48 - سُورَةُ الْفَتْحِ وقَالَ مُجَاهِدٌ : بُورًا هَالِكِينَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ السَّحْنَةُ . وَقَالَ مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : التَّوَاضُعُ . شَطْأَهُ : فِرَاخَهُ . فَاسْتَغْلَظَ : غَلُظَ . سُوقِهِ : السَّاقُ حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ . وَيُقَالُ دَائِرَةُ السَّوْءِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ السَّوْءِ . دَائِرَةُ السَّوْءِ : الْعَذَابُ . يُعَزِّرُوهُ : يَنْصُرُوهُ . شَطْأَهُ : شَطْءُ السُّنْبُلِ . تُنْبِتُ الْحَبَّةُ عَشْرًا أَوْ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا فَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَآزَرَهُ : قَوَّاهُ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَرَجَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ قَوَّاهُ بِأَصْحَابِهِ كَمَا قَوَّى الْحَبَّةَ بِمَا يَنْبُتُ مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الْفَتْحِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بُورًا هَالِكِينَ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا ، وَسَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَيُقَالُ بَارَ الطَّعَامُ أَيْ هَلَكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى : يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي رَائقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ أَيْ هَالِكٌ . قَوْلُهُ : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ : السَّحْنَةُ وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْقَابِسِيِّ السَّجْدَةُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، فَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ ، وَالسَّحْنَةُ بِالسِّينِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ السَّكَنِ ، وَالْأَصِيلِيُّ بِفَتْحِهِمَا قَالَ عِيَاضٌ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَهُوَ لِينُ الْبَشَرَةِ وَالنَّعْمَةُ ، وَقِيلَ الْهَيْئَةُ ، وَقِيلَ الْحَالُ انْتَهَى . وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْضًا وَأَنْكَرَ السُّكُونَ وَقَدْ أَثْبَتَهُ الْكِسَائِيُّ ، وَالْفَرَّاءُ . وَقَالَ الْعُكْبَرِيُّ : السَّحْنَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيَهِ لَوْنُ الْوَجْهِ . وَلِرِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ تَوْجِيهٌ لِأَنَّهُ يُرِيدُ بِالسَّجْدَةِ أَثَرَهَا فِي الْوَجْهِ يُقَالُ لِأَثَرِ السُّجُودِ فِي الْوَجْهِ سَجْدَةٌ وَسَجَّادَةٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ الْمَسْحَةُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : التَّوَاضُعُ ) وَصَلَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَرَوَيْنَاهُ فِي الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ وَزَائِدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : هُوَ الْخُشُوعُ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ قُلْتُ مَا كُنْتُ أَرَاهُ إِلَّا هَذَا الْأَثَرَ الَّذِي فِي الْوَجْهِ ، فَقَالَ : رُبَّمَا كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْ مَنْ هُوَ أَقْسَى قَلْبًا مِنْ فِرْعَوْنَ . قَوْلُهُ : ( شَطْأَهُ : فِرَاخَهُ ، فَاسْتَغْلَظَ : غَلُظَ ، سُوقُهُ : السَّاقُ حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أَخْرَجَ فِرَاخَهُ ، يُقَالُ : قَدْ أَشْطَأَهُ الزَّرْعُ فَآزَرَهُ سَاوَاهُ صَارَ مِثْلَ الْأُمِّ ، فَاسْتَغْلَظَ : غَلُظَ ، فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ : السَّاقُ حَامِلَةُ الشَّجَرِ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ قَالَ : مَا يَخْرُجُ بِجَنْبِ الْحَقْلَةِ فَيَتِمُّ وَيَنْمَى ، وَبِهِ فِي قَوْلِهِ : عَلَى سُوقِهِ قَالَ : عَلَى أُصُولِهِ . قَوْلُهُ : ( شَطْأَهُ شَطْءُ السُّنْبُلِ تُنْبِتُ الْحَبَّةُ عَشْرًا أَوْ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا فَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَآزَرَهُ قَوَّاهُ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ خَرَجَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَوَّاهُ بِأَصْحَابِهِ كَمَا قَوَّى الْحَبَّةَ بِمَا يَنْبُتُ مِنْهَا ) قَوْلُهُ : دَائِرَةُ السَّوْءِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ السَّوْءِ ، وَدَائِرَةُ السَّوْءِ : الْعَذَابُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : الْمَعْنَى تَدُورُ عَلَيْهِمْ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَرَأَ الْجُمْهُورُ السَّوْءِ بِفَتْحِ السِّينِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَضَمَّهَا أَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ كَثِيرٍ . قَوْلُهُ : ( يُعَزِّرُوهُ : يَنْصُرُوهُ ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَيُعَزِّرُوهُ قَالَ : يَنْصُرُوهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَعْرَافِ : فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَهَذِهِ يَنْبَغِي تَفْسِيرُهَا بِالتَّوْقِيرِ فِرَارًا مِنَ التَّكْرَارِ ، وَالتَّعْزِيرُ يَأْتِي بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالْإِعَانَةِ وَالْمَنْعِ مِنَ الْأَعْدَاءِ ، وَمِنْ هُنَا يَجِيءُ التَّعْزِيرُ بِمَعْنَى التَّأْدِيبِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْجَانِي مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْجِنَايَةِ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ ، وَجَاءَ فِي الشَّوَاذِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُعَزِّزُوهُ بِزَاءَيْنِ مِنَ الْعِزَّةِ . ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ :
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا · ص 445 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا · ص 446 1 - بَاب إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا 4833 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ثَكِلَتْ أُمُّ عُمَرَ ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ . قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي ، فَقُلْتُ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ ) هَذَا السِّيَاقُ صُورَتُهُ الْإِرْسَالُ ، لِأَنَّ أَسْلَمَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي أَثْنَائِهِ قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي إِلَخْ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْقَابِسِيُّ ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى سَمِعْتُ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا إِلَّا ابْنُ عَثْمَةَ ، وَابْنُ غَزْوَانَ انْتَهَى . وَرِوَايَةُ ابْنُ غَزْوَانَ - وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبُو نُوحٍ الْمَعْرُوفُ بِقُرَادٍ - قَدْ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ ، وَاسْتَدْرَكَهَا مُغْلَطَايْ عَلَى الْبَزَّارِ ظَانًّا أَنَّهُ غَيْرُ ابْنِ غَزْوَانَ ، وَأَوْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ هَذَيْنِ وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ ، وَإِسْحَاقَ الْحُنَيْنِيِّ أَيْضًا ، فَهَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ رَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ بِصَرِيحِ الِاتِّصَالِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَيْضًا أَخْرَجَ طَرِيقَ ابْنَ عَثْمَةَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ السَّفَرَ الْمَذْكُورَ هُوَ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا رَجَعْنَا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ نُسُكِنَا فَنَحْنُ بَيْنَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ فَنَزَلَتْ وَسَيَأْتِي حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا . وَاخْتُلِفَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ : فَوَقَعَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ بِضَجْنَانَ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَنُونٍ خَفِيفَةٍ ، وَعِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْإِكْلِيلِ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ ، وَعَنْ أَبِي مَعْشَرٍ بِالْجُحْفَةِ ، وَالْأَمَاكِنُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ كَلَامٍ جَوَابٌ ، بَلِ السُّكُوتُ قَدْ يَكُونُ جَوَابًا لِبَعْضِ الْكَلَامِ . وَتَكْرِيرُ عُمَرَ السُّؤَالَ إِمَّا لِكَوْنِهِ خَشِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ لِأَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنْهُ كَانَ مُهِمًّا عِنْدَهُ ، وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ إِجَابَتَهُ أَوَّلًا لِشُغْلِهِ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ . قَوْلُهُ : ( ثَكِلَتْ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( أُمُّ عُمَرَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثَكِلَتْكَ أُمُّ عُمَرَ وَالثُّكْلُ فِقْدَانُ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا ، دَعَا عُمَرُ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنَ الْإِلْحَاحِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُرِدِ الدُّعَاءَ عَلَى نَفْسِهِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُقَالُ عِنْدَ الْغَضَبِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهَا . قَوْلُهُ : ( نَزَرْتُ ) بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ وَالتَّخْفِيفُ أَشْهَرُ ، أَيْ أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ ، وَالْخَطَّابِيِّ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَى الْمُثْقَلِ أَقْلَلْتُ كَلَامَهُ إِذَا سَأَلْتُهُ مَا لَا يَجِبُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ ، وَأَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَ نَزَرْتُ بِرَاجَعْتُ . قَوْلُهُ : ( فَمَا نَشِبْتُ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ، أَيْ لَمْ أَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ غَيْرَ مَا ذَكَرْتُ . قَوْلُهُ : ( أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ) أَيْ لِمَا فِيهَا مِنَ الْبِشَارَةِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْفَتْحِ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَطْلَقَ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي أُعْطِيَهَا وَبَيْنَ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَمِنْ شَرْطِ الْمُفَاضَلَةِ اسْتِوَاءُ الشَّيْئَيْنِ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى ثُمَّ يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَلَا اسْتِوَاءَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ وَالدُّنْيَا بِأَسْرِهَا . وَأَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ إِلَّا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ، فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ بِذِكْرِ الدُّنْيَا ؛ إِذْ لَا شَيْءَ سِوَاهَا إِلَّا الْآخِرَةَ . وَأَجَابَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّ أَفْعَلَ قَدْ لَا يُرَادُ بِهَا الْمُفَاضَلَةَ كَقَوْلِهِ : خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا وَلَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، أَوِ الْخِطَابُ وَقَعَ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِ أَكْثَرِ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدُّنْيَا لَا شَيْءَ مِثْلَهَا أَوْ أَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ فَأَخْبَرَ بِأَنَّهَا عِنْدَهُ خَيْرٌ مِمَّا يَظُنُّونَ أَنْ لَا شَيْءَ أَفْضَلُ مِنْهُ انْتَهَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ غَيْرَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ فَرَجَّحَهَا ، وَجَمِيعُ الْآيَاتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَدَخَلَتْ كُلُّهَا فِيمَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة الفتح · ص 173 ( سورة الفتح ) أي هذا تفسير بعض سورة الفتح ، وهي مدنية ، وقيل : نزلت بين الحديبية والمدينة ، منصرفه من الحديبية ، أو بكراع الغميم والفتح صلح الحديبية ، وقيل : فتح مكة وهي ألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون حرفا ، وخمسمائة وستون كلمة ، وتسع وعشرون آية . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . لم تثبت البسملة إلا في رواية أبي ذر . ( قال مجاهد : بورا هالكين ) . أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا وفسره بقوله : هالكين ، أي فاسدين لا تصلحون لشيء ، وهو من بار كالهالك ، من هلك بناء ومعنى ، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ ، قال النسفي : والمعنى وكنتم قوما فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم وهالكين عند الله مستحقين لسخطه وعقابه . ( وقال مجاهد : سيماهم في وجوههم السحنة ) . فسر مجاهد سيماهم بالسحنة ، وقال ابن الأثير : السحنة بشرة الوجه وهيأته وحاله ، وهي مفتوحة السين وقد تكسر ، ويقال : السحناء أيضا بالمد ، وقيده الأصيلي وابن السكن بفتحها ، وقال عياض : هو الصواب عند أهل اللغة ، وهذا التعليق رواه الإسماعيلي القاضي عن نصر بن علي ، عن بشر بن عمر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، وفي رواية المستملي والكشميهني والقابسي ، سيماهم في وجوههم السجدة ، وفي رواية النسفي المسحة . ( وقال منصور عن مجاهد : التواضع ) . أي قال منصور بن المعتمر عن مجاهد في تفسير سيماهم : التواضع ، وروى ابن أبي حاتم ، نا المنذر بن شاذان ، نا يعلى ، حدثنا سفيان ، نا حميد بن قيس عن مجاهد في قوله : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ قال : الخشوع والتواضع ، وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أبي نا علي بن محمد الطنافسي ، نا حسين الجعفي ، عن منصور ، عن مجاهد في هذه الآية ، قال : هو الخشوع ، وقال عبد بن حميد : حدثنا عمرو بن سعد ، وعبد الملك بن عمرو ، وقبيصة عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال : الخشوع . وحدثني معاوية بن عمرو عن زائدة ، عن منصور ، عن مجاهد هو الخشوع ، قلت : ينظر الناظر في الذي علقه البخاري . ( شطأه فراخه ) . أشار به إلى قوله تعالى : كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ وفسره بقوله : فراخه ، وهكذا فسره الأخفش ، يقال : أشطأ الزرع إذا أفرخ ، وعن أنس : شطأه نباته ، وعن السدي : هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى ، وعن الكسائي : طرفه . ( فاستغلظ غلظ ) . غلظ بضم اللام ، ويروى : تغلظ ، أي قوي وتلاحق نباته . ( سوقه ، الساق : حاملة الشجرة ) . أشار بقوله : سوقه ، إلى قوله تعالى فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ أي قام على أصوله ، والسوق بالضم جمع ساق ، وفسره بقوله : الساق حاملة الشجرة ، وهي جذعه ، وهكذا فسره الجوهري . ( شطأه ، شطء السنبل تنبت الحبة عشرا ، وثمانيا ، وسبعا فيقوى بعضه ببعض ، فذاك قوله تعالى : فآزره ، قواه ، ولو كانت واحدة لم تقم على ساق ، وهو مثل ضربه الله للنبي - صلى الله عليه وسلم - إذ خرج وحده ثم قواه بأصحابه كما قوى الحبة بما ينبت منها ) . قوله : " شطأه شطء السنبل " إلى آخره ليس بمذكور في بعض النسخ ولا الشراح ، تعرضوا لشرحه ، قوله : " تنبت " من الإنبات ، قوله : " وثمانيا وسبعا " ، ويروى : أو ثمانيا أو سبعا ، وكلمة " أو " للتنويع ، أي تنبت الحبة الواحدة عشرة سنابل ، وتارة ثمان سنابل ، وتارة سبع سنابل ، قال الله تعالى : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ قوله : " وهو مثل ضربه الله " إلى آخره ، وفي التفسير : وهو مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - يعني أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون ويقوون ، وعن قتادة : مثل أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، قوله : " إذ خرج " أي حين خرج وحده ، يحتمل أن يكون المراد حين خرج على كفار مكة وحده يدعوهم إلى الإيمان بالله ، ثم قواه الله تعالى بإسلام من أسلم منهم في مكة ، ويحتمل أن يكون حين خرج من بيته وحده حين اجتمع الكفار على أذاه ، ثم رافقه أبو بكر ، ثم لما دخل المدينة قواه بالأنصار . ( ويقال : دائرة السوء ، كقولك : رجل السوء ، ودائرة السوء : العذاب ) . أشار به إلى قوله تعالى : عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية ، وفسرها بقوله : دائرة السوء العذاب ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وقيل : دائرة الدمار والهلاك ، وقراءة الجمهور بفتح السين ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالضم . ( تعزروه ينصروه ) . أشار به إلى قوله تعالى : لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ الآية ، وفسره بقوله : ينصروه ، وكذا روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة نحوه ، وقيل : معناه يعينوه ، وعن عكرمة : يقاتلون معه بالسيف ، وقال الثعلبي : بإسناده عن جابر بن عبد الله ، قال : لما نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعزروه ، قال لنا : ماذا كم قلنا ، الله ورسوله أعلم ، قال : لينصروه ، ويوقروه ، ويعظموه ، ويفخموه ، هنا وقف تام .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إنا فتحنا لك فتحا مبينا · ص 175 ( باب إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) . أي هذا باب في قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا عن أنس - رضي الله تعالى عنه - الفتح فتح مكة ، وعن مجاهد والعوفي : فتح خيبر ، وعن بعضهم : فتح الروم ، وقيل : فتح الإسلام ، وعن جابر : ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية ، وعن بشر بن البراء قال : لما رجعنا من غزوة الحديبية ، وقد حيل بيننا وبين نسكنا ، فنحن بين الحزن والكآبة ، فأنزل الله - عز وجل - إنا فتحنا لك ، الآية كلها . 328 - ( حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا ، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء ، فلم يجبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم سأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، فقال عمر بن الخطاب : ثكلت أم عمر ، نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات ، كل ذلك لا يجيبك ، قال عمر : فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس ، وخشيت أن ينزل في القرآن ، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي ، فقلت : لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن ، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ، فقال : لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، ثم قرأ : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأسلم مولى عمر بن الخطاب كان من سبي اليمن ، وقال الواقدي : أبو زيد الحبشي البجاوي من بجاوة . وهذا الحديث مضى في المغازي ، في باب غزوة الحديبية ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك ، ولنتكلم هنا أيضا لبعد المسافة فنقول : هذا صورته صورة الإرسال ؛ لأن أسلم لم يدرك زمان هذه القصة ، لكنه محمول على أنه سمع من عمر ، بدليل قوله في أثناء الحديث : فحركت بعيري ، وقال الدارقطني : رواه عن مالك ، عن زيد ، عن أبيه ، عن عمر متصلا بمحمد بن خالد بن عثمة ، وأبو الفرج عبد الرحمن بن غزوان ، وإسحاق الحنيني ، ويزيد ابن أبي حكيم ، ومحمد بن حرب المكي ، وأما أصحاب ( الموطأ ) فرووه عن مالك مرسلا . قوله : " في بعض أسفاره " قال القرطبي : وهذا السفر كان ليلا منصرفه - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية ، لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافا ، قوله : " ثكلت أم عمر " في رواية الكشميهني : ثكلتك أم عمر ، من الثكل ، وهو فقدان المرأة ولدها ، وامرأة ثاكل وثكلى ، ورجل ثاكل وثكلان ، وكأن عمر - رضي الله تعالى عنه - دعا على نفسه حيث ألح على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال ابن الأثير : كأنه دعا على نفسه بالموت ، والموت يعم كل أحد ، فإذا الدعاء عليه كلا دعاء ، ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء ، كقولهم : تربت يداك ، وقاتلك الله ، قوله : " نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " بالنون وتخفيف الزاء وبالراء ، أي ألححت عليه وبالغت في السؤال ، ويروى بتشديد الزاي ، والتخفيف أشهر ، وقال ابن وهب : أكرهته ، أي أتيته بما يكره من سؤالي ، فأراد المبالغة ، والنزر : القلة ، ومنه البئر النزور القليل الماء ، قال أبو ذر : سألت من لقيت من العلماء أربعين سنة فما أجابوا إلا بالتخفيف ، وكذا ذكره ثعلب وأهل اللغة ، وبالتشديد ضبطها الأصيلي ، وكأنه على المبالغة ، وقال الداودي : نزرت : قللت كلامه ، أو سألته فيما لا يحب أن يجيب فيه . وفيه أن الجواب ليس لكل الكلام ، بل السكوت جواب لبعض الكلام ، وتكرير عمر - رضي الله تعالى عنه - السؤال إما لكونه ظن أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يسمعه ، وإما لأن الأمر الذي كان يسأل عنه كان مهما عنده ، ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أجابه بعد ذلك ، وإنما ترك إجابته أولا لشغله بما كان فيه من نزول الوحي ، قوله : " فما نشبت " بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة أي : فما لبثت ولا تعلقت بشيء غير ما ذكرت ، قوله : " لهي أحب إلي " اللام فيه للتأكيد ، وإنما كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها ؛ لما فيها من مغفرة ما تقدم وما تأخر ، والفتح والنصر وإتمام النعمة وغيرها من رضاء الله - عز وجل - عن أصحاب الشجرة ونحوها ، وقال ابن العربي : أطلق المفاضلة بين المنزلة التي أعطيها وبين ما طلعت عليها الشمس ، ومن شرط المفاضلة استواء الشيئين في أصل المعنى ثم يزيد أحدهما على الآخر ، وأجاب ابن بطال : بأن معناه أنها أحب إليه من كل شيء ؛ لأنه لا شيء إلا الدنيا والآخرة ، فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر الدنيا ، إذ لا شيء سواها إلا الآخرة ، وأجاب ابن العربي بما ملخصه : أن أفعل قد لا يراد فيه المفاضلة ، كقوله خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ولا مفاضلة بين الجنة والنار ، أو الخطاب وقع على ما استقر في أنفس أكثر الناس ، فإنهم يعتقدون أن الدنيا لا شيء مثلها وأنها المقصود ، فأخبر بأنها عنده خير مما تظنون أن لا شيء أفضل منه .