7 - بَاب مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : نِيَّتُهُ ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ، فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ ، وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلطَعَامِ الْحِلِّ حَرَامٌ ، وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ : حَرَامٌ ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا : لَا تَحِلُّ لَهُ من بعد حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ 5264 - وَقَالَ اللَّيْثُ : عن نَافِعٌ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا قَالَ : لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا ، فَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ عليك حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ . قَوْلُهُ ( بَابُ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : نِيَّتُهُ ) أَيْ يُحْمَلُ عَلَى نِيَّتِهِ . وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَوَقَعَ لَنَا عَالِيًا فِي جُزْءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ فِي الْحَرَامِ إِنْ نَوَى يَمِينًا فَيَمِينٌ ، وَإِنْ طَلَاقًا فَطَلَاقٌ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَطَاوُسٍ ، وَبِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ لَكِنْ قَالَ : إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ بَائِنٌ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ مِثْلَهُ ، لَكِنْ قَالُوا : إِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَهِيَ يَمِينٌ وَيَصِيرُ مُولِيًا ، وَهُوَ عَجِيبٌ وَالْأَوَّلُ أَعْجَبُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يَمِينُ الْحَرَامِ تُكَفَّرُ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ . وَمِثْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِهِ الظِّهَارَ كَانَ مُظَاهِرًا ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ مُغَلَّظَةٍ وَهِيَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ، لَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُظَاهِرًا ظِهَارًا حَقِيقَةً ، وَفِيهِ بُعْدٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا وَلَوْ أَرَادَهُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالْحَكَمِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى : فِي الْحَرَامِ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَعَنْ مَسْرُوقٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَرَبِيعَةَ : لَا شَيْءَ فِيهِ ، وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ . وَفِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ عَنِ السَّلَفِ بَلَّغَهَا الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرَ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا ، وَزَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا . وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيهَا تَفَاصِيلُ أَيْضًا يَطُولُ اسْتِيعَابُهَا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : سَبَبُ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ صَرِيحًا وَلَا فِي السُّنَّةِ نَصٌّ ظَاهِرٌ صَحِيحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَتَجَاذَبَهَا الْعُلَمَاءُ ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا يَمِينٌ أَخَذَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وَمَنْ قَالَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ التَّحْرِيمُ فَوَقَعَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَعْنَى ، وَمَنْ قَالَ تَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِهِ الظَّاهِرَةِ ، وَأَقَلُّ مَا تُحَرَّمُ بِهِ الْمَرْأَةُ طَلْقَةٌ تُحَرِّمُ الْوَطْءَ مَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا ، وَمَنْ قَالَ بَائِنَةٌ فَلِاسْتِمْرَارِ التَّحْرِيمِ بِهَا مَا لَمْ يُجَدِّدِ الْعَقْدَ ، وَمَنْ قَالَ ثَلَاثٌ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى مُنْتَهَى وُجُوهِهِ ، وَمَنْ قَالَ ظِهَارٌ نَظَرَ إِلَى مَعْنَى التَّحْرِيمِ وَقَطَعَ النَّظَرَ عَنِ الطَّلَاقِ فَانْحَصَرَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ فِي الظِّهَارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ ) أَيْ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَرِّحَ الْقَائِلُ بِالطَّلَاقِ أَوْ يَقْصِدَ إِلَيْهِ ، فَلَوْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى غَيْرَ الطَّلَاقِ فَهُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ . قَوْلُهُ ( وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلطَّعَامِ الْحِلِّ حَرَامٌ وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ حَرَامٌ ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا : لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فِيمَا خَفَّفَ عَنْهُمْ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُمْ كَانُوا إِذَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا حَرُمَ عَلَيْهِمْ كَمَا وَقَعَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِمَّا أُحِلَّ لَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ اهـ . وَأَظُنُّ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَوَّى بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَبَيْنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُمْ ، فَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ وَإِنِ اسْتَوَيَا مِنْ جِهَةٍ فَقَدْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَالزَّوْجَةُ إِذَا حَرَّمَهَا الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَطْلِيقَهَا حَرُمَتْ ، وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إِذَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَحْرُمْ ، وَلِهَذَا احْتَجَّ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ، فَأَخْرَجَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهُكَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إِنِّي جَعَلْتُ امْرَأَتِي حَرَامًا ، قَالَ : لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحِرَامٍ . قَالَ : أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ الْآيَةَ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ إِسْرَائِيلَ كَانَ بِهِ عِرْقُ النَّسَا فَجَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ شَفَاهُ اللَّهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ الْعُرُوقَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَلَمْ يَقْصِدِ الطَّلَاقَ وَلَا الظِّهَارَ وَلَا الْعِتْقَ فِعْلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَإِنْ حَرَّمَ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا فَلَغْوٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ : عَلَيْهِ فِي الْجَمِيعِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . وَتَقَدَّمَ بَيَانُ بَقِيَّةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : آلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا ، وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً قَالَ فَإِنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ تَقْوِيَةً لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ لَفْظَ الْحَرَامِ لَا يَكُونُ بِإِطْلَاقِهِ طَلَاقًا وَلَا ظِهَارًا وَلَا يَمِينًا . قَوْلُهُ ( وَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا قَالَ : لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا ، فَإِنْ طَلَّقتهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنْ طَلَّقَهَا وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةِ تَطْلِيقِ ابْنِ عُمَرَ امْرَأَتَهُ ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الطَّلَاقِ ، وَظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّ هَذَا جُمْلَةُ الْخَبَرِ فَاسْتُشْكِلَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ تَطْلِيقَتَيْنِ بِدْعَةٌ ، قَالَ : وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْمُرُ بِالْبِدْعَةِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِذَلِكَ إِلَى مَا أَمَرَهُ مِنِ ارْتِجَاعِ امْرَأَتِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ ، فَفَصَّلَ لِسَائِلِهِ حَالَ الْمُطَلِّقِ . وَقَدْ رُوِّينَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ مُطَوَّلًا مَوْصُولًا عَالِيًا فِي جُزْءِ أَبِي الْجَهْمِ الْعَلَاءِ بْنِ مُوسَى الْبَاهِلِيِّ رِوَايَةَ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ عَنْهُ عَنِ اللَّيْثِ ، وَفِي أَوَّلِهِ قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ ، وَبَعْدَهُ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِلَخْ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ لَكِنْ لَيْسَ بِتَمَامِهِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَوْلُهُ لَوْ طَلَّقْتَ جَزَاؤُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَكَانَ خَيْرًا أَوْ هُوَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلِ الْجَوَابُ : لَكَانَ لَكَ الرَّجْعَةُ لِقَوْلِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ كَانَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ كَانَ طَلَاقَ سُنَّةٍ ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْحَيْضِ كَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ ، وَمُطَلِّقُ الْبِدْعَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الرَّجْعَةِ . وَلِهَذَا قَالَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا أَيْ بِالْمُرَاجَعَةِ لَمَّا طَلَّقْتُ الْحَائِضَ ، وَقَسِيمُ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَإِنْ طَلَّقْتَ ثَلَاثًا وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَلْحَقَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرَّتَيْنِ بِالْوَاحِدَةِ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا ، وَإِلَّا فَالَّذِي وَقَعَ مِنْهُ إِنَّمَا هُـوَ وَاحِدَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ صَرِيحًا هُـنَاكَ ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذَا هُـنَا الِاسْتِشْهَادَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ حَرُمَتْ عَلَيْكَ فَسَمَّاهَا حَرَامًا بِالتَّطْلِيقِ ثَلَاثًا كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ حَرَامًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى يُرِيدَ بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ يُطَلِّقَهَا بَائِنًا ، وَخَفِيَ هَذَا عَلَى الشَّيْخِ مُغَلْطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ فَنَفَوْا مُنَاسَبَةَ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَلَكِنْ عَرَّجَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ تَلْوِيحًا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَشَرْتُ إِلَيْهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ · ص 284 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ · ص 286 5265 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ، فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ ، فَطَلَّقَهَا وَكَانَتْ مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ ، فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ، وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجًا غَيْرَهُ ، فَدَخَلَ بِي وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ ، فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ ، أفَأَحِلُّ لِزَوْجِي الْأَوَّلِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ لِقَوْلِهِ فِيهِ لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ قَرِيبًا . وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَـنَةً وَاحِدَةً هُوَ بِلَفْظِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَالَّتِي بَعْدَهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ ، وَحَكَى الْهَرَوِيُّ تَشْدِيدَهَا وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ قَبْلَهُ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : هِيَ كَلِمَةٌ يُكَني بِهَا عَنِ الشَّيْءِ يُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ مَعْنَاهُ لَمْ يَطَأْنِي إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً يُقَالُ هَنَّ امْرَأَتَهُ إِذَا غَشِيَهَا . وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ مَرَّةً ، وَالَّذِي ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ أَنَّ الَّذِي رَوَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ هُوَ ابْنُ السَّكَنِ قَالَ : وَعِنْدَ الْكَافَّةِ بِالنُّونِ ، وَحَكَى فِي مَعْنَى هِبَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ ، قَالَ : وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْهِبَةِ الْوَقْعَةُ ، يُقَالُ : حَدَرَ هِبَةَ السَّيْفِ أَيْ وَقَعَتْهُ ، وَقِيلَ هِيَ مِنْ هَبَّ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْجِمَاعِ ، يُقَالُ : هَبَّ التَّيْسُ يَهُبُّ هَبِيبًا . تَنْبِيهٌ : زَعَمَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَرَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ، وَشَرَحَ كَلَامَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ بَعْدَ أَنَّ سَاقَ الِاخْتِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ : وَفِي قَوْلِ مَسْرُوقٍ مَا أُبَالِي حَرَّمْتُ امْرَأَتِي أَوْ جَفْنَةَ ثَرِيدٍ ، وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَهْوَنُ مِنْ فِعْلِي ، هَذَا الْقَوْلُ شُذُوذٌ ، وَعَلَيْهِ رَدَّ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَلَمَّا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا كَانَ التَّحْرِيمُ ثَلَاثًا ، قَالَ : وَإِلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ حَدِيثِ رِفَاعَةَ لِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ ، فَكَذَلِكَ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ امْرَأَتَهُ فَهُوَ كَمَنْ طَلَّقَهَا اهـ . وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَرَامَ يَنْصَرِفُ إِلَى نِيَّةِ الْقَائِلِ ، وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْبَابَ بِقَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِي مَوْضِعِ الِاخْتِلَافِ مَهْمَا صَدَّرَ بِهِ مِنَ النَّقْلِ عَنْ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ فَهُوَ اخْتِيَارُهُ ، وَحَاشَا الْبُخَارِيُّ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِكَوْنِ الثَّلَاثِ تُحَرِّمُ أَنَّ كُلَّ تَحْرِيمٍ لَهُ حُكْمُ الثَّلَاثِ مَعَ ظُهُورِ مَنْعِ الْحَصْرِ ، لِأَنَّ الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ تُحَرِّمُ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا مُطْلَقًا وَالْبَائِنُ تُحَرِّمُ الْمَدْخُولَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ عَقْدٍ جَدِيدٍ ، وَكَذَلِكَ الرَّجْعِيَّةُ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَمْ يَنْحَصِرِ التَّحْرِيمُ فِي الثَّلَاثِ ، وَأَيْضًا فَالتَّحْرِيمُ أَعَمُّ مِنَ التَّطْلِيقِ ثَلَاثًا فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ ؟ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا اخْتَرْنَاهُ أَوَّلًا تَعْقِيبُ الْبُخَارِيِّ الْبَابَ بِتَرْجَمَةِ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وَسَاقَ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قال لامرأته أنت علي حرام · ص 239 باب من قال لامرأته أنت علي حرام أي : هذا باب في بيان حكم من قال لامرأته أنت علي حرام ، ولم يذكر جواب مَنْ الذي هو حكم هذا الكلام اكتفاء بما ذكره في الباب . وقال الحسن : نيته . أي قال الحسن البصري إذا قال لامرأته أنت علي حرام الاعتبار فيه نيته . ووصل عبد الرزاق هذا التعليق عن معمر عنه قال : إذا نوى طلاقا فهو طلاق ، وإلا فهو يمين . انتهى ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر ، وبه قال النخعي وطاوس ، وفي التوضيح : في هذه الصورة أربعة عشر مذهبا . قلت : ذكر القرطبي ثمانية عشر قولا ، قيل : وزاد غيره عليها . وذكر ابن بطال منها ثمانية أقوال ، فقالت طائفة : هي ثلاث ، ولا يسأل عن نيته . رَوى ذلك عن علي وزيد بن ثابت وابن عمر ، وبه قال الحسن البصري في رواية والحكم بن عتيبة وابن أبي ليلى ومالك ، ورُوي عنه وعن أكثر أصحابه : إن قال ذلك لامرأته قبل الدخول فثلاث ، إلا أن يقول نويت واحدة . وقال عبد العزيز بن أبي سلمة : هي واحدة إلا أن يقول أردت ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة ، وإن نوى يمينا فهو يمين يكفرها ، وإن لم ينو فرقة ولا يمينا فهي كذبة . وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، غير أنهم قالوا : إن نوى اثنتين فهي واحدة ، وإن لم ينو طلاقا فهو يمين . وهو قول ، وقال ابن مسعود : إن نوى طلاقا فهي تطليقة ، وهو أملك بها ، وإن لم ينو طلاقا فهي يمين يكفرها . وعن ابن عمر مثله ، وقال الشافعي : ليس قوله أنت حرام بطلاق حتى ينويه ، فإن أراد الطلاق فهو ما أراد من الطلاق ، وإن قال أردت تحريما بلا طلاق كان عليه كفارة يمين - وليس بقول ، وقال ابن عباس : يلزمه كفارة ظهار . وهو قول أبي قلابة وسعيد بن جبير وأحمد ، وقيل : إنها يمين فيكفر ، وروِي عن الصديق وعمر وابن مسعود وعائشة وسعيد بن المسيب وعطاء والأوزاعي وأبي ثور ، وقيل : لا شيء فيه ولا كفارة كتحريم الماء . وروي عن الشعبي ومسروق وأبي سلمة ، وقال أبو سلمة : ما أدري حرمتها أو حرمت القرآن ، وهو شذوذ . وقال أهل العلم : إذا طلق ثلاثا فقد حرمت عليه - فسموه حراما بالطلاق والفراق ، وليس هذا كالذي يحرم الطعام ؛ لأنه لا يقال لطعام الحل حرام ويقال للمطلقة حرام ، وقال في الطلاق ثلاثا : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره . لما وضع الترجمة بقوله من قال لامرأته أنت علي حرام ولم يذكر الجواب فيها أشار بقوله وقال أهل العلم . . . إلخ - إلى أن تحريم الحلال ليس على إطلاقه ، فإن من طلق امرأته ثلاثا تحرم عليه ، وهو معنى قوله فقد حرمت عليه ، فسموه - أي فسماه العلماء - حراما بالطلاق ؛ أي بقول الرجل طلقت امرأتي ثلاثا . قوله ( والفراق ) ؛ أي وبقوله فارقتك ، ومن حرم عليه أكل الطعام لا يحرم عليه ، وهو معنى قوله وليس هذا - أي الحكم المذكور في الطلاق ثلاثا - كالذي يحرم الطعام ؛ أي كحكم الذي يقول هذا الطعام علي حرام لا آكله ، فإنه لا يحرم ، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله لا يقال لطعام الحل - أي الحلال - حرام ويقال للمطلقة ثلاثا حرام ، والدليل عليه قوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَهَا - أي الثالثة - فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره . وقال المهلب : من نعم الله تعالى على هذه الأمة فيما خفف عنهم أن من قبلهم كانوا إذا حرموا على أنفسهم شيئا حرم عليهم ، كما وقع ليعقوب عليه الصلاة والسلام ، فخفف الله ذلك عن هذه الأمة ونهاهم عن أن يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحل لهم ، فقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ انتهى ، وحاصل الكلام أن بين المسألتين فرقا وأن تحريم المباح يمين وأن فيه ردا على من لم يفرق بين قوله لامرأته أنت علي حرام وبين قوله هذا الطعام علي حرام ؛ حيث لا يلزمه شيء فيهما كما ذكرنا عن قريب من قال ذلك وذكرنا أقوال العلماء فيه . وقال الليث عن نافع : كان ابن عمر إذا سئل عمن طلق ثلاثا قال : لو طلقت مرة أو مرتين ! فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرني بهذا ، فإن طلقها ثلاثا حرمت حتى تنكح زوجا غيرك . أورد هذا التعليق عن الليث بن سعد تأييدا لما قال أهل العلم إذا طلق ثلاثا فقد حرمت عليه ، وأطلقوا عليه حراما كما مر الآن ، وهذا هو وجه المناسبة بينه وبين الترجمة ، وخفي هذا على صاحب التلويح وقال : لا مناسبة بينهما . وقال صاحب التوضيح : وكأن البخاري أراد بإيراد هذا أن فيه لفظة حرمت عليك ، وإلا فلا مناسبة بينهما في الباب . قلت : هذا أقرب إليه ، وصاحب التلويح أبعد . قوله ( عن نافع ) ، ويروى حدثني نافع : كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا سئل عمن طلق امرأته ثلاثا - أي ثلاث تطليقات - قال : لو طلقت مرة - أي طلقة واحدة - أو مرتين - أي طلقتين ، قال الكرماني : وجواب لو يعني جزاؤه - محذوف ، وهو : لكان خيرا ، أو هو حرف لو للتمني فلا يحتاج إلى جواب . وقال بعضهم : ليس كما قال ، بل الجواب : لكان لك الرجعة . قلت : مقصود الكرماني أن لو إذا كان للشرط لا بد له من جزاء ، فلذلك قدره بقوله لكان خيرا ، وهو معنى قوله لكان لك الرجعة ، وذلك لانسداد باب الرجعة بعد الثلاث بخلاف ما بعد مرة أو مرتين ، وهذا القرطبي أيضا قال في هذا الموضع : فكأنه قال للسائل إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض ، وإن طلقت ثلاثا لم يكن لك مراجعة لأنه لا تحل لك إلا بعد زوج . انتهى ، وهكذا قدر الجزاء بما ذكره ، وتقدير الكرماني مثله أو قريب منه فلا حاجة إلى الرد عليه بغير وجه . قوله ( فإن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أمرني بهذا ) ؛ أي بأن أراجع بعد المرتين . قوله ( فإن طلقها ) ، كذا هو في رواية الكشميهني بصيغة المفرد الغائب من الماضي حرمت عليه بضمير الغائب ، وفي رواية غيره فإن طلقتها بتاء المخاطب حرمت عليك حتى تنكح أي المرأة زوجا غيرك ، ويروى غيره ، وهذا لا يجيء إلا على رواية الكشميهني ، فافهم . والتعليق المذكور رواه مسلم في صحيحه عن يحيى بن يحيى وقتيبة ومحمد ابن رمح عن الليث .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قال لامرأته أنت علي حرام · ص 241 12 - حدثنا محمد ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : طلق رجل امرأته ، فتزوجت زوجا غيره فطلقها ، وكانت معه مثل الهدبة ، فلم تصل منه إلى شيء تريده ، فلم يلبث أن طلقها ، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن زوجي طلقني ، وإني تزوجت زوجا غيره فدخل بي ، ولم يكن معه إلا مثل الهدبة ، فلم يقربني إلا هنة واحدة لم يصل مني إلى شيء ، فأحل لزوجي الأول ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عسيلتك وتذوقي عسيلته . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله لا تحلين لزوجك ؛ فإنه كان قد طلقها ثلاثا ، وإنه أطلق الحرام بعد الطلقات الثلاث . وحديث عائشة في هذا الباب قد مر ، وهذه رواية أخرى عنها أخرجها البخاري عن محمد بن سلام عن أبي معاوية محمد بن خازم - بالخاء المعجمة والزاي - عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها . قوله ( مثل الهدبة ) قد مر تفسيرها أنها طرف الثوب مما يلي طرته . قوله ( فلم تصل منه ) ؛ أي لم تصل المرأة من زوجها ( إلى شيء تريده ) هي وهو الوطء المشبع . قوله ( إلا هنة واحدة ) بفتح الهاء وتخفيف النون ، وقد حكى الهروي تشديدها وأنكره الأزهري قبله ، وقال الخليل : هي كلمة يكنى بها عن شيء يُستحيا من ذكره باسمه . وقال ابن التين : معناه لم يطأني إلا مرة واحدة ، يقال هنا امرأتَه إذا غشيها . وروى ابن السكن بباء موحدة ثقيلة ؛ أي مرة واحدة ، ذكره صاحب المشارق عنه ، وكذا ذكره الكرماني وقال : في أكثر النسخ بموحدة ثقيلة - أي مرة ، وقال صاحب المشارق : وعند الكافة بالنون . وقيل : هي من هب إذا احتاج إلى الجماع ، يقال هب التيس يهب هبيبا .