَةِ صَدَقَةِ الْمَذْكُورِ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ نَكَثَ عَهْدَهُ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُمِّ زُفَرٍ الْآتِي ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ الطِّبِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَصَدَقَةُ هَذَا لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ أَقْدَمَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : صَدَقَةُ هَذَا هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَهُنَا رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ ، وَلَا سَلَفَ لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ رِوَايَةِ صَدَقَةَ هَذَا عَنِ السُّدِّيِّ ، فَإِنَّ صَدَقَةَ بْنَ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيَّ مَا أَدْرَكَ السُّدِّيُّ وَلَا أَصْحَابُ السُّدِّيِّ ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ صَدَقَةَ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ قَاضِي الْأَهْوَازِ لِأَنَّ لِابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ رِوَايَةٌ ، إِلَى أَنْ رَأَيْتُ فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ صَدَقَةَ أَبُو الْهُذَيْلِ ، ورَوَى عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانِ فِي الثِّقَاتِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، وَكَذَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ لَكِنْ قَالَ : صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ الْقَارِئُ صَاحِبُ مُجَاهِدٍ ، فَظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، وَوَضَّحَ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا ، فَيَسْتَدِرْكُ عَلَى مَنْ صَنَّفَ فِي رِجَالِهِ فَإِنَّ الْجَمِيعَ أَغْفَلُوهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْأُمَّةُ مُعَلِّمُ الْخَيْرِ ; وَالْقَانِتُ الْمُطِيعُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ فِي الْمَوَاعِظِ وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قُرِئَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةٌ قَانِتًا لِلَّهِ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا الْأُمَّةُ ؟ الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ ، وَالْقَانِتُ الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . 1- بَاب وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ 4707- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ ، عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو : أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ ، وَالْكَسَلِ ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي الدُّعَاءِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ ، شُعَيْبٌ الرَّاوِي ، عَنْ أَنَسٍ هُوَ ابْنُ الْحَبْحَابِ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : أَرْذَلُ الْعُمُرِ هُوَ الْخَرِفُ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ مِائَةُ سَنَةٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ · ص 235 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين · ص 14 باب قوله : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي هذا باب في قوله عز وجل : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ قالوا : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من المتاجرين ، ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين . قال سالم : اليقين الموت . سالم هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم ، وهذا التعليق رواه إسحاق بن إبراهيم البستي عن بندار ، أخبرنا يحيى بن سعيد ، أخبرنا سفيان ، عن طارق بن عبد الرحمن ، عن سالم ، وقال بعضهم : إطلاق اليقين على الموت مجاز لأن الموت لا يشك فيه ، وفيه نظر لا يخفى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة النحل · ص 14 سورة النحل . أي هذا في تفسير بعض سورة النحل ، روى همام ، عن قتادة أنها مدنية ، وروى سعيد عنه أولها مكي إلى قوله عز وجل : وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ومن هنا إلى آخرها مدني ، وقال السدي : مكية إلا آيتين : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وقال سفيان : إنها مكية ، وقال القرطبي : قال ابن عباس : هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بعد قتل حمزة رضي الله تعالى عنه وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا الآيات ، وفي رواية هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بين مكة والمدينة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد ، وقال السخاوي : نزلت بعد الكهف وقبل سورة نوح عليه السلام ، وهي سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف ، وألفان وثمانمائة وإحدى وأربعون كلمة ، ومائة وثماني وعشرون آية . بسم الله الرحمن الرحيم . لم تثبت البسملة إلا في رواية أبي ذر . روح القدس جبريل عليه السلام نزل به الروح الأمين . أشار به إلى قوله تعالى : قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ الآية ، وفسر روح القدس بقوله : جبريل عليه السلام ، وكذا رواه ابن أبي حاتم بإسناد رجاله ثقات عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وكذا روى الطبري من طريق محمد بن كعب القرظي قال : روح القدس جبريل عليه السلام ، وأضيف الروح إلى القدس وهو الطهر كما يقال : حاتم الجود ، وزيد الخير ، والمراد الروح القدس ، وقال ابن الأثير : لأنه خلق من طهارة ، والروح في الحقيقة ما يقوم به الجسد ، وتكون به الحياة ، وقد أطلق على القرآن والوحي والرحمة ، وعلى جبريل عليه السلام ، قوله : نزل به الروح الأمين ذكره استشهادا لصحة هذا التأويل فإن المراد به جبريل عليه السلام اتفاقا ، وكأنه أشار به إلى رد ما رواه الضحاك عن ابن عباس قال : روح القدس الاسم الذي كان عيسى عليه السلام يحيي به الموتى رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف ، قوله : الأمين وصف جبريل عليه السلام لأنه كان أمينا فيما استودع من الرسالة إلى الرسل عليهم السلام . في ضيق يقال : أمر ضيق وضيق مثل هين وهين ولين ولين وميت وميت . أشار بقوله : في ضيق إلى قوله تعالى : وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ وأشار بقوله : يقال أمر ضيق وضيق إلى أن فيه لغتين التشديد ، والتخفيف كما ذكرها في الأمثلة المذكورة ، وقرأ ابن كثير هنا ، وفي النمل بكسر الضاد ، والباقون بفتحها ، وقال الفراء : الضيق بالتخفيف ما ضاق عنه صدرك ، والضيق بالتشديد ما يكون في الذي يتسع مثل الدار والثوب ، ومعنى الآية : لا يضيق صدرك من مكرهم . وقال ابن عباس في تقلبهم اختلافهم . أي قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى : أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ في اختلافهم فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ بسابقي الله تعالى ، وروى ذلك الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، ورواه محمد بن جرير ، عن المثنى ، وعلي بن داود حدثنا أبو صالح حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عنه ، وقال الثعلبي : معناه يأخذهم العذاب في تصرفهم في الأسفار بالليل والنهار . وقال مجاهد : تميد تكفأ . أي قال مجاهد في تفسير تميد في قوله تعالى : وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ الآية ، تكفأ بالكاف وتشديد الفاء وبالهمزة ، وقيل بضم أوله وسكون الكاف ، ومعنى تكفأ تقلب ، وروى هذا التعليق أبو محمد ، حدثنا حجاج ، حدثنا شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح عنه . مفرطون منسيون . أشار به إلى قوله عز وجل : أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ وفسر مفرطون بقوله : منسيون ، وكذا رواه الطبري عن محمد بن عمرو ، عن أبي عاصم ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وروي من طريق سعيد بن جبير قال : مفرطون أي متركون في النار منسيون فيها ، وقرأ الجمهور بتخفيف الراء وفتحها ، وقرأها نافع بكسرها ، وهو من الإفراط ، وقرأها أبو جعفر بن القعقاع بكسر الراء المشددة أي مقصرون في أداء الواجب مبالغون في الإساءة . وقال غيره : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ هذا مقدم ومؤخر ، وذلك أن الاستعاذة قبل القراءة ، ومعناها الاعتصام بالله . أي قال غير مجاهد في قوله تعالى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إن فيه التقديم والتأخير ، وذلك أن الاستعاذة تكون قبل القراءة ، والتقدير : فإذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله هذا على قول الجمهور حتى قال صاحب التوضيح : هذا إجماع إلا ما روي عن أبي هريرة ، وداود ، ومالك أنهم قالوا : إن الاستعاذة بعد القراءة أخذا بظاهر القرآن ، وقد أبعد بعضهم هذا في موضعين : الأول : في قوله المراد بالغير أبو عبيدة فإن هذا كلامه بعينه ، وهذا فيه خبط ، والثاني : في قوله : والتقدير فإذا أخذت في القراءة فاستعذ ، وقيل : هو على أصله ، لكن فيه إضمار أي إذا أردت القراءة ، وهذا يكاد أن يكون أقوى خبطا من الأول على ما لا يخفى على من يتأمل فيه ، قوله : ومعناها أي معنى الاستعاذة الاعتصام بالله . قصد السبيل البيان . أشار به إلى قوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ وفسر القصد بالبيان ، وكذا روي عن ابن عباس أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه قيل : قصد السبيل بيان طريق الحكم لكم ، والقصد الطريق المستقيم ، وقيل : بيان الشرائع والفرائض ، وعن ابن المبارك : قصد السبيل السنة ، قوله : ومنها أي ومن السبيل ، والتأنيث باعتبار أن لفظ السبيل واحد ، ومعناها الجمع ، قوله : جائر أي معوج عن الاستقامة . الدفء ما استدفأت به . أشار به إلى قوله تعالى : وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وفسر الدفء بقوله : ما استدفأت به يعني من الأكسية والأبنية قال الجوهري : الدفء السخونة تقول منه : دفئ الرجل دفاءة مثل كره كراهة ، وكذلك دفئ دفأ مثل ظمئ ظمأ ، والاسم الدفء وهو الشيء الذي يدفيك ، والجمع الأدفاء ، وفسر الجوهري الدفء في الآية المذكورة بقوله : النفع بنتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها ، قال الله تعالى : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ تريحون بالعشي وتسرحون بالغداة . أشار به إلى قوله تعالى : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وفسر تريحون بالعشي ، وتسرحون بالغداة ، وفي التفسير أي تردونها إلى مراحها ، وهي حيث تأوي إليه ، وحين تسرحون ترسلونها بالغداة إلى مراعيها ، وقال قتادة : وأحسن ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها طوالا أسنمتها . بشق يعني المشقة . أشار به إلى قوله تعالى : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ وفسر الشق بالمشقة ، وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ أي بمشقة الأنفس ، وقراءة الجمهور بكسر الشين ، وقرأها أبو جعفر بن القعقاع بفتحها قال أبو عبيدة : هما بمعنى ، وقال الفراء معناهما مختلف فبالكسر المشقة ، وبالفتح من الشق في الشيء كالشق في الجبل . على تخوف تنقص . أشار به إلى قوله تعالى : عَلَى تَخَوُّفٍ وفسره بقوله : تنقص ، وكذا روي عن مجاهد رواه الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه ، وروى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس على تخوف قال : على تنقص من أعمالكم ، وقيل : هو تفعل من الخوف . الأنعام لعبرة ، وهي تؤنث وتذكر ، وكذلك النعم للأنعام جماعة النعم . أشار به إلى قوله تعالى : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ قوله : لَعِبْرَةً أي لعظة ، قوله : نُسْقِيكُمْ قرئ بفتح النون وضمها قيل : هما لغتان ، وقال الكسائي : تقول العرب : أسقيته لبنا إذا جعلته له سقيا دائما ، فإذا أرادوا أنهم أعطوه شربة قالوا : سقيناه ، قوله : مِمَّا فِي بُطُونِهِ ولم يقل : بطونها ، لأن الأنعام والنعم واحد ، ولفظ النعم مذكر ، قاله الفراء فباعتبار ذلك ذكر الضمير ، قوله : وهي أي الأنعام تؤنث وتذكر ، قوله : وكذلك النعم أي يذكر ويؤنث ، وقد ذكرنا الآن عن الفراء أن النعم مذكر ، ويجمع على أنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم . سرابيل قمص تقيكم الحر ، وأما سرابيل تقيكم بأسكم فإنها الدروع . أشار به إلى قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ وفسر سرابيل الأول بالقمص بضم القاف والميم جمع قميص من قطن وكتان وصوف ، والسرابيل الثاني بالدروع ، قوله : تقيكم الحر أي تحفظكم من الحر ، ومن البرد أيضا ، وهذا من باب الاكتفاء ، قوله : بأسكم أراد به شدة الطعن والضرب والرمي . دخلا بينكم : كل شيء لم يصح فهو دخل . أشار به إلى قوله تعالى : تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ وفسر الدخل بقوله : كل شيء لم يصح فهو دخل ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وكذلك الدغل ، وهو الغش ، والخيانة . وقال ابن عباس : حفدة ، من ولد الرجل . أشار به إلى قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وذكر أن الحفدة من ولد الرجل هم ولده وولد ولده ، وهذا التعليق رواه الطبري من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : بَنِينَ وَحَفَدَةً قال : الولد وولد الولد . السكر ما حرم من ثمرها والرزق الحسن ما أحل . أشار به إلى قوله تعالى : وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا الآية ، وبين السكر بقوله : ما حرم من ثمرها أي من ثمر النخيل والأعناب ، ويروى : من ثمرتها ، ويروى : ما حرم الله من ثمرها ، وبين الرزق الحسن المذكور في الآية بقوله : والرزق الحسن ما أحل أي : الذي جعل حلالا ، ويروى : ما أحل الله ، وقال الثعلبي : قال قوم : السكر الخمر ، والرزق الحسن الدبس ، والتمر ، والزبيب ، قالوا : وهذا قبل تحريم الخمر ، وإلى هذا ذهب ابن مسعود ، وابن عمر ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم ، والحسن ، ومجاهد ، وابن أبي ليلى ، والكلبي ، وفي رواية عن ابن عباس قال : السكر ما حرم من ثمرتيهما ، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما ، وقال قتادة : أما السكر فخمور هذه الأعاجم ، وأما الرزق الحسن فهو ما تنتبذون ، وما تخللون ، وتأكلون ، قال : ونزلت هذه الآية ، وما حرمت الخمر يومئذ ، وإنما نزل تحريمها بعد في سورة المائدة ، وقال الثعلبي : السكر ما شربت ، والرزق الحسن ما أكلت ، وعن ابن عباس الحبشة يسمون الخمر سكرا . وقال ابن عيينة عن صدقة أنكاثا هي خرقاء كانت إذا أبرمت غزلها نقضته . أي قال سفيان بن عيينة ، عن صدقة قال الكرماني : صدقة هذا هو ابن الفضل المروزي ، ورد عليه بأن صدقة بن الفضل المروزي شيخ البخاري ، يروى عن سفيان بن عيينة ، وهاهنا يروي سفيان عن صدقة ، والدليل على عدم صحة قوله : إن صدقة هذا روى عن السدي ، وصدقة بن الفضل المروزي ما أدرك السدي ، ولا أصحاب السدي ، وروى ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمر العدني ، والطبري من طريق الحميدي كلاهما عن ابن عيينة ، عن صدقة ، عن السدي قال : كانت بمكة امرأة تسمى خرقاء ، فذكر مثل ما ذكره البخاري ، والظاهر أن صدقة هذا هو أبو الهذيل ، روى عن السدي ، قوله : وروى عنه ابن عيينة كذا ذكره البخاري في تاريخه ، قوله : أنكاثا أشار به إلى قوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا قال الزمخشري : أي لا تكونوا في نقض الإيمان كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته أنكاثا جمع نكث ، وهو ما ينكث فتله ، وقال ابن الأثير : النكث نقض العهد ، والاسم النكث بالكسر ، وهو الخيط الخلق من صوف ، أو شعر ، أو وبر ، سمي به لأنه ينقض ثم يعاد فتله ، قوله : هي خرقاء الضمير يرجع إلى تلك المرأة التي تسمى خرقاء ، وذكر أنكاثا يدل عليه ، فلا يكون داخلا في الإضمار قبل الذكر ، وكانت إذا أحكمت غزلها نقضته ، فلذلك قيل : خرقاء أي حمقاء ، وفي غرر التبيان أنها كانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى نصف النهار ، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن جميعا ، فهذا كان دأبها ، والمعنى أنها كانت لا تكف عن الغزل ، ولا تبقي ما غزلت ، وروى الطبري من طريق سعيد ، عن قتادة قال : هو مثل ضربه الله تعالى لمن ينكث عهده ، وقال مقاتل في تفسيره : هذه المرأة قرشية اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة ، وتلقب جعرانة لحمقها ، وذكر السهيلي أنها بنت سعد بن زيد مناة بن تيم بن مرة ، وقال الثعلبي : كانت اتخذت مغزلا بقدر ذراع ، وسنارة مثل الأصبع ، وفلكة عظيمة على قدرهما تغزل الغزل من الصوف ، والوبر ، والشعر ، وتأمر جواريها بذلك ، وكن يغزلن إلى نصف النهار ، ثم تأمرهن بنقض جميع ذلك فهذا كان دأبها . وقال ابن مسعود : الأمة معلم الخير . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ وقال عبد الله بن مسعود في تفسير الأمة بأنه معلم الخير ، وكذا رواه . الحاكم من حديث مسروق ، عن عبد الله ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، وعن مجاهد : كان مؤمنا وحده ، والناس كلهم كفار ، وعن قتادة : ليس من أهل دين إلا ويتولونه ، ويرضونه ، وعن شهر بن حوشب : لا تخلو الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض ، ويخرج بركتها إلا زمان إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنه كان وحده انتهى ، والأمة لها معان أخر القران من الناس ، والجماعة ، والدين ، والحين ، والواحد الذي يقوم مقام جماعة . والقانت المطيع . هذا من تتمة كلام ابن مسعود فإنه فسر القانت في قوله : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا بالمطيع ، وكذلك أخرجه ابن مردويه في تفسيره . أكنانا واحدها كن مثل حمل وأحمال . أشار به إلى قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وفسر قتادة أكنانا بقوله : غيرانا من الجبال يسكن فيها ، وقال البخاري : واحد الأكنان كن بكسر الكاف مثل حمل بكسر الحاء المهملة واحد الأحمال ، والكن كل شيء وقى شيئا وستره ، وفي بعض النسخ : وقع هذا عقيب قوله : جماعة النعم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله ومنكم من يرد إلى أرذل العمر · ص 18 باب قوله : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي هذا باب في قوله تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ من رذل الرجل يرذل رذالة ، ورذولة ، قال الجوهري : الرذل الدون الخسيس ، ورذال كل شيء رديئه ، وكذلك الأرذل من كل شيء ، وأرذل العمر أردؤه ، وأوضعه ، وقال السدي : أرذله الخرف ، وقال قتادة : تسعون سنة ، وعن علي : خمس وسبعون سنة ، وعن مقاتل : الهرم ، وعن ابن عباس : معناه يرد إلى أسفل العمر ، وعن عكرمة : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ، وروى ابن مردويه في تفسيره من حديث أنس رضي الله تعالى عنه مائة سنة . 228 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور ، عن شعيب ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو : أعوذ بك من البخل والكسل ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات . مطابقته للترجمة في قوله : وأرذل العمر ، وشعيب هو ابن الحبحاب بالحاءين المهملتين والباءين الموحدتين مر في كتاب الجمعة ، والحديث أخرجه مسلم في الدعوات عن أبي بكر بن نافع . قوله : من البخل يعني في حقوق المال ، واستعاذ صلى الله عليه وسلم من البخل كما استعاذ أيضا من فتنة الغنى ، وهو إنفاقه في المعاصي ، أو إنفاقه في إسراف ، أو في باطل ، قوله : والكسل هو عدم انبعاث النفس للخير ، وقلة الرغبة فيه مع إمكانه ، قوله : وأرذل العمر آخره في آخر العمر في حال الكبر والعجز والخرف ، وجه الاستعاذة منه أن المطلوب من العمر التفكر في آلاء الله ، ونعمائه من خلق الموجودات ، فيقوموا بواجب الشكر بالقلب ، والجوارح ، والخرف الفاقد لهما ، فهو كالشيء الرديء الذي لا ينتفع به ، فينبغي أن يستعاذ منه ، قوله : وعذاب القبر لأن فيه الأهوال والشدائد ، قوله : وفتنة الدجال إذ لم تكن فتنة في الأرض منذ خلق الله ذرية آدم أعظم منها ، قوله : وفتنة المحيا هو مفعل من الحياة والممات مفعل من الموت ، قال الشيخ أبو النجيب السهروردي قدس الله روحه : يريد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر والرضا والوقوع في الآفات والإصرار على الفساد ، وترك متابعة طريق الهدى ، وفتنة الممات سؤال منكر ونكير مع الحيرة والخوف .