11 - بَاب : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 4757 - وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيَّ خَطِيبًا فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي ، وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ : ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ، وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ - وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ - فَقَالَ : كَذَبْتَ ، أَمَا وَاللَّهِ أَنْ لَوْ كَانُوا مِنْ الْأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَرٌّ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا عَلِمْتُ . فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ فَعَثَرَتْ وَقَالَتْ : تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ : أَيْ أُمِّ ، تَسُبِّينَ ابْنَكِ ؟ وَسَكَتَتْ ، ثُمَّ عَثَرَتْ الثَّانِيَةَ فَقَالَتْ : تَعَسَ مِسْطَحٌ ، فَقُلْتُ لَهَا : تَسُبِّينَ ابْنَكِ ؟ ثُمَّ عَثَرَتْ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَتْ : تَعَسَ مِسْطَحٌ فَانْتَهَرْتُهَا ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا أَسُبُّهُ إِلَّا فِيكِ ، فَقُلْتُ : فِي أَيِّ شَأْنِي ؟ قَالَتْ : فَبَقَرَتْ لِي الْحَدِيثَ ، فَقُلْتُ : وَقَدْ كَانَ هَذَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ وَاللَّهِ ، فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي كَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَا أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، وَوُعِكْتُ فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي ، فَأَرْسَلَ مَعِي الْغُلَامَ فَدَخَلْتُ الدَّارَ ، فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ فِي السُّفْلِ وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ فَقَالَتْ أُمِّي : مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ ؟ فَأَخْبَرْتُهَا وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ ، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا بَلَغَ مِنِّي ، فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّةُ خَفِّضي عَلَيْكِ الشَّأْنَ ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قط حسناء عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا حَسَدْنَهَا ، وَقِيلَ فِيهَا . وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي . قُلْتُ : وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قُلْتُ : وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهُوَ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ ، فَنَزَلَ فَقَالَ لِأُمِّي : مَا شَأْنُهَا ؟ قَالَتْ : بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ . قَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَيَّةُ إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ ، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتِي فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي ، فَقَالَتْ : لَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا أَوْ عَجِينَهَا . فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ . فَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ ، وَبَلَغَ الْأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَالَتْ : وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي ، فَلَمْ يَزَالَا حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ صَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ دَخَلَ وَقَدْ اكْتَنَفَنِي أَبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ ، إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا أَوْ ظَلَمْتِ فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ ، قَالَتْ : وَقَدْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَهِيَ جَالِسَةٌ بِالْبَابِ فَقُلْتُ : أَلَا تَسْتَحْيي مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا ، فَوَعَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْتَفَتُّ إِلَى أَبِي ، فَقُلْتُ لَهُ : أَجِبْهُ ، قَالَ : فَمَاذَا أَقُولُ ؟ فَالْتَفَتُّ إِلَى أُمِّي فَقُلْتُ : أَجِيبِيهِ ، فَقَالَتْ : أَقُولُ مَاذَا ؟ فَلَمَّا لَمْ يُجِيبَاهُ ، تَشَهَّدْتُ فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قُلْتُ : أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ ، لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ بِهِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ ، وَإِنْ قُلْتُ : إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ لَتَقُولُنَّ : قَدْ بَاءَتْ بِهِ عَلَى نَفْسِهَا ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا - وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ - إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَاعَتِهِ فَسَكَتْنَا فَرُفِعَ عَنْهُ ، وَإِنِّي لَأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ ، وَيَقُولُ : أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ ، قَالَ : وَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا فَقَالَ لِي أَبَوَايَ : قُومِي إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ ، وَلَا أَحْمَدُهُ وَلَا أَحْمَدُكُمَا ، وَلَكِنْ أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي ، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلَا غَيَّرْتُمُوهُ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِدِينِهَا فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا ، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ ، وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ - هُوَ وَحَمْنَةُ . قَالَتْ : فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ - يَعْنِي مِسْطَحًا إِلَى قَوْلِهِ : أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَلَى وَاللَّهِ يَا رَبَّنَا ، إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا ، وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : رَءُوفٌ رَحِيمٌ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ غَيْرَهُ إِلَى رَءُوفٌ رَحِيمٌ قَوْلُهُ : ( تَشِيعَ : تَظْهَرَ ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ تَظْهَرُ يُتَحَدَّثُ بِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ يَعْنِي أَنْ تَفْشُوَ وَتَظْهَرَ ، وَالْفَاحِشَةُ الزِّنَا . قَوْلُهُ : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ - إِلَى قَوْلِهِ - وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ سَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، فَصَارَتِ الْآيَاتُ مَوْصُولًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلا يَأْتَلِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَعْنَاهُ لَا يَفْتَعِلْ مِنْ آلَيْتَ أَيْ أَقْسَمْتَ ، وَلَهُ مَعْنًى آخَرُ مِنْ أَلَوْتُ أَيْ قَصَّرْتُ ، وَمِنْهُ : لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الِائْتِلَاءُ الْحَلِفُ ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ : وَلَا يَتَأَلَّ بِتَأْخِيرِ الْهَمْزَةِ . وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ، وَهِيَ خِلَافُ رَسْمِ الْمُصْحَفِ ، وَمَا نَسَبَهُ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ، وَإِنَّمَا نُسِبَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَا يَأْتَلِ ، يَقُولُ : لَا يُقْسِمُ ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْقِرَاءَةَ الْمَذْكُورَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ... إِلَخْ ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ بِتَمَامِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ الْإِفْكِ الطَّوِيلِ قَرِيبًا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، فَظَنَّ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَصَلَهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ · ص 345 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ · ص 347 12 - بَاب : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ 4758 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ ، عن ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ ؛ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا قَوْلُهُ : بَابُ : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ كَأَنَّ يَضْرِبْنَ ضُمِّنَ مَعْنَى يُلْقِينَ ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَزْنُ عَظِيمٍ ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا أَنَّهُ أَوْرَدَ هَذَا عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ سَعِيدِ الدَّنْدَانِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : ( يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ ) أَيِ النِّسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ : شَجَرُ الْأَرَاكِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ : يَرْحَمُ اللَّهَ النِّسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ . قَوْلُهُ : ( الْأُوَلَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ، جَمْعُ أُولَى ، أَيِ السَّابِقَاتِ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي صَنَعَ ذَلِكَ نِسَاءُ الْمُهَاجِرَاتِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ ذَلِكَ فِي نِسَاءِ الْأَنْصَارِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( مُرُوطَهُنَّ ) جَمْعُ مِرْطٍ وَهُوَ الْإِزَارُ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : أُزُرَهُنَّ ، وَزَادَ : شَقَقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي . قَوْلُهُ : ( فَاخْتَمَرْنَ ) أَيْ غَطَّيْنَ وُجُوهَهُنَّ ; وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ تَضَعَ الْخِمَارَ عَلَى رَأْسِهَا وَتَرْمِيَهُ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْعَاتِقِ الْأَيْسَرِ وَهُوَ التَّقَنُّعُ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُسْدِلُ الْمَرْأَةُ خِمَارَهَا مِنْ وَرَائِهَا وَتَكْشِفُ مَا قُدَّامَهَا ، فَأُمِرْنَ بِالِاسْتِتَارِ ، وَالْخِمَارُ لِلْمَرْأَةِ كَالْعِمَامَةِ لِلرَّجُلِ .
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ · ص 347 4759 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ : أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا . قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( عَنِ الْحَسَنِ ) هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ أَخَذْنَ أُزُرَهُنَّ ) هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ الْفَاعِلُ ضَمِيرًا ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ بِلَفْظِ : أَخَذَ النِّسَاءُ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ بِلَفْظِ : أَخَذَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ صَفِيَّةَ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ ، وَلَفْظُهُ : ذَكَرْنَا عِنْدَ عَائِشَةَ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَفَضْلَهُنَّ ، فَقَالَتْ : إِنَّ نِسَاءَ قُرَيْشٍ لَفُضَلَاءُ ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ : أَشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ ، لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ فَانْقَلَبَ رِجَالُهُنَّ إِلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أُنْزِلَ فِيهَا ، مَا مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا قَامَتْ إِلَى مِرْطِهَا فَأَصْبَحْنَ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ مُعْتَجِرَاتٍ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ بَادَرْنَ إِلَى ذَلِكَ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ · ص 88 ( باب قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ أي : هذا باب في قوله عز وجل : " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ " إلى آخر " رَءُوفٌ رَحِيمٌ " كذا عند الأكثرين ، وعند أبي ذر " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا " الآية ، إلى قوله : " رَءُوفٌ رَحِيمٌ " . قوله : " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ " تهديد للقاذفين . قوله " أَنْ تَشِيعَ " أي : أن تفشو وتذيع الفاحشة " لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " في الدنيا بالحد ، وفي تفسير النسفي : وقد ضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عبد الله بن أبي وحسانا ومسطحا ، وقد ذكر أبو داود أن حسانا حد ، زاد الطحاوي ثمانين ، وكذا حمنة ومسطح ليكفر الله عنهم بذلك إثم ما صدر منهم حتى لا يبقى عليهم تبعة في الآخرة ، وأما ابن أبي فإنه لم يحد ، لئلا ينقص من عذابه شيء ، أو إطفاء للفتنة وتألفا لقومه . وقد روى القشيري في تفسيره أنه حد ثمانين ، وقال القشيري : ومسطح لم يثبت منه قذف صريح فلم يذكر فيمن حد . وأغرب الماوردي فقال : إنه لم يحد أحد من أهل الإفك . قوله : " وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ " هذا إظهار المنة بترك المعاجلة بالعقاب ، وجواب " لولا " محذوف ، تقديره : لعاجلكم بالعذاب . تشيع : تظهر لم يثبت هذا إلا لأبي ذر وحده ، وقد فسر قوله " أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ " بقوله : " تظهر " ، وكذا فسره مجاهد ، وزاد : ويتحدث به ، والفاحشة الزنا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ · ص 89 ( باب : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي : هذا باب في قوله عز وجل " وَلا يَأْتَلِ " إلى آخره ، وليس في كثير من النسخ لفظ باب ، ولم تثبت هذه الآية هنا إلا لأبي ذر وحده ، قوله : " وَلا يَأْتَلِ " قال أبو عبيدة : معناه : ولا يفتعل ، من آليت أي أقسمت . وعن ابن عباس : " لا يأتل " أي : لا يقسم ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . وقال الأخفش : وإن شئت جعلته من قول العرب ما ألوت جهدي في شأن فلان أي : ما تركته ولا قصرت فيه . 278 - وقال أبو أسامة وفي بعض النسخ " قال أبو عبد الله قال أبو أسامة " وهو حماد بن أسامة ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وفي التلويح يريد بهذا التعليق ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب عن أبي أسامة به ، وقال الكرماني : وفي بعض النسخ " حدثنا إسحاق قال : نا حميد بن الربيع الخراز " وقال بعضهم : ووقع في رواية المستملي عن الفربري " حدثنا حميد بن الربيع نا أبو أسامة " فظن الكرماني أن البخاري وصله عن حميد بن الربيع وليس كذلك ، بل هو خطأ فاحش ، فلا تعتبر به ، انتهى . قلت : هذا حط على الكرماني بغير فهم كلامه ، فإنه لم يقل مثل ما نسبه إليه وإنما قاله مثل ما نقلت عنه ، ولم يقل حدثنا حميد بن الربيع ، وإنما قال : حدثنا إسحاق قال حدثنا حميد بن الربيع ، نقل ذلك على ما رآه في بعض النسخ وليس عليه في ذلك شيء . عن هشام بن عروة ، قال : أخبرني أبي عن عائشة قالت : لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطيبا ، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وايم الله ، ما علمت على أهلي من سوء ، وأبنوهم بمن ، والله ما علمت عليه من سوء قط ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ، ولا غبت في سفر إلا غاب معي . فقام سعد بن معاذ فقال : ائذن لي يا رسول الله ، أن نضرب أعناقهم . وقام رجل من بني الخزرج ، وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل ، فقال : كذبت أما والله أن لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم . حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد وما علمت ، فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح فعثرت وقالت : تعس مسطح . فقلت : أي أم ، تسبين ابنك ؟ وسكتت ثم عثرت الثانية فقالت : تعس مسطح . فقلت لها : تسبين ابنك ؟ ثم عثرت الثالثة فقالت : تعس مسطح . فانتهرتها ، فقالت : والله ما أسبه إلا فيك . فقلت : في أي شأني ؟ قالت : فبقرت لي الحديث ، فقلت : وقد كان هذا ؟ قالت : نعم . والله فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا ووعكت ، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلني إلى بيت أبي . فأرسل معي الغلام فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ ، فقالت أمي : ما جاء بك يا بنية ؟ فأخبرتها وذكرت لها الحديث ، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني ، فقالت : يا بنية خفضي عليك الشأن ، فإنه والله لقلما كانت امرأة قط حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها وقيل فيها ، وإذا هو لم يبلغ منها ما بلغ مني . قلت : وقد علم به أبي ؟ قالت : نعم . قلت : ورسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : نعم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واستعبرت وبكيت ، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل فقال لأمي : ما شأنها ؟ قالت : بلغها الذي ذكر من شأنها . ففاضت عيناه ، قال : أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك . فرجعت ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمتي فقالت : لا والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها ، وانتهرها بعض أصحابه فقال : اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لها به ، فقالت : سبحان الله ! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر ، وبلغ الأمر إلى ذلك الرجل الذي قيل له فقال : سبحان الله ! والله ما كشفت كنف أنثى قط . قالت عائشة : فقتل شهيدا في سبيل الله . قالت : وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا عائشة ، إن كنت قارفت سوءا أو ظلمت فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده . قالت : وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت : ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا ؟ فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلى أبي فقلت : أجبه ؟ قال فما ذا أقول ؟ فالتفت إلى أمي : فقلت أجيبيه . فقالت : أقول ماذا ؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت : أما بعد ، فوالله لئن قلت لكم إني لم أفعل والله عز وجل يشهد أني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم ، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم ، وإن قلت إني فعلت والله يعلم أني لم أفعل ، لتقولن قد باءت به على نفسها ، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا - والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا - أبا يوسف حين قال : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته فسكتنا فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول : أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك . قالت : وكنت أشد ما كنت غضبا ، فقال لي أبواي : قومي إليه . فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي ، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه . وكانت عائشة تقول : أما زينب ابنة جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا ، وأما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك ، وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي - وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة - قالت : فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا ، فأنزل الله عز وجل وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ إلى آخر الآية ، يعني : أبا بكر وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ يعني : مسطحا ، إلى قوله : أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ حتى قال أبو بكر : بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا ، وعاد له بما كان يصنع . هذا طريق آخر في قصة الإفك ، وهو معلق كما ذكرنا ، وأسنده مسلم في كتاب التوبة مختصرا . قوله : " لما ذكر من شأني " على صيغة المجهول ، والشأن : الأمر والحال ، قاله الجوهري ، قوله : " وما علمت به " الواو فيه للحال . قوله : " قام " جواب لما . قوله : " في " بكسر الفاء وتشديد الياء . قوله : " أبنوا " بفتح الباء الموحدة وروي بالتخفيف والتشديد والتخفيف أشهر ومعناه : اتهموا أهلي ، والأبن بفتح الهمزة : التهمة ، يقال : أبنه يأبنه بضم الباء وكسرها إذا اتهمه ورماه بخلة سوء ، فهو مأبون ، قالوا : وهو مشتق من الأبن بضم الهمزة وفتح الباء وهي العقد في القسي تفسدها . قوله : " وأبنوهم بمن " كلمة " من " هنا عبارة عن صفوان . قوله : " والله " إلى قوله " فقام سعد بن معاذ " في براءة صفوان وبيان دينه المتين . " وقام رجل " هو سعد بن عبادة . قوله : " أم حسان " وهي الفريعة بنت خالد بن حسر بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة الأنصارية ، والفريعة بضم الفاء وبالعين المهملة . قوله : " فيك " كلمة " في " هنا للتعليل ، أي : لأجلك . قوله : " فنقرت " بالنون والقاف أي أظهرت وقررت بعجزه وبجره ، قاله الكرماني ، وقال ابن الأثير في باب الباء الموحدة مع القاف ومنه ، فبقرت لها الحديث ، أي : فتحته وكشفته . قوله : " لا أجد منه لا قليلا ولا كثيرا " معناه : أني دهشت بحيث ما عرفت لأي أمر خرجت من البيت . قوله : " ووعكت " بضم الواو أي مرضت بحمى . قوله : " أم رومان " قد ذكرنا أنه بضم الراء وفتحها . وقال الكرماني : اسمها زينب . قوله : " في السفل " بكسر السين وضمها . قوله : " أقسمت عليك " هذا مثل قولهم : نشدتك بالله إلا فعلت ، أي : ما أطلب منك إلا رجوعك إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : " عن خادمتي " ويروى " عن خادمي " والخادم يطلق على الذكر والأنثى والمراد بها بريرة بفتح الباء الموحدة . قوله : " حتى أسقطوا لها به " قال النووي : هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا ، بالباء التي هي حرف الجر ، كذا نقله القاضي عن رواية الجلودي ، وفي رواية ابن هامان " لها تها " ، بالتاء المثناة من فوق ، قال الجمهور : هذا غلط ، والصواب الأول ، ومعناه : صرحوا لها بالأمر ، ولهذا قالت : سبحان الله ! استعظاما لذلك . وقيل : معناه : أتوا بسقط من القول في سؤالها وانتهارها ، ويقال : أسقط وسقط في كلامه إذا أتى فيه بساقط ، وقيل : إذا أخطأ فيه ، وعلى رواية ابن ماهان " إن صحت معناه أسكتوها " وهذا ضعيف ، لأنها لم تسكت بل قالت سبحان الله ، والضمير في به عائد إلى الانتهار أو السؤال . وقال الكرماني : ويروى الهابة بلفظ المصدر من اللهيب . قوله : " على تبر الذهب " بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الباء الموحدة ، وهو القطعة الخالصة . قوله : " وبلغ الأمر " أي : أمر الإفك . قوله : " إلى ذلك الرجل " وهو صفوان . قوله : " كنف أنثى " بفتح الكاف والنون وهو الساتر ، وأراد به الثوب . قوله : " فقتل شهيدا في سبيل الله " وهو صفوان بن المعطل السلمي ، وقال ابن إسحاق : قتل صفوان بن المعطل في غزوة أرمينية شهيدا ، وأميرهم يومئذ عثمان بن العاص ، سنة تسع عشرة في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه . وقيل : إنه مات بالجزيرة في ناحية شمشاط ، ودفن هناك . وقيل غير ذلك . قوله : " قارفت " بالقاف والراء والفاء ، أي : كسبت . قوله : " وقد جاءت امرأة ... ... . قوله : " أقول ماذا ؟ " فإن قلت : الاستفهام يقتضي الصدارة ، قلت : هو متعلق بفعل مقدر بعده . قوله : " وأشربته " على صيغة المجهول والضمير المنصوب فيه يرجع إلى أمر الإفك ، و" قلوبكم " مرفوع بقوله " أشربت " . قوله : " باءت به على نفسها " أي : أقرت به . قوله : " أشد ما كنت غضبا " نحو قولهم : أخطب ما يكون الأمير قائما . قال الكرماني : قلت : ليس كذلك ، لأن قوله : أخطب ، في قوله : أخطب ما يكون ، مبتدأ ، وقوله : قائما ، حال سد مسد الخبر ، والتقدير : أخطب كون الأمير قائما حاصل ، وقوله : أشد ما كنت ، خبر ، قوله : وكنت أشد ما كنت ، وقوله : غضبا ، خبر كنت الثاني ، والمعنى : وكنت حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببراءتي أشد ، أي : أقوى ما كنت غضبا من غضبي قبل ذلك . قوله : " ذلك " لأن أفعل التفضيل يستعمل إما بالإضافة أو بمن أو بالألف واللام ، وهنا يقتضي الحال استعماله بمن ، على ما لا يخفى . قوله : " فعصمها الله " أي : حفظها ومنعها . قوله : " فهلكت فيمن هلك " أي : حدت فيمن حد . قوله : " يستوشيه " أي : يطلب ما عنده ليزيده ويربيه . قوله : " ولا يأتل " أي : ولا يحلف ، ومضى الكلام فيه في قصة الإفك مستوفى في كتاب الشهادات .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ · ص 92 ( باب قوله : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ أي : هذا باب في قوله عز وجل " وليضربن " وأوله وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ الآية ، ومعنى وليضربن : وليضعن خمرهن ، جمع خمار ، على جيوبهن جمع جيب ، وأريد به على صدورهن ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن ، وذلك لأن جيوبهن كانت واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها ، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة ، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها . وقال أحمد بن شبيب : حدثنا أبي ، عن يونس ، قال ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول ، لما أنزل الله وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شققن مروطهن فاختمرن بها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وذكره معلقا مع أن أحمد بن شبيب من جملة مشايخ البخاري ، وشبيب بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة بعدها باء موحدة ، وهو ابن سعيد يروي عن يونس بن يزيد عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، ووصل هذا المعلق ابن المنذر قال : حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ عن أحمد بن شبيب ، فذكره ، وكذا أخرجه أبو داود والطبري من طريق قرة بن عبد الرحمن عن الزهري مثله . قوله : " نساء المهاجرات " أي : النساء المهاجرات ، وهو نحو شجر الأراك ، أي : شجر هو الأراك ، وفي رواية أبي داود من وجه آخر " النساء المهاجرات " قوله : " الأول " بضم الهمزة وفتح الواو واللام ، أي : السابقات من المهاجرات . قوله : " مروطهن " ، جمع مرط بكسر الميم ، وهو الإزار . قوله : " فاختمرن بها " أي : غطين وجوههن بالمروط التي شققنها .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ · ص 92 279 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن الحسن بن مسلم ، عن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول : لما نزلت هذه الآية وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها . هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن أبي نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، عن إبراهيم بن نافع المخزومي المكي ، عن الحسن بن مسلم بن يناق المكي ، عن صفية بنت شيبة بن عثمان القرشية المكية . والحديث أخرجه النسائي في التفسير أيضا عن محمد بن حاتم عن حماد عن عبد الله عن إبراهيم بن نافع إلى آخره . قوله : أزرهن بضم الهمزة جمع إزار ، وهي الملاءة بضم الميم وتخفيف اللام وبالمد ، وهي الملحفة ، فإن قلت : حديث عائشة يدل على أن اللاتي شققن أزرهن النساء المهاجرات ، وورد في حديث عائشة أيضا أن ذلك كان في نساء الأنصار ، رواه ابن أبي حاتم . قلت : يمكن الجمع بينهما بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك حين نزول الآية المذكورة ، والله أعلم .