43 - سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَلَى أُمَّةٍ : عَلَى إِمَامٍ . وَقِيلِهِ يَا رَبِّ تَفْسِيرُهُ : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَوْلَا أَنْ جُعِلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ كُفَّارًا ، لَجُعِلَتْ لِبُيُوتِ الْكُفَّارِ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ . وَهِيَ دَرَجٌ . وَسُرُرٌ فِضَّةٌ . مُقْرِنِينَ : مُطِيقِينَ . آسَفُونَا : أَسْخَطُونَا . يَعِشُ : يَعْمَى . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ أَيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ ؟ وَمَضَى مِثْلُ الْأَوَّلِينَ : سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ . مُقْرِنِينَ : يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ . يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ الْجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ . لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ يَعْنُونَ الْأَوْثَانَ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ الْأَوْثَانُ ، إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . فِي عَقِبِهِ : وَلَدَهُ . مُقْتَرِنِينَ : يَمْشُونَ مَعَا . سَلَفًا قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَمَثَلًا : عِبْرَةً . يَصُدُّونَ : يَضِجُّونَ . مُبْرِمُونَ : مُجْمِعُونَ . أَوَّلُ الْعَابِدِينَ : أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ . إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ الْعَرَبُ تَقُولُ : نَحْنُ مِنْكَ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ ، والْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ بَرِيئَانِ وَفِي الْجَمِيعِ بَرِيئُونَ . وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّنِي بَرِيءٌ بِالْيَاءِ . وَالزُّخْرُفُ : الذَّهَبُ . مَلَائِكَةً يَخْلُفُونَ : يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قَوْلُهُ : عَلَى أُمَّةٍ عَلَى إِمَامٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فَذَكَرَهُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : عَلَى أُمَّةٍ قَالَ : عَلَى مِلَّةٍ : وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : عَلَى أُمَّةٍ أَيْ عَلَى دِينٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مِثْلُهُ . قَوْلُهُ : وَقِيلِهِ يَا رَبِّ تَفْسِيرُهُ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ قَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا التَّفْسِيرُ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَتِ التِّلَاوَةُ وَقِيلِهِمْ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَقِيلَهُ مَنْصُوبٌ فِي قَوْلِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ عَلَى نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَقِيلِهِ ، قَالَ : وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ فِي مَوْضِعِ الْفِعْلِ ، أَيْ وَيَقُولُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هَذَا التَّفْسِيرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْمَعْنَى ، وَالتَّقْدِيرُ : وَنَسْمَعُ قِيلَهُ ، فَحُذِفَ الْعَامِلَ ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَنْ قَرَأَ : وَقِيلَهُ فَنَصَبَ تَجُوزُ مِنْ قَوْلِهِ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَنَسْمَعُ قِيلَهُمْ ؛ وَقَدِ ارْتَضَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ : قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَقِيلَهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَالتَّقْدِيرُ وَنَسْمَعُ قِيلَهُ يَا رَبِّ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ ابْنُ التِّينِ وَإِلْزَامُهُ بَلْ يَصِحُّ وَالْقِرَاءَةُ وَقِيلَهُ بِالْإِفْرَادِ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَقِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ وَقِيلِهِ بِالْجَرِّ عَلَى مَعْنَى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَعِلْمُ قِيلِهِ ، قَالَ : وَهُمَا قِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى ، وَسَيَأْتِي أَوَاخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ - فِي مَوْضِعِ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ : الْمَعْنَى إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَقَالَ : وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ؛ وَفِيهِ أَيْضًا الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً إِلَخْ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِهِ مُقَطَّعًا ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ كُفَّارًا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً قَالَ : كُفَّارًا يَمِيلُونَ إِلَى الدُّنْيَا . قَالَ : وَقَدْ مَالَتِ الدُّنْيَا بِأَكْثَرِ أَهْلِهَا وَمَا فُعِلَ ، فَكَيْفَ لَوْ فُعِلَ . قَوْلُهُ : مُقْرِنِينَ مُطِيقِينَ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ قَالَ : مُطِيقِينَ . وَهُوَ بِالْقَافِ . وَمِنْ طَرِيقٍ لِلسُّدِّيِّ مِثْلُهُ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ لَا فِي الْأَيْدِي وَلَا فِي الْقُوَّةِ . قَوْلُهُ : آسَفُونَا أَسْخَطُونَا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : فَلَمَّا آسَفُونَا قَالَ : أَسْخَطُونَا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يَقُولُ : آسَفُونَا أَغْضَبُونَا . وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مِثْلُهُ وَأَوْرَدَهُ فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيِّ عَامِلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْيَمَنِ . قَوْلُهُ : يَعْشُ يَعْمَى ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبٍ ، عَنْ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ قَالَ : يَعْمَى . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : وَمَنْ يَعْشُ أَيْ : يُعْرِضْ . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَنْ فَسَّرَ يَعْشُ بِمَعْنَى يَعْمَى فَقِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الشِّينِ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَوْلُهُ : وَمَنْ يَعْشُ بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ : تُظْلَمُ عَيْنُهُ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : يُعْرِضُ عَنْهُ ، قَالَ : وَمَنْ قَرَأَ يَعْشَ بِفَتْحِ الشِّينِ أَرَادَ تَعْمَى عَيْنُهُ ، قَالَ : وَلَا أَرَى الْقَوْلَ إِلَّا قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يُجِيزُ عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ أَعْرَضْتُ عَنْهُ ، إِنَّمَا يُقَالُ : تَعَاشَيْتُ عَنْ كَذَا تَغَافَلْتُ عَنْهُ وَمِثْلُهُ تَعَامَيْتُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : عَشِيَ إِذَا مَشَى بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ مِثْلُ عَرِجَ مَشَى مِشْيَةَ الْأَعْرَجِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ ) ؟! وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَفَحَسِبْتُمْ أَنْ نَصْفَحَ عَنْكُمْ وَلَمْ تَفْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ . قَوْلُهُ : وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ قَالَ : سُنَّتُهُمْ ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : مُقْرِنِينَ يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَزَادَ : وَالْحَمِيرَ . وَهَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ لَهُ ، وَأَمَّا لَفْظُ مُقْرِنِينَ فَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ الْجَوَارِي ، يَقُولُ جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ عَلَى الْكَفَرَةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ فَقَالَ : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَأَنْتُمْ تَمْقُتُونَ الْبَنَاتَ وَتَنْفِرُونَ مِنْهُنَّ حَتَّى بَالَغْتُمْ فِي ذَلِكَ فَوَأَدْتُمُوهُنَّ ، فَكَيْفَ تُؤْثِرُونَ أَنْفُسَكُمْ بِأَعْلَى الْجُزْأَيْنِ وَتَدَّعُونَ لَهُ الْجُزْءَ الْأَدْنَى مَعَ أَنَّ صِفَةَ هَذَا الصِّنْفِ الَّذِي هُوَ الْبَنَاتُ أَنَّهَا تُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَالزِّينَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى نَقْصِ الْعَقْلِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِالْحُجَّةِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ قَالَ : الْبَنَاتُ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ قَالَ : فَمَا تَكَلَّمَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَكَلَّمَ بِحُجَّةٍ لَهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بِحُجَّةٍ عَلَيْهَا . ( تَنْبِيهٌ ) : قَرَأَ يَنْشَأُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا الْجُمْهُورُ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَحَفْصٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُثَقَّلًا ، وَالْجَحْدَرِيُّ مِثْلَهُ مُخَفَّفًا . قَوْلُهُ : وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ، يَعْنُونَ الْأَوْثَانَ . يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ الْأَوْثَانُ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ، مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ قَالَ : الْأَوْثَانُ . قَالَ اللَّهُ : مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ مَا تَعْلَمُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمِ لِلْكُفَّارِ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَشِيئَةِ وَلَا بُرْهَانَ مَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا يَقُولُونَهُ ظَنًّا وَحُسْبَانًا ، أَوِ الضَّمِيرُ لِلْأَوْثَانِ وَنَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ وَنَفَى عَنْهُمْ عِلْمَ مَا يَصْنَعُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ . قَوْلُهُ : فِي عَقِبِهِ وَلَدِهِ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْوَلَدِ الْجِنْسُ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي عَقِبِهِ لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . قَوْلُهُ : مُقْتَرِنِينَ يَمْشُونَ مَعًا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ يَمْشُونَ مَعًا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَعْنِي مُتَتَابِعِينَ . قَوْلُهُ : ( سَلَفًا قَوْمُ فِرْعَوْنَ . سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ كُفَّارُهُمْ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ . قَوْلُهُ : وَمَثَلا عِبْرَةً ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَزَادَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ . قَوْلُهُ : يَصِدُّونَ يَضِجُّونَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ : وَمَنْ ضَمَّهَا فَمَعْنَاهُ يَعْدِلُونَ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : يَصِدُّونَ قَالَ : يَضِجُّونَ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَاصِمٍ : ، أَخْبَرَنِي زِرُّ هُوَ ابْنُ حُبَيْشٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا يَصِدُّونَ يَعْنِي بِكَسْرِ الصَّادِ يَقُولُ : يَضِجُّونَ . قَالَ عَاصِمٌ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقْرَؤُهَا بِضَمِّ الصَّادِ ، فَبِالْكَسْرِ مَعْنَاهُ يَضِجُّ وَبِالضَّمِّ مَعْنَاهُ يُعْرِضُ . وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ الضَّمِّ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ كَذَاكَ لَكَانَتْ عَنْهُ لَا مِنْهُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْهُ أَيْ مِنْ أَجْلِهِ فَيَصِحُّ الضَّمُّ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قِرَاءَتَهُ يَصُدُّونَ بِالضَّمِّ . قَوْلُهُ : مُبْرِمُونَ مُجْمِعُونَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَزَادَ إِنْ كَادُوا شَرًّا كِدْنَاهُمْ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : أَوَّلُ الْعَابِدِينَ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ : بِاللَّهِ فَقُولُوا مَا شِئْتُمْ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَوْلُهُ : فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ يَقُولُ : فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَكَفَرَ بِمَا تَقُولُونَ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ بِسَنَدِهِ قَالَ : قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي زَعْمِكُمْ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَكَذَّبَكُمْ وَسَيَأْتِي لَهُ بَعْدَ هَذَا تَفْسِيرٌ آخَرُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ الْعَرَبُ تَقُولُ : نَحْنُ مِنْكَ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ ، الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمِيعُ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ سَوَاءٌ يُقَالُ فِيهِ بَرَاءٌ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ ، وَلَوْ قِيلَ بَرِيءٌ لَقِيلَ فِي الِاثْنَيْنِ بَرِيئَانِ وَفِي الْجَمِيعِ بَرِيئُونَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : قَوْلُهُ : إِنَّنِي بَرَاءٌ مَجَازُهَا لُغَةٌ عَالِيَةٌ يَجْعَلُونَ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ : أَنَا بَرِيءٌ وَهِيَ بَرِيئَةٌ وَنَحْنُ بَرَاءٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّنِي بَرِيءٌ بِالْيَاءِ ) وَصَلَهُ الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( وَالزُّخْرُفُ الذَّهَبُ ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ : ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كُنَّا لَا نَدْرِي مَا الزُّخْرُفُ حَتَّى رَأَيْتُهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَزُخْرُفًا قَالَ : الذَّهَبُ . وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ . قَوْلُهُ : مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : مَكَانَ ابْنِ آدَمَ . 1 - بَاب : وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ الآية 4819 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ : وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ وَقَالَ قَتَادَةُ : وَمَثَلا لِلآخِرِينَ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مُقْرِنِينَ ضَابِطِينَ . يُقَالُ : فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ : ضَابِطٌ لَهُ . وَالْأَكْوَابُ : الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ جُمْلَةِ الْكِتَابِ ، أَصْلِ الْكِتَابِ . أَوَّلُ الْعَابِدِينَ أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ ، وَهُمَا لُغَتَانِ : رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ . وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ : وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ ، وَيُقَالُ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ الْجَاحِدِينَ مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِهِ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ ظَاهِرُهَا أَنَّهُمْ بَعْدَ مَا طَالَ إِبْلَاسُهُمْ تَكَلَّمُوا ، وَالْمُبْلِسُ السَّاكِتُ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنَ الْفَرَجِ ، فَكَانَ فَائِدَةُ الْكَلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ حُصُولُ بَعْضِ فَرَجٍ لِطُولِ الْعَهْدِ ، أَوِ النِّدَاءُ يَقَعُ قَبْلَ الْإِبْلَاسِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَسْتَلْزِمُ تَرْتِيبًا . قَوْلُهُ : ( عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُنْيَةَ . قَوْلُهُ : ( يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ كَذَا لِلْجَمِيعِ بِإِثْبَاتِ الْكَافِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَنَادَوْا يَا مَالِ بِالتَّرْخِيمِ ، وَرُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَنَّهَا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَالَ الثَّوْرِيُّ : فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَادَوْا يَا مَالِ يَعْنِي بِالتَّرْخِيمِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ . وَيُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَهَا قَالَ : مَا أَشْغَلَ أَهْلَ النَّارِ عَنِ التَّرْخِيمِ ؟ وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ يَقْتَطِعُونَ بَعْضَ الِاسْمِ لِضَعْفِهِمْ وَشِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ قَتَادَةُ وَمَثَلا لِلآخِرِينَ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَلَمَّا آسَفُونَا قَالَ : أَغْضَبُونَا ، فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا قَالَ : إِلَى النَّارِ ، وَمَثَلا لِلآخِرِينَ قَالَ : عِظَةً لِلْآخِرِينَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : مُقْرِنِينَ ضَابِطِينَ ، يُقَالُ : فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ ضَابِطٌ لَهُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْكُمَيْتِ : وَلَسْتُمْ لِلصِّعَابِ مُقْرِنِينَا . قَوْلُهُ : ( وَالْأَكْوَابُ : الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : الْأَكْوَابُ : الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا آذَانَ لَهَا . قَوْلُهُ وَقَالَ قَتَادَةُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ جُمْلَةُ الْكِتَابِ ، أَصْلُ الْكِتَابِ ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَالَ : فِي أَصْلِ الْكِتَابِ وَجُمْلَتِهِ . قَوْلُهُ : أَوَّلُ الْعَابِدِينَ أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ ، وَهُمَا لُغَتَانِ رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ ) وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : يَقُولُ لَمْ يَكُنْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : هَذِهِ كَلِمَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ أَيْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ . وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : هَذَا مَعْرُوفٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ قَطُّ . أَيْ مَا كَانَ . وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ إِنْ بِمَعْنَى لَوْ أَيْ لَوْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ عَبَدَهُ بِذَلِكَ لَكِنْ لَا وَلَدَ لَهُ ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : إِنْ بِمَعْنَى مَا فِي قَوْلٍ ، وَالْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، أَيْ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ وَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ . إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ فِي قَوْلِكُمْ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ أَيِ الْكَافِرِينَ بِذَلِكَ وَالْجَاحِدِينَ لِمَا قُلْتُمْ ، وَالْعَابِدِينَ مِنْ عَبِدَ بِكَسْرِ الْبَاءِ يَعْبَدُ بِفَتْحِهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ : أُولَئِكَ قَوْمِي إِنْ هَجَوْنِي هَجَوْتُهُمْ وَأَعْبَدُ أَنْ أَهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِمِ أَيْ أَمْتَنِعُ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : عَبِدَ مَعْنَاهُ اسْتَنْكَفَ ، ثُمَّ سَاقَ قِصَّةً عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : عَبَدَ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى عَابِدٍ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْعَبَدُ بِالتَّحْرِيكِ الْغَضَبُ . قَوْلُهُ : ( وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ : وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى إِسْنَادِ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَقِيلِهِ يَا رَبِّ قَالَ : هُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ : أَوَّلُ الْجَاحِدِينَ ، مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ ) وَقَالَ ابْنُ التِّينِ كَذَا ضَبَطُوهُ وَلَمْ أَرَ فِي اللُّغَةِ عَبِدَ بِمَعْنَى جَحَدَ انْتَهَى . وَقَدْ ذَكَرَهَا الْفَرَبْرِيُّ . ( تَنْبِيهٌ ) : ضُبِطَتْ عَبِدَ يَعْبَدُ هُنَا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ 2 - باب : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ مُشْرِكِينَ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَهَلَكُوا فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ عُقُوبَةُ الْأَوَّلِينَ . جُزْءًا عِدْلًا . قَوْلُهُ : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ : مُشْرِكِينَ ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَهَلَكُوا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِهِ وَزَادَ : وَلَكِنَّ اللَّهَ عَادَ عَلَيْهِمْ بِعَائِدَتِهِ وَرَحْمَتِهِ فَكَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ عُقُوبَةُ الْأَوَّلِينَ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا . قَوْلُهُ : جُزْءًا عِدْلًا ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ ، وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَ : جُزْءًا أَيْ نَصِيبًا ، وَقِيلَ جُزْءًا إِنَاثًا ، تَقُولُ جَزَّأَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا أَتَتْ بِأُنْثَى
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلُهُ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ وقوله أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ · ص 428 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة حم الزخرف · ص 157 ( سورة حم الزخرف ) أي هذا في تفسير بعض سورة حم الزخرف ، وفي بعض النسخ سورة الزخرف ، وفي بعضها : ومن سورة حم الزخرف ، قال مقاتل : هي مكية غير آية واحدة ، وهي : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا الآية ، وقال أبو العباس : مكية لا اختلاف فيها ، وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة حرف ، وثمانمائة وثلاث وثلاثون كلمة ، وتسع وثمانون آية ، وقال ابن سيده : الزخرف : الذهب ، هذا الأصل ، ثم سمى كل زينة زخرفا ، وزخرف البيت زينته ، وكل ما زوق وزين فقد زخرف . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ثبتت البسملة هنا عند الكل . ( على أمة : على إمام ) . أشار به إلى قوله تعالى بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ كذا وقع في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر ، وقال مجاهد فذكره ، فقال بعضهم : والأول أولى ( قلت ) ليت شعري ما وجه الأولوية وفسر الأمة بالإمام ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وروى عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد على ملة ، وروى الطبري من طريق علي ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : على أمة ، أي على دين ، ومن طريق السدي مثله . ( وقيله يا رب ، تفسيره : أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ولا نسمع قيلهم ) . أشار به إلى قوله - عز وجل - وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ وفسر " قيله يا رب " بقوله : " أيحسبون " إلى آخره ، وبعضهم أنكر هذا التفسير فقال : إنما يصح لو كانت التلاوة : وقيلهم ، وإنما الضمير فيه يرجع إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال الثعلبي : وقيله يا رب يعني : وقول محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - شاكيا إلى ربه ، وقيل : معناه : وعنده علم الساعة وعلم قيله ، وقال النسفي : قرأ عاصم وحمزة : وقيله ، بكسر اللام على معنى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وعلم قيله ، وهذا العطف غير قوي في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا مع تنافر النظم ، وقرأ الباقون بفتح اللام ، والأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه ، ويكون قوله : إن هؤلاء قوم جواب القسم ، كأنه قيل : وأقسم بقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ، والضمير في قيله للرسول ، وأقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لرعايته والتجائه إليه . ( وقال ابن عباس : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ، لولا أن جعل الناس كلهم كفارا ، لجعلت لبيوت الكفار سقفا من فضة ومعارج من فضة وهي درج وسرر فضة ) . أي قال ابن عباس في قوله تعالى : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وقد فسر ابن عباس هذه الآية بما ذكره البخاري بقوله : لولا أن جعل الناس إلى آخره ، وهذا رواه ابن جرير عن أبي عاصم ، حدثنا يحيى ، حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد عنه ، وفي التفسير : لولا أن يكون الناس مجتمعين على الكفر فيصيروا كلهم كفارا ، قاله أكثر المفسرين ، وعن ابن زيد يعني لولا أن يكون الناس أمة واحدة في طلب الدنيا واختيارها على العقبى لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم بدل اشتمال من قوله : لمن يكفر ، ويجوز أن يكونا بمنزلة اللامين في قولك وهبت له ثوبا لقميصه ، قوله : " سقفا " قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح السين على الواحد ، ومعناه الجمع ، والباقون بضم السين والقاف على الجمع ، وقيل : هو جمع سقوف جمع الجمع ، قوله : " ومعارج " يعني مصاعد ومراقي ودرجا وسلاليم ، وهو جمع معرج ، واسم جمع لمعراج ، قوله : " عليها يظهرون " أي على المعارج ، يعلونها يعني يعلون سطوحها . ( مقرنين مطيقين ) . أشار به إلى قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وفسره بقوله مطيقين ، وكذا رواه الطبري بإسناده عن ابن عباس ، وفي التفسير مقرنين أي مطيقين ضابطين قاهرين ، وقيل : هو من القرن ، كأنه أراد وما كنا له مقاومين في القوة . ( آسفونا أسخطونا ) . أشار به إلى قوله تعالى فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ وفسر آسفونا بقوله : أسخطونا ، وكذا فسره ابن عباس - رضي الله عنهما - فيما رواه ابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة عنه ، وقيل : معناه أغضبونا ، وقيل : خالفونا ، والكل متقارب . ( يعش يعمى ) . أشار به إلى قوله تعالى وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وفسر يعش بقوله : يعمى ، من عشا يعشو وهو النظر ببصر ضعيف ، وقراءة العامة بالضم ، وقرأ ابن عباس بالفتح أي يظلم عنه ويضعف بصره ، وعن القرظي : ومن يول ظهره ، وذكر الرحمن هو القرآن ، قوله : " نقيض له " أي نضمه إليه ونسلطه عليه ، فهو له قرين فلا يفارقه . ( وقال مجاهد : أفنضرب عنكم الذكر ، أي تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه ) . أي قال مجاهد في قوله تعالى أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ وفسره بقوله أي تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون يعني أفنعرض عن المكذبين بالقرآن ولا نعاقبهم عليه ، وقيل : معناه أفنضرب عنكم العذاب ونمسك ونعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم ، وروي هذا أيضا عن ابن عباس والسدي ، وعن الكسائي : أفنطوي عنكم الذكر طيا فلا تدعون ولا توعظون ، وهذا من فصيحات القرآن ، والعرب تقول لمن أمسك على الشيء : أعرض عنه صفحا ، والأصل في ذلك أنك إذا أعرضت عنه وليته صفحة عنقك ، وضربت عن كذا وأضربت إذا تركته وأمسكت عنه ، وليس في بعض النسخ : وقال مجاهد . ( ومضى مثل الأولين : سنة الأولين ) . أشار به إلى قوله فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ وفسره بقوله سنة الأولين ، وقيل : سنتهم وعقوبتهم . ( وما كنا له مقرنين : يعني الإبل والخيل والبغال والحمير ) . قد مر عن قريب معنى مقرنين ، والضمير في له يرجع إلى الأنعام المذكورة فيما قبله ، وإنما ذكر الضمير لأن الأنعام في معنى الجمع كالجند والجيش والرهط ونحوها من أسماء الجنس ، قاله الفراء ، وقيل : ردها إلى " ما " . ( ينشأ في الحلية : الجواري ، جعلتموهن للرحمن ولدا ، فكيف تحكمون ) . أشار به إلى قوله تعالى كَظِيمٌ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ قوله " ينشأ " أي يكبر ويثبت في الحلية : أي في الزينة ، وفسره بقوله : الجواري ، يعني جعلتم الإناث ولد الله حيث قالوا الملائكة بنات الله ، فكيف تحكمون بذلك ولما ترضون به لأنفسكم ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله " كَظِيمٌ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ " قال : البنات ، وقراءة الجمهور : ينشاء ، بفتح أوله مخففا ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بضم أوله مثقلا ، وقرأ الجحدري بضم أوله مخففا . ( لو شاء الرحمن ما عبدناهم ، يعنون الأوثان ، يقول الله تعالى : ما لهم بذلك من علم ، أي الأوثان إنهم لا يعلمون ) . أشار به إلى قوله تعالى وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ قوله " يعنون الأوثان " هو قول مجاهد ، وقال قتادة : يعنون الملائكة ، والضمير في " ما عبدناهم " يرجع إلى الأوثان عند عامة المفسرين ، ونزلت منزلة من يعقل فذكر الضمير ، قوله : " ما لهم بذلك " أي فيما يقولون إن هم إلا يخرصون أي يكذبون . ( في عقبه : ولده ) . أشار به إلى قوله تعالى وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وفسر العقب بالولد ، والمراد به الجنس حتى يدخل ولد الولد ، وقال ابن فارس : بل الورثة كلهم عقب ، والكلمة الباقية قوله : " لا إله إلا الله " . ( مقترنين : يمشون معا ) . أشار به إلى قوله تعالى : أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ وفسر مقترنين بقوله : " يمشون معا " أي يمشون مجتمعين معا ، ويمشون متتابعين يعاون بعضهم بعضا . ( سلفا قوم فرعون سلفا لكفار أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومثلا عبرة ) . أشار به إلى قوله تعالى : فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ قوله : " جعلناهم " أي جعلنا قوم فرعون سلفا لكفار هذه الأمة ، وفي التفسير : سلفا هم الماضون المتقدمون من الأمم ، قوله : " ومثلا " أي عبرة للآخرين ، أي لمن يجيء بعدهم ، وقرئ بضم السين واللام وفتحهما . ( يصدون : يضجون ) . أشار به إلى قوله - عز وجل - إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وفسره بقوله : يضجون بالجيم وبكسر الضاد ، ومن قرأ بالضم فالمعنى : يعرضون ، وقال الكسائي : هما لغتان بمعنى ، وأنكر بعضهم الضم وقال : لو كان مضموما لكان يقال : عنه ، ولم يقل : منه ، وقيل : معنى " منه " من أجله ، فلا إنكار في الضم . ( مبرمون مجمعون ) . أشار به إلى قوله تعالى : أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ وفسره بقوله : مجمعون ، وقيل : محكمون ، والمعنى : أم أحكموا أمرا في المكر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنا مبرمون محكمون . ( أول العابدين : أول المؤمنين ) . أشار به إلى قوله - عز وجل - قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ وفسر العابدين بالمؤمنين ، ووصله الفريابي عن مجاهد بلفظ : أول المؤمنين بالله ، فقولوا ما شئتم ، وفي التفسير : يعني إن كان للرحمن ولد في زعمكم وقولكم فأنا أول الموحدين المؤمنين بالله في تكذيبكم والجاحدين ما قلتم من أن له ولدا ، وعن ابن عباس يعني ما كان للرحمن ولد وأنا أول الشاهدين له بذلك . ( وقال غيره : إنني براء مما تعبدون ، العرب تقول : نحن منك البراء والخلاء ، والواحد والاثنان والجمع من المذكر والمؤنث يقال فيه : براء ؛ لأنه مصدر ، ولو قال : بريء ، لقيل : في الاثنين بريآن ، وفي الجمع بريؤن ، وقرأ عبد الله : إنني بريء بالياء ) . أي وقال غير مجاهد ؛ لأن ما قبله قول مجاهد ، وليس في بعض النسخ لفظ : وقال غيره ، قوله : " إنني براء " وأوله : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ يعني : واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم إلى آخره ، وهذا كله ظاهر ، قوله : " يقال فيه : براء " لأنه مصدر وضع موضع النعت ، يقال : برئت منك ومن الديون والعيوب براءة ، وبرئت من المرض براء بالضم ، وأهل الحجاز يقولون : برأت من المرض براء بالفتح ، قوله : " وفي الجمع بريئون " ويقال أيضا : برآء ، مثل فقيه وفقهاء ، وبراء أيضا بكسر الباء مثل كريم وكرام ، وأبراء مثل شريف وأشراف ، وأبرياء مثل نصيب وأنصباء ، وفي المؤنث يقال : امرأة بريئة ، وهما بريئتان ، وهن بريئات وبرايا ، وهذه لغة أهل نجد ، والأولى لغة أهل الحجاز ، قوله : " وقرأ عبد الله " أي ابن مسعود ذكره الفضل بن شاذان في كتاب ( القراءات ) بإسناده عن طلحة بن مصرف عن يحيى بن وثاب عن علقمة عن عبد الله . ( والزخرف الذهب ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وفسره بالذهب ، وقد مضى الكلام فيه في أول الباب . ( ملائكة يخلفون ، يخلف بعضهم بعضا ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ وفسر يخلفون بقوله : يخلف بعضهم بعضا ، وأخرجه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، وزاد في آخره : مكان ابن آدم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك · ص 160 ( باب قوله : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ، الآية ) أي هذا باب في قوله - عز وجل - : ونادوا - أي الكفار في النار ينادون لمالك خازن النار - لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ أي ليمتنا فنستريح ، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة : إنكم ماكثون في العذاب ، وفي تفسير الجوزي : ينادون مالكا أربعين سنة فيجيبهم بعدها : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ثم ينادون رب العزة : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فلا يجيبهم مثل عمر الدنيا ، ثم يقول : اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ 315 - ( حدثنا حجاج بن منهال حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى ، عن أبيه قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ على المنبر : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعمرو هو ابن دينار ، وعطاء هو ابن أبي رباح ، ويعلى بن أمية . والحديث قد مضى في كتاب بدء الدنيا في باب صفة النار ، فإنه أخرجه هناك عن قتيبة بن سعيد ، عن سفيان ، عن عمرو بن دينار إلى آخره . ( وقال قتادة : مثلا للآخرين ، عظة لمن بعده ) . أي قال قتادة في قوله تعالى : فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ أي عظة لمن يأتي بعدهم ، والعظة : الموعظة ، أصلها وعظة ، حذفت الواو تبعا للحذف في فعلها . ( وقال غيره : مقرنين ضابطين ، يقال : فلان مقرن لفلان ضابط له ) . أي قال غير قتادة في قوله تعالى وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ، وقد مضى الكلام فيه عن قريب . ( والأكواب : الأباريق التي لا خراطيم لها ) . أشار به إلى قوله تعالى : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ الآية ، وهو جمع كوبة ، وقال الزمخشري : الكوب : الكوز بلا عروة . ( أول العابدين ، أي ما كان فأنا أول الآنفين ، وهما لغتان : رجل عابد وعبد ، وقرأ عبد الله : وقال الرسول يا رب ، ويقال : أول العابدين الجاحدين ، من عبد يعبد ) . قد مر عن قريب قوله : " أَوَّلُ الْعَابِدِينَ " أول المؤمنين ، ومضى الكلام فيه وأعاد هنا أيضا لأجل معنى آخر على ما لا يخفى ، ولكنه لو ذكر كله في موضع واحد لكان أولى ، وفسر هنا أول العابدين بقوله : أي ما كان فأنا أول الآنفين ، فقوله : " أي ما كان " تفسير قوله : إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ وكلمة إن نافية ، أي ما كان له ولد ، قوله : " فأنا أول الآنفين " تفسير قوله أول العابدين ؛ لأن العابدين هنا مشتق من عبد بكسر الباء إذا أنف واشتدت أنفته . قوله : " وهما لغتان " يعني عابد وعبد ، فالأول بمعنى المؤمن ، والثاني بمعنى الآنف ، وعبد بكسر الباء كذا بخط الدمياطي ، وقال ابن التين : ضبط بفتحها ، وقال : وكذا ضبط في كتاب ابن فارس ، وقال الجوهري : العبد بالتحريك الغضب ، وعبد بالكسر إذا أنف ، قوله : " من عبد يعبد " بمعنى جحد بكسر الباء في الماضي وفتحها في المضارع ، هكذا هو في أكثر النسخ ، ويروى بالفتح في الماضي والضم في المضارع ، وجاء الكسر في المضارع أيضا ، وقال ابن التين : ولم يذكر أهل اللغة عبد بمعنى جحد ، ورد عليه بما ذكره محمد بن عزيز السجستاني صاحب ( غريب القرآن ) أن معنى العابدين الآنفين الجاحدين ، وفسر على هذا : إن كان له ولد فأنا أول الجاحدين ، وهذا معروف من قول العرب : إن كان هذا الأمر قط ، يعني ما كان ، وعن السدي : أن إن بمعنى لو ، أي لو كان للرحمن ولد كنت أول من عبده بذلك ، لكن لا ولد له ، وقال أبو عبيدة : إن بمعنى ما ، والفاء بمعنى الواو ، أي ما كان للرحمن ولد وأنا أول العابدين ، قوله : " وقرأ عبد الله " يعني ابن مسعود ، وقال الرسول يا رب ، موضع : وقيله يا رب ، وكان ينبغي أن يذكر هذا عند قوله : " وقيله يا رب على ما لا يخفى " . ( وقال قتادة : في أم الكتاب ، جملة الكتاب أصل الكتاب ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ وفسر قتادة بقوله : جملة الكتاب وأصله ، وقال المفسرون : أم الكتاب اللوح المحفوظ الذي عند الله تعالى منه نسخ . ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ، مشركين ، والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ) . مر الكلام فيه عن قريب في قوله أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ أي يكذبون بالقرآن ، قوله : أن كنتم ، يعني بأن كنتم على معنى المضي ، وقيل : معناه إذ كنتم ، كما في قوله تعالى : وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وقوله : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا قوله : مسرفين ، أي مشركين مجاوزين الحد وأمر الله تعالى ، وقال قتادة : والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله - عز وجل - عاد بعبادته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك . ( فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ، عقوبة الأولين ) . كذا روي عن قتادة ، رواه عبد الرزاق عن معمر عنه ، وفسر مثل الأولين بقوله : عقوبة الأولين . ( جزءا عدلا ) . أشار به إلى قوله - عز وجل - وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ وفسر جزءا بقوله : عدلا بكسر العين ، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ، وفي التفسير أي نصيبا وبعضا ، وذلك قولهم : الملائكة بنات الله - تعالى الله عن ذلك - ، قوله : " وجعلوا " أي المشركون ، قوله : " له " أي لله تعالى .