48 - بَاب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ ؟ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْقُبُورِ ، وَرَأَى عُمَرُ ، أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ : الْقَبْرَ الْقَبْرَ . وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ . 427 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ هِشَامٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ ) أَيْ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِهَانَةِ لَهُمْ ، بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَخْ فَوَجْهُ التَّعْلِيلِ أَنَّ الْوَعِيدَ عَلَى ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ مَنِ اتَّخَذَ قُبُورَهُمْ مَسَاجِدَ تَعْظِيمًا وَمُغَالَاةً كَمَا صَنَعَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَجَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى عِبَادَتِهِمْ ، وَيَتَنَاوَلُ مَنِ اتَّخَذَ أَمْكِنَةَ قُبُورِهِمْ مَسَاجِدَ بِأَنْ تُنْبَشَ وَتُرْمَى عِظَامُهُمْ ، فَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْأَنْبِيَاءِ وَيَلْتَحِقُ بِهِمْ أَتْبَاعُهُمْ ، وَأَمَّا الْكَفَرَةُ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ فِي نَبْشِ قُبُورِهِمْ ، إِذْ لَا حَرَجَ فِي إِهَانَتِهِمْ . وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ فِي أَمْكِنَتِهَا تَعْظِيمٌ ، فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَبْشِ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ وَاتِّخَاذِ مَسْجِدِهِ مَكَانَهَا وَبَيْنَ لَعْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنِ اتَّخَذَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ الْفَرْقِ ، وَالْمَتْنِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ وَصَلَهُ فِي بَابِ الْوَفَاةِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ هِلَالٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَفِيهِ قِصَّةٌ ، وَوَصَلَهُ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ هِلَالٍ وَزَادَ فِيهِ وَالنَّصَارَى ، وَذَكَرَهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِالزِّيَادَةِ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْقُبُورِ ) يَتَنَاوَلُ مَا إِذَا وَقَعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ إِلَى الْقَبْرِ أَوْ بَيْنَ الْقَبْرَيْنِ . وَفِي ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ مَرْفُوعًا : لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا أَوْ عَلَيْهَا . قُلْتُ : وَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَأَوْرَدَ مَعَهُ أَثَرَ عُمَرَ الدَّالَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي فَسَادَ الصَّلَاةِ ، وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ بَيْنَمَا أَنَسٌ يُصَلِّي إِلَى قَبْرٍ نَادَاهُ عُمَرُ : الْقَبْرَ الْقَبْرَ ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِي الْقَمَرَ ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَعْنِي الْقَبْرَ جَازَ الْقَبْرَ وَصَلَّى وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى بَيَّنْتُهَا فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ مِنْهَا مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَلِينِي إِنَّمَا يَعْنِي الْقَبْرَ فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ ، وَقَوْلُهُ : الْقَبْرَ الْقَبْرَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى التَّحْذِيرِ . وَقَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ ) اسْتَنْبَطَهُ مِنْ تَمَادِي أَنَسٍ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَسَادَهَا لَقَطَعَهَا وَاسْتَأْنَفَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ ( عَنْ هِشَامٍ ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ) أَيْ رَمْلَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ الْأُمَوِيَّةَ ( وَأُمَّ سَلَمَةَ ) أَيْ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةِ الْمَخْزُومِيَّةَ وَهُمَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتَا مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ . قَوْلُهُ : ( ذَكَرَتَا ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ ذَكَرَا بِالتَّذْكِيرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ . قَوْلُهُ : ( رَأَيْنَهَا ) أَيْ هُمَا وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْأَصِيلِيِّ رَأَتَاهَا وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي الْبِيعَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ ، عَنْ هِشَامٍ أَنَّ تِلْكَ الْكَنِيسَةَ كَانَتْ تُسَمَّى مَارِيَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَلَهُ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوُهُ ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ طَرِيقِ هِلَالٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بِلَفْظِ : قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ نَحْوَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُتَوَفَّى بِخَمْسٍ وَزَادَ فِيهِ فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ . انْتَهَى . وَفَائِدَةُ التَّنْصِيصِ عَلَى زَمَنِ النَّهْيِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ لِكَوْنِهِ صَدَرَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( إِنَّ أُولَئِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا . قَوْلُهُ : ( فَمَاتَ ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ : كَانَ وَقَوْلُهُ : بَنَوْا جَوَابُ إِذَا . قَوْلُهُ : ( وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ) وَلِلْمُسْتَمْلِي تِيكَ الصُّوَرَ بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ بَدَلَ اللَّامِ ، وَفِي الْكَافِ فِيهَا وَفِي أُولَئِكِ مَا فِي أُولَئِكِ الْمَاضِيَةِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَوَائِلُهُمْ لِيَتَأَنَّسُوا بِرُؤْيَةِ تِلْكَ الصُّوَرِ وَيَتَذَكَّرُوا أَحْوَالَهُمُ الصَّالِحَةَ فَيَجْتَهِدُوا كَاجْتِهَادِهِمْ ، ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ جَهِلُوا مُرَادَهُمْ وَوَسْوَسَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ أَسْلَافَكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ وَيُعَظِّمُونَهَا فَعَبَدُوهَا ، فَحَذَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى ذَلِكَ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْوَعِيدَ عَلَى مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا . وَقَدْ أَطْنَبَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي رَدِّ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : لَمَّا كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَةً يَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَهَا وَاتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا لَعَنَهُمْ وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ، فَأَمَّا مَنِ اتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَارٍ صَالِحٍ وَقَصَدَ التَّبَرُّكَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ لَا التَّعْظِيمَ لَهُ وَلَا التَّوَجُّهَ نَحْوَهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْوَعِيدِ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ حِكَايَةِ مَا يُشَاهِدُهُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْعَجَائِبِ ، وَوُجُوبُ بَيَانِ حُكْمِ ذَلِكَ عَلَى الْعَالِمِ بِهِ ، وَذَمُّ فَاعِلِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْأَحْكَامِ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ . وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِجَنْبِ الْقَبْرِ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ إِلَيْهِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا ، وَيَأْتِي حَدِيثُ أَنَسٍ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ ، وَإِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ · ص 623 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد · ص 397 48 - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ، ويتخذ مكانها مساجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وما يكره من الصلاة في القبور ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر ، فقال : القبر القبر ، ولم يأمره بالإعادة مقصود البخاري بهذا الباب : كراهة الصلاة بين القبور وإليها ، واستدل لذلك بأن اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام ، بل من عمل اليهود ، وقد لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك . وقد خرج البخاري هذا الحديث فيما تقدم ، وسيأتي قريبا - إن شاء الله تعالى . وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث ، وهو قول الله عز وجل في قصة أصحاب الكهف : قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور ، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى ، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى . وإذا كرهت الصلاة إلى القبور وبينها ، فإن كانت القبور محترمة اجتنبت الصلاة فيها ، وإن كانت غير محترمة كقبور مشركي الجاهلية ونحوهم ممن لا عهد له ولا ذمة مع المسلمين فإنه يجوز نبشها ونقل ما يوجد فيها من عظامهم ، والصلاة في موضعها ؛ فإنها لم تبق مقبرة ولا بقي فيها قبور ، وقد نص الإمام أحمد على ذلك في رواية المروذي . وأما ما ذكره عن عمر رضي الله عنه ، فمن رواية سفيان ، عن حميد ، عن أنس ، قال : رآني عمر وأنا أصلي إلى قبر ، فجعل يشير إلي : القبر القبر . ورواه إسماعيل بن جعفر عن حميد ، عن أنس ، حدثه أنه قام يصلي إلى قبر لا يشعر به ، فناداه عمر : القبر القبر . قال : فظننت أنه يقول : القمر ، فرفعت رأسي ، فقال رجل : إنه يقول : القبر ، فتنحيت . وروي عن أنس ، عن عمر من وجوه أخر . وروى همام : ثنا قتادة ، أن أنسا مر على مقبرة وهم يبنون مسجدا ، فقال أنس : كان يكره أن يبنى مسجد في وسط القبور . وقال أشعث : عن ابن سيرين : كانوا يكرهون الصلاة بين ظهراني القبور . خرج ذلك كله أبو بكر الأثرم . وقال : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يسأل عن الصلاة في المقبرة ؟ فكره الصلاة في المقبرة . فقيل له : المسجد يكون بين القبور ، أيصلى فيه ؟ فكره ذَلِكَ . قيل لَهُ : إنه مسجد وبينه وبين القبور حاجز ؟ فكره أن يصلى فيه الفرض ، ورخص أن يصلى فيه على الجنائز . وذكر حديث أبي مرثد الغنوي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تصلوا إلى القبور ، وقال : إسناد جيد . وحديث أبي مرثد هذا : خرجه مسلم ، ولفظه : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها . وروي عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، إلا المقبرة والحمام . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والحاكم وصححه . وقد اختلف في إرساله ووصله بذكر أبي سعيد فيه ، ورجع كثير من الحفاظ إرساله : عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، ومنهم : الترمذي والدارقطني . وفي الباب أحاديث أخر ، قد استوفيناها في كتاب شرح الترمذي . وأما ما ذكره البخاري : أن عمر لم يأمر أنسا بالإعادة . فقد اختلف في الصلاة في المقبرة : هل تجب إعادتها ، أم لا ؟ وأكثر العلماء على أنه لا تجب الإعادة بذلك ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد في رواية عنه . والمشهور عن أحمد الذي عليه عامة أصحابه : أن عليه الإعادة ؛ لارتكاب النهي في الصلاة فيها . وهو قول أهل الظاهر - أو بعضهم - وجعلوا النهي هاهنا لمعنى يختص بالصلاة من جهة مكانها ، فهو كالنهي عن الصلاة المختص بها لزمانها كالصلاة في أوقات النهي ، وكالصيام المنهي عنه لأجل زمنه المختص به كصيام العيدين . حتى إن من أصحابنا من قال : متى قلنا : النهي عن الصلاة في المقبرة والأعطان ونحوها للتحريم ، فلا ينبغي أن يكون في بطلان الصلاة فيها خلاف عن أحمد ، وإنما الخلاف عنه في عدم البطلان مبني على القول بأنه مكروه كراهة تنزيه . وأكثر العلماء على أن الكراهة في ذلك كراهة تنزيه ، ومنهم من رخص فيه . قال ابن المنذر : اختلفوا في الصلاة في المقبرة ، فروينا عن علي وابن عباس وعبد الله بن عمرو وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة فيها . واختلف عن مالك فيه ، فحكى ابن القاسم عنه أنه قال : لا بأس به ، وحكى أبو مصعب عنه أنه قال : لا أحب ذلك . قال ابن المنذر : ونحن نكره من ذلك ما كرهه أهل العلم استدلالا بالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ، ولا تتخذوها قبورا ، ففي هذا دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة . قلت : قد استدل البخاري بذلك - أيضا - وعقد له بابا مفردا ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . قال ابن المنذر : وقد قال نافع مولى ابن عمر : صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع ، والإمام يومئذ أبو هريرة ، وحضر ذلك ابن عمر . قلت : صلاة الجنازة مستثناة من النهي عند الإمام أحمد وغيره ، وقد سبق قول أحمد في ذلك . وقال - أيضًا - : لا يصلي في مسجد بين المقابر إلا الجنائز ؛ لأن الجنائز هذه سنتها . يشير إلى فعل الصحابة رضي الله عنهم . قال ابن المنذر : وروينا أن واثلة بن الأسقع كان يصلي في المقبرة ، غير أنه لا يستتر بقبر . قلت : لأنه هو روى عن أبي مرثد حديث النهي عن الصلاة إلى القبور ، فكان يخص النهي بحالة استقبال القبر خاصة . قال ابن المنذر : وصلى الحسن البصري في المقابر . قلت : لعله صلى على جنازة ، فإنه روي عنه أنه أمر بهدم المساجد المبنية في المقابر . قال : وكره عمر بن الخطاب وأنس بن مالك الصلاة إلى المقابر . انتهى ما ذكره . واختلف القائلون بالكراهة في علة النهي : فقال الشافعي : علة ذلك النجاسة ، فإن تراب المقابر يختلط بصديد الموتى ولحومهم ، فإن كانت طاهرة صحت الصلاة فيها مع الكراهة . وقسم أصحابه المقبرة إلى ثلاثة أقسام : ما تكرر نبشها ، فلا تصح الصلاة فيها ، لاختلاط ترابها بالصديد . وجديدة لم تنبش ، فتصح الصلاة فيها مع الكراهة ؛ لأنها مدفن للنجاسة . وما شك في نبشها ، ففي صحة الصلاة فيها قولان . واختلف أصحابنا في علة النهي عن الصلاة ، فمنهم من قال : هو مظنة النجاسة ، ومنهم من قال : هو تعبد لا يعقل . وقالوا مع هذا : لا فرق بين أن تكون قديمة أو حديثة ، نبشت أو لم تنبش ، إذا تناولها اسم مقبرة . قالوا : فإن كان في بقعة قبر أو قبران فلا بأس بالصلاة فيها ما لم يصل إلى القبر . وأنكر آخرون التعليل بالنجاسة ، بناء على طهارة تراب المقابر بالاستحالة ، وعللوا : بأن الصلاة في المقبرة وإلى القبور ، إنما نهى عنه سدا لذريعة الشرك ، فإن أصل الشرك وعبادة الأوثان كانت من تعظيم القبور ، وقد ذكر البخاري في صحيحه في تفسير سورة نوح عن ابن عباس معنى ذلك ، وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى. وفي صحيح مسلم عن جندب ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك . وهذا يعم كل القبور . وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، ومن يتخذ القبور مساجد . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج . وقال الترمذي : حسن - وفي بعض النسخ : صحيح . وخرج ابن حبان فِي صحيحه والحاكم وصححه . واختلف في أبي صالح هذا ، من هو ؟ فقيل : إنه السمان - : قاله الطبراني ، وفيه بعد . وقيل : إنه ميزان البصري ، وهو ثقة ؛ قاله ابن حبان . وقيل : إنه باذان مولى أم هاني - : قاله الإمام أحمد والجمهور . وقد اختلف في أمره : فوثقه العجلي . وقال ابن معين : ليس به بأس . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال النسائي : ليس بثقة . وضعفه الإمام أحمد وقال : لم يصح عندي حديثه هذا . وقال مسلم في كتاب التفصيل : هذا الحديث ليس بثابت ، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه ، ولا يثبت له سماع من ابن عباس . وروي عن زيد بن ثابت ، أنه نهى أن يبنى عند قبر أبيه مسجد . خرجه حرب الكرماني . وقال أبو بكر الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ : إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب ؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد . ووجدنا في كتاب مصنف على مذهب سفيان الثوري : وإذا صلى الرجل وبين يديه ميت تنحى عنه . إنما كره الصلاة إلى القبور من أجل الميت ، فإن صلى إليها فلا بأس . وفيه - أيضا - : قال سفيان : ويكره أن يصلي الرجل إلى القبور أو ما بين القبور . ثم قال : ومن صلى إلى القبور فلا إعادة عليه . وفيه : قال : ولا تعجبني الصلاة على الجنازة في المقبرة . وهذا قول الشافعي وإسحاق ورواية عن أحمد ؛ لعموم النهي عن الصلاة في المقبرة . واستدل من رخص في صلاة الجنازة في المقبرة : بأن الصلاة على القبر جائزة بالسنة الصحيحة ، فعلم أن الصلاة على الميت في القبور غير منهي عنها . خرج البخاري في هذا الباب حديثين :
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد · ص 404 الحديث الأول : قال : 427 – ثنا محمد بن المثنى : ثنا يحيى ، عن هشام : أخبرني أبي ، عن عائشة ، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير ، فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، وأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين ، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى ، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد ، فتصوير صور الآدميين محرم ، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم ، كما دلت عليه نصوص أخر يأتي ذكر بعضها . وقد خرج البخاري في تفسير سورة نوح من كتابه هذا من حديث ابن جريج ، فقال : عطاء ، عن ابن عباس : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد ، أما ود كانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع كانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ ، وأما يعوق فكانت لهمدان ، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع - : أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا ، وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ، فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت . وقد ذكر الإسماعيلي : أن عطاء هذا هو الخراساني ، والخراساني لم يسمع من ابن عباس . والله أعلم . فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم فلا شك في تحريمه ، سواء كانت صورا مجسدة كالأصنام أو على حائط ونحوه ، كما يفعله النصارى في كنائسهم ، والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها ، ولم يكن لها ظل ، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة . فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين ؛ للتبرك بها والاستشفاع بها محرم في دين الإسلام ، وهو من جنس عبادة الأوثان ، وهو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة . وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم ، وهو من الكبائر وفاعله من أشد الناس عذابا يوم القيامة ، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره ، والله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد · ص 171 باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد ؟ أي : هذا باب يذكر فيه نبش قبور المشركين الذين هلكوا في الجاهلية ؛ يعني يجوز ذلك ، لما صرح به في حديث الباب . فإن قلت : كيف يفسر كذلك وفيه كلمة هل للاستفهام ؟ قلت : هل هنا للاستفهام التقريري وليس باستفهام حقيقي ، صرح بذلك جماعة من المفسرين قوله تعالى : هل أتى على الإنسان . ويأتي هل أيضا بمعنى قد ، كذا فسر الآية جماعة منهم ابن عباس والكسائي والفراء والمبرد ، وذكر في المقتضب هل للاستفهام نحو هل جاء زيد ؟ وتكون بمنزلة قد نحو قوله تعالى : هل أتى على الإنسان . وقد بالغ الزمخشري فزعم أنها أبدا بمعنى قد ، وإنما الاستفهام مستفاد من همزة مقدرة معها ، ونقله في المفصل عن سيبويه ، وقال في الكشاف : هل أتى أي قد أتى ، على معنى التقرير والتقريب فيه جميعا ، ومن عكس الزمخشري هاهنا فقد عكس نفسه . إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام وهذا الذي ذكرنا أحسن من الذي يقال أن ذكر كلمة هل هاهنا ليس له محل لأن عادته إنما يذكر هل إذا كان حكم الباب فيه خلاف وليس هاهنا خلاف ، ولم أر شارحا هنا شفى العليل ولا أروى الغليل ، وقد فسر بعضهم باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية بقوله : أي دون غيرها من قبور الأنبياء وأتباعهم . قلت : هذا تفسير عجيب مستفاد من سوء التصرف ؛ لأن معناه ظاهر وهو جواز نبش قبور المشركين لأنه لا حرمة لهم ، فيستفاد منه عدم جواز نبش قبور غيرهم سواء كانت قبور الأنبياء أو قبور غيرهم من المسلمين لما فيه من الإهانة لهم ، فلا يجوز ذلك لأن حرمة المسلم لا تزول حيا وميتا ، فإن كان هذا القائل اعتمد في هذا التفسير على حديث عائشة المذكور في الباب فليس فيه ذكر النبش وهو ظاهر ، وإنما فيه أنهم إذا مات فيهم رجل صالح يبنون على قبره مسجدا ويصورون فيه تصاوير ، ولا يلزم من ذلك النبش لأن بناء المسجد على القبر من غير نبش متصور . قوله ( ويتخذ مكانها مساجد ) عطف على قوله تنبش ، و مكانها منصوب على الظرفية ، و مساجد مرفوع لأنه مفعول ناب عن الفاعل وهذا الوجه إذا جعل الاتخاذ متعديا إلى مفعول واحد ، وأما إذا جعل متعديا إلى مفعولين على ما هو الأصل لأنه من أفعال التصيير كما في قوله تعالى : واتخذ الله إبراهيم خليلا - فيكون أحد المفعولين مكانها فحينئذ يرفع على أنه مفعول به قام مقام الفاعل بخلاف الوجه الأول فإنه فيه منصوب على الظرفية كما ذكرنا ، والمفعول الثاني هو مساجد بالنصب ، فافهم فإن الكرماني ذكر فيه ما لا يخلو عن نظر وتأمل . ( لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) . هذا تعليل لقوله ويتخذ مكانها مساجد خاصة لأن الترجمة شيئان والتعليل للشق الثاني . وجه الاستدلال به أن اليهود لما خصوا باللعنة باتخاذهم قبور الأنبياء مساجد علم جواز اتخاذ قبور غيرهم ومن هم في حكمهم من المسلمين . فإن قلت : أليس في اتخاذ قبور المشركين مساجد تعظيم لهم ؟ قلت : لا يستلزم ذلك ؛ لأنه إذا نبشت قبورهم ورميت عظامهم تصير الأرض طاهرة منهم ، والأرض كلها مسجد لقوله عليه الصلاة والسلام : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وهذا الحديث أخرجه البخاري في آخر كتاب الجنائز في باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن هلال ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه : لعن الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . . . الحديث ، وأخرجه أيضا في مواضع أخر في الجنائز وفي المغازي أيضا عن الصلت بن محمد ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد . ( وما يكره من الصلاة في القبور ) . هذا عطف على قوله هل تنبش ؟ ، لا يقال إن هذه جملة خبرية وقوله هل تنبش طلبية ، فكيف يصح عطفها عليها ؟ لأنا نقول : قد ذكرنا أن هل استفهام تقريري وهو في حكم الجملة الخبرية الثبوتية مثلها ، وقوله هذا يتناول ما إذا صلى على القبر أو إليه أو بينهما ، وفيه حديث أبي مرثد واسمه كناز بن الحصين ، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بلفظ : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها . وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام . ( ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال : القبر القبر ! ولم يأمره بالإعادة ) . هذا التعليق رواه وكيع بن الجراح في مصنفه فيما حكاه ابن حزم عن سفيان بن سعيد عن حميد عن أنس قال : رآني عمر رضي الله تعالى عنه أصلي إلى قبر ، فنهاني فقال : القبر أمامك . قال : وعن معمر عن ثابت عن أنس قال : رآني عمر أصلي عند قبر فقال لي : القبر ، لا تصل إليه . قال ثابت : فكان أنس يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي فيتنحى عن القبور . ورواه أبو نعيم شيخ البخاري عن حريث بن السائب قال : سمعت الحسن يقول : بينا أنس رضي الله تعالى عنه يصلي إلى قبر فناداه عمر : القبر القبر ، وظن أنه يعني القمر ، فلما رأى أنه يعني القبر تقدم وصلى وجاز القبر . قوله ( القبر القبر ) منصوب على التحذير يجب حذف عامله وهو اتق أو اجتنب ، وفي بعض الرواية بهمزة الاستفهام ؛ أي : أتصلي عند القبر ؟ قوله ( ولم يأمره بالإعادة ) ؛ أي لم يأمر عمر أنسا بإعادة صلاته تلك ، فدل على أنه يجوز ولكن يكره . واعلم أن العلماء اختلفوا في جواز الصلاة على المقبرة ؛ فذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها ولا بين أن يفرش عليها شيء يقيه من النجاسة أم لا ولا بين أن تكون بين القبور أو في مكان منفرد عنها كالبيت والعلو ، وقال أبو ثور : لا يصلى في حمام ولا مقبرة على ظاهر الحديث ؛ يعني قوله صلى الله عليه وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام . وذهب الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي إلى كراهة الصلاة في المقبرة ، وفرق الشافعي بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقال : إذا كانت مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة ، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته . وقال الرافعي : أما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال ، ولم ير مالك بالصلاة في المقبرة بأسا ، وحكى أبو مصعب عن مالك كراهة الصلاة في المقبرة كقول الجمهور ، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الصلاة في المقبرة سواء كانت مقابر المسلمين أو الكفار ، وحكى ابن حزم عن خمسة من الصحابة النهي عن ذلك وهم عمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وقال : ما نعلم لهم مخالفا من الصحابة . وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي ونافع بن جبير بن مطعم وطاوس وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم . قلت : قوله لا نعلم لهم مخالفا من الصحابة معارض بما حكاه الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة ، وحكي أيضا عن الحسن البصري أنه صلى في المقبرة ، وفي شرح الترمذي حكى أصحابنا اختلافا في الحكمة في النهي عن الصلاة في المقبرة فقيل : المعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة . وقد قال الرافعي : لو فرش في المجزرة والمزبلة شيئا وصلى عليه صحت صلاته وبقيت الكراهية لكونه مصليا على نجاسة وإن كان بينهما حائل . وقال القاضي حسين : إنه لا كراهة مع الفرش على النجاسة مطلقا . وحكى ابن الرفعة في الكفاية أن الذي دل عليه كلام القاضي أن الكراهة لحرمة الموتى ، وعلى كل تقدير من هذين المعنيين فينبغي أن تقيد الكراهة بما إذا حاذى الميت ، أما إذا وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة فلا كراهة ، إلا أن ابن الرفعة بعد أن حكى المعنيين السابقين قال : لا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه . قال : ومنه يؤخذ أنه تكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها . 88 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا يحيى ، عن هشام قال : أخبرني أبي ، عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير ، فذكرتا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة . وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله لعن الله اليهود من حيث أنه يوافقه ، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لعن اليهود لكونهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، وفي هذا الحديث ذم النصارى بشيء أعظم من اللعن في كونهم كانوا إذا مات الرجل الصالح فيهم بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تصاوير . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : محمد بن المثنى ؛ بفتح النون المشددة بعد الثاء المثلثة . الثاني : يحيى بن سعيد القطان . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه رواية الإسماعيلي من هذا الوجه أخبرتني عائشة . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في هجرة الحبشة عن محمد بن المثنى ، وأيضا أخرجه مسلم في الصلاة عن زهير بن حرب ، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم ؛ ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد به . ذكر معناه : قوله ( أن أم حبيبة ) بفتح الحاء المهملة ، أم المؤمنين ، اسمها رملة - بفتح الراء على الأصح - بنت أبي سفيان صخر الأموية ، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش - بتقديم الجيم على الحاء المهملة - إلى الحبشة فتوفي هناك فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي هناك سنة ست من الهجرة وكان النجاشي أمهرها من عنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعثها إليه ، وكانت من السابقات إلى الإسلام ، توفيت سنة أربع وأربعين بالمدينة على الأصح . قوله ( وأم سلمة ) بفتح اللام ، أم المؤمنين أيضا ، واسمها هند - على الأصح - بنت أبي أمية المخزومية ، هاجر بها زوجها أبو سلمة إلى الحبشة ، فلما رجعا إلى المدينة مات زوجها فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تقدمت في باب العظة بالليل . قوله ( ذكرتا ) بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي ، والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة وأم سلمة ، وهو - على الأصح - في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي ذكرا بالتذكير وهو على خلاف الأصل ، والأظهر أنه من النساخ أو من بعض الرواة غير المميزين . قوله ( كنيسة ) بفتح الكاف ، وهي معبد النصارى ، وفي موضع آخر يقال لها مارية ؛ والمارية بتخفيف الياء البقرة ، وبتشديدها القطاة الملساء . قوله ( رأينها ) بصيغة جمع المؤنث من الماضي ، وإنما جمع باعتبار من كان مع أم حبيبة وأم سلمة ، وفي رواية الكشميهني والأصيلي رأتاها على الأصل بضمير التثنية . قوله ( فيها تصاوير ) جملة اسمية في محل النصب ؛ لأنها صفة كنيسة ، والتصاوير التماثيل . قوله ( إن أولئك ) بكسر الكاف ، ويجوز فتحها . قوله ( فمات ) عطف على قوله كان . قوله ( بنوا ) جواب إذا . قوله ( تيك الصور ) بكسر التاء المثناة وسكون الياء آخر الحروف بدل اللام في تلك ، وهي لغة فيه ، وهي في رواية المستملي ، وفي رواية غيره تلك . قوله ( فأولئك ) ، ويروى وأولئك بالواو ، والكلام فيه مثل الكلام في أولئك الماضية . قوله ( شرار الخلق ) بكسر الشين المعجمة ، جمع الشر ؛ كالخيار جمع الخير والبحار جمع البحر ، وأما الأشرار فقال يونس : واحدها شر أيضا ، وقال الأخفش : شرير ؛ مثل يتيم وأيتام . قال القرطبي : إنما صور أوائلهم الصور ليأتنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها ، فحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك وسدا للذرائع في قبره صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك في مرض موته إشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده ، ولما احتاجت الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعون إلى زيادة مسجده - عليه الصلاة والسلام - بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا تصل إليه العوام فيؤدي إلى ذلك المحذور ، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي حرفوهما حتى التقيا حتى لا يمكن أحد أن يستقبل القبر . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام : قال ابن بطال : فيه نهي عن اتخاذ القبور مساجد وعن فعل التصاوير ، وإنما نهى عنه لاتخاذهم القبور والصور آلهة . وفيه دليل على تحريم تصوير الحيوان خصوصا الآدمي الصالح ، وفيه منع بناء المساجد على القبور ومقتضاه التحريم كيف وقد ثبت اللعن عليه ، وأما الشافعي وأصحابه فصرحوا بالكراهة ، وقال البندنيجي : والمراد أن يسوى القبر مسجدا فيصلى فوقه . وقال : إنه يكره أن يبنى عنده مسجد فيصلى فيه إلى القبر ، وأما المقبرة الداثرة إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه فلم أر فيه بأسا لأن المقابر وقف وكذا المسجد ، فمعناهما واحد ، وقد ذكرنا عن قريب مذاهب العلماء في الصلاة على القبر ، وقال البيضاوي : لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثانا لعنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنع المسلمين عن مثل ذلك ، فأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور . وفيه جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به ، وفيه ذم فاعل المحرمات ، وفيه أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل .