5336 - قَالَتْ زَيْنَبُ : وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا ، أَفَتَكْحُلُهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا - مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا - ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ زَيْنَبُ : وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ : سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ : بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( جَاءَتِ امْرَأَةٌ ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ : مِنْ قُرَيْشٍ وَسَمَّاهَا ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِهِ مِنْ طَرِيقِ عَاتِكَةَ بِنْتِ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ : عَنْ أَبِي الْأَسْوَدَ النَّوْفَلِي ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَتَتْ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ ، وَهِيَ تُحِدُّ وَتَشْتَكِي عَيْنَهَا الْحَدِيثَ ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ هَارُونَ الرَّمْلِيِّ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، لَكِنَّهُ قَالَ : بِنْتُ نُعَيْمٍ وَلَمْ يُسَمِّهَا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا عَنْ عَاتِكَةَ بِنْتِ نُعَيْمٍ - أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ - جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : إِنَّ ابْنَتَهَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا الْحَدِيثَ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُقْبَةَ هُوَ ابْنُ لَهِيعَةَ نَسَبَهُ لِجَدِّهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلِابْنِ لَهِيعَةَ طَرِيقَانِ ، وَلَمْ تُسَمَّ الْبِنْتُ الَّتِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا ، وَلَمْ تُنْسَبْ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَبِيهِ ، وَقَدْ أَغْفَلَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ ، وَكَذَا أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْلِ عَلَيْهِ ، وَكَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، لَكِنِ اسْتَدْرَكَهُ ابْنُ فَتَحُونَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَجُوزُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ ضَمُّ النُّونِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ هِيَ الْمُشْتَكِيَةُ ، وَفَتْحُهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي اشْتَكَتْ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ وَرَجَّحَ هَذَا ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : عَيْنَاهَا يَعْنِي وَهُوَ يُرَجِّحُ الضَّمَّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي مُسْلِمٍ ، وَعَلَى الضَّمِّ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْأَرْجَحُ ، وَالَّذِي رَجَّحَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُنْذِرِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَفَنَكْحُلُهَا ) بِضَمِّ الْحَاءِ . قَوْلُهُ : ( لَا ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ فَقَالَ : لَا تَكْتَحِلُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الِاكْتِحَالِ عَلَى الْحَادَّةِ سَوَاءٌ احْتَاجَتْ إِلَيْهِ أَمْ لَا . وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ : اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا يَحِلُّ ، وَإِذَا احْتَاجَتْ لَمْ يَجُزْ بِالنَّهَارِ ، وَيَجُوزُ بِاللَّيْلِ مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ ، فَإِنْ فَعَلَتْ مَسَحَتْهُ بِالنَّهَارِ . قَالَ : وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْخَوْفُ عَلَى عَيْنِهَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورِ : فَخَشُوا عَلَى عَيْنِهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَهْ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا : رَمِدَتْ رَمَدًا شَدِيدًا ، وَقَدْ خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ : إِنَّهَا تَشْتَكِي عَيْنَهَا فَوْقَ مَا يُظَنُّ ، فَقَالَ : لَا وَفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ أَخْرَجَهَا ابْنُ حَزْمٍ إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْفَقِئَ عَيْنُهَا ، قَالَ : لَا ، وَإِنِ انْفَقَأَتْ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ أَفْتَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِمَنْعِهِ مُطْلَقًا ، وَعَنْهُ يَجُوزُ إِذَا خَافَتْ عَلَى عَيْنِهَا بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ مُقَيَّدًا بِاللَّيْلِ ، وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ الْمَرْأَةِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ لَهَا الْبُرْءُ بِغَيْرِ الْكُحْلِ كَالتَّضْمِيدِ بِالصَّبْرِ وَنَحْوِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَحَدَّتْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَزِيغَانِ فَكَانَتْ تَقْطُرُ فِيهِمَا الصَّبْرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ النَّهْيَ عَلَى كُحْلٍ مَخْصُوصٍ ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِي التَّزَيُّنَ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَحْضَ التَّدَاوِي قَدْ يَحْصُلُ بِمَا لَا زِينَةَ فِيهِ ، فَلَمْ يَنْحَصِرْ فِيمَا فِيهِ زِينَةٌ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ ، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا هـيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِالنَّصْبِ عَلَى حِكَايَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ وَهُوَ وَاضِحٌ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْلِيلِ الْمُدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَتَهْوِينُ الصَّبْرِ عَلَيْهَا ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ : وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ ، وَفِي التَّقْيِيدِ بِالْجَاهِلِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْإِسْلَامِ صَارَ بِخِلَافِهِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا وُصِفَ مِنَ الصَّنِيع ، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ بِالْحَوْلِ اسْتَمَرَّ فِي الْإِسْلَامِ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْآيَةِ الَّتِي قَبْلُ وَهِيَ : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا · ص 398 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا · ص 399 5337 - قَالَ حُمَيْدٌ : فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ : وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا ، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ - حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ - فَتَفْتَضُّ بِهِ ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِي بها ، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ . سُئِلَ مَالِكٌ : مَا تَفْتَضُّ بِهِ ؟ قَالَ : تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ حُمَيْدٌ ) هُوَ ابْنُ نَافِعٍ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَبْدُوءِ بِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ ) هِيَ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ ( وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ ؟ ) أَيْ : بَيِّنِي لِي الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ . قَوْلُهُ : ( كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا إِلَخْ ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تُسْنِدْهُ زَيْنَبُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مَرْفُوعًا كُلُّهُ لَكِنَّهُ بِاخْتِصَارٍ وَلَفْظُهُ : فَقَالَ : لَا تَكْتَحِلُ ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا - أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا - فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ ، فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي إِدْرَاجَ رِوَايَةِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ فَلَا يَقْضِي عَلَى رِوَايَتِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ بِالِاحْتِمَالِ ، وَلَعَلَّ الْمَوْقُوفَ مَا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ . وَالْحِفْشُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ : الْبَيْتُ الصَّغِيرُ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : الْحِفْشُ : الْخُصُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْحِفْشُ : الْبَيْتُ الذَّلِيلُ ، الشَّعِثُ الْبِنَاءِ ، وَقِيلَ : هُوَ شَيْءٌ مِنْ خُوصٍ يُشْبِهُ الْقُفَّةَ تَجْمَعُ فِيهِ الْمُعْتَدَّةُ مَتَاعَهَا مِنْ غَزْلٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْقِصَّةِ يَأْبَى هَذَا خُصُوصًا رِوَايَةَ شُعْبَةَ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَّائِيَّ : عَمَدَتْ إِلَى شَرِّ بَيْتٍ لَهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ وَلَعَلَّ أَصْلَ الْحِفْش مَا ذَكَرَ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ الْحَقِيرِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ ، وَالْأَحْلَاسُ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِلْسٍ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ الثَّوْبُ ، أَوِ الْكِسَاءُ الرَّقِيقُ ، يَكُونُ تَحْتَ الْبَرْذعَةِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ وَقَعَ وَصْفُ ثِيَابِهَا أَوْ وَصْفُ مَكَانِهَا ، وَقَدْ ذُكِرَا مَعًا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَمُرَّ بِهَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : لَهَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ ) بِالتَّنْوِينِ ( حِمَارٍ ) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ عَلَى الْبَدَلِ ، وَقَوْلُهُ : أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ ، وَإِطْلَاقُ الدَّابَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُوَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الْعُرْفِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( فَتَفْتَضُّ ) بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ ، فَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا ، وَأَصْلُ الْفَضِّ : الْكَسْرُ ، أَيْ : تَكْسِرُ مَا كَانَتْ فِيهِ ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ بِمَا تَفْعَلُهُ بِالدَّابَّةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ : تُقْبَصُ بِقَافِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ ، وَهِيَ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقَبْصُ : الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَنَامِلِ ، قَالَ الْأَصْبِهَانِيُّ ، وَابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِسْرَاعِ ، أَيْ : تَذْهَبُ بِعَدْوٍ وَسُرْعَةٍ إِلَى مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا ؟ لِكَثْرَةِ حَيَائِهَا لِقُبْحِ مَنْظَرِهَا ، أَوْ لِشِدَّةِ شَوْقِهَا إِلَى التَّزْوِيجِ لِبُعْدِ عَهْدِهَا بِهِ . وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهَا : بِهِ سَبَبِيَّةٌ ، وَالضَّبْطُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : سَأَلْتُ الْحِجَازِيِّينَ عَنِ الِافْتِضَاضِ ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ لَا تَمَسُّ مَاءً ، وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا ، وَلَا تُزِيلُ شَعْرًا ، ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ ، ثُمَّ تَفْتَضُّ ، أَيْ : تَكْسِرُ مَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا ، وَتَنْبِذُهُ ، فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ بَعْدَمَا تَفْتَضُّ بِهِ . قُلْتُ : وَهَذَا لَا يُخَالِفُ تَفْسِيرَ مَالِكٍ ، لَكِنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْجِلْدَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِلْدُ الْقُبُلِ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَعَلَى ظَهْرِهِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ تَمْسَحُ بِهِ ، ثُمَّ تَفْتَضُّ ، أَيْ : تَغْتَسِلُ ، وَالِافْتِضَاضُ : الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ ؛ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ ، وَإِرَادَةِ النَّقَاءِ حَتَّى تَصِيرَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً كَالْفِضَّةِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَخْفَشُ : مَعْنَاهُ تَتَنَظَّفُ فَتَنْتَقِي مِنَ الْوَسَخِ فَتُشْبِهُ الْفِضَّةَ فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا ، وَالْغَرَضُ بِذَلِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى إِهْلَاكِ مَا هـيَ فِيهِ ، وَمِنَ الرَّمْيِ الِانْفِصَالُ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ . تَنْبِيهٌ : جَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : فَتَفْتَضُّ بِهِ لِلتَّعَدِّيَةِ ، أَوْ تَكُونَ زَائِدَةً ، أَيْ : تَفْتَضُّ الطَّائِرَ ، بِأَنْ تَكْسِرَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ ، انْتَهَى . وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ الِافْتِضَاضِ صَرِيحًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا . قَوْلُهُ : ( فَتَرْمِي بِهَا ) فِي رِوَايَةِ مُطَرَّفٍ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ مَالِكٍ : تَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ أَوِ الْإِبِلِ فَتَرْمِي بِهَا أَمَامَهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِحْلَالًا لَهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ : فَتَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ : فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ رَمْيَهَا الْبَعْرَةَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرُورِ الْكَلْبِ سَوَاءٌ طَالَ زَمَنُ انْتِظَارِ مُرُورِهِ أَمْ قَصُرَ ، وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ . وَقِيلَ : تَرْمِي بِهَا مَنْ عَرَضَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِ تُرِي مَنْ حَضَرَهَا أَنَّ مُقَامَهَا حَوْلًا أَهْوَنُ عَلَيْهَا مِنْ بَعْرَةٍ تَرْمِي بِهَا كَلْبًا أَوْ غَيْرَهُ . وَقَالَ عِيَاضٌ : يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْكَلْبَ إِذَا مَرَّ افْتُضَّتْ بِهِ ثُمَّ رَمَتِ الْبَعْرَةَ . قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا ؛ فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْجَمْعِ . وَاخْتُلَفَ فِي الْمُرَادِ بِرَمْيِ الْبَعْرَةِ ، فَقِيلَ : هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا رَمَتِ الْعِدَّةَ رَمْيَ الْبَعْرَةِ ، وَقِيلَ : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَتْهُ مِنَ التَّرَبُّصِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ لِمَا انْقَضَى كَانَ عِنْدَهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرَةِ الَّتِي رَمَتْهَا اسْتِحْقَارًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِحَقِّ زَوْجِهَا ، وَقِيلَ : بَلْ تَرْمِيهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ بِعَدَمِ عَوْدِهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا · ص 2 ( باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ) أي هذا باب فيه تحد ... إلى آخره ، قال بعضهم : تحد بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي . قلت : هذا ليس باصطلاح أهل الصرف ، بل يقال : هذا من الثلاثي المزيد فيه من أحد على وزن أفعل ، يحد إحدادا ، وقال ثعلب : يقال : حدت المرأة على زوجها تحد وتحد حدادا ، إذا تركت الزينة فهي حاد ، ويقال أيضا : أحدت فهي محدود ، وقال الفراء : إنما كانت بغير هاء لأنها لا تكون للذكر . وقال ابن درستويه : المعنى أنها منعت الزينة نفسها والطيب بدنها ، ومنعت بذلك الخطاب خطبتها والطمع فيها ، كما منع حد السكين ، وحد الدار ما منعها . وفي نوادر اللحياني بأحد جاء الحديث : "لا يحد" ، قال : وحكى الكسائي عن عقيل حدت بغير ألف ، وفي شرح الدميري يروى بالحاء وبالجيم ، وبالحاء أشهر ، وبالجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته ، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة وما كانت عليه أولا قبل ذلك ، وفي تقويم المسد لأبي حاتم أبي الأصمعي : حدت ، ولم يعرف إلا أحدت . وقال الزهري : لا أرى أن تقرب الصبية المتوفى عنها الطيب لأن عليها العدة أي قال محمد بن مسلم الزهري : قوله " الصبية " بالرفع على الفاعلية ، والطيب بالنصب على المفعولية ، وقال الكرماني : ويروى بالعكس وهو ظاهر ، وإنما ذكر الصبية لأن فيه خلافا ، فعند أبي حنيفة لا حداد عليها ، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور : عليها الحداد . قوله : " لأن عليها العدة " أي على الصبية ، أشار بهذا إلى أنها كالبالغة في وجوب العدة . 74 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن حميد بن نافع ، عن زينب ابنة أبي سلمة ، أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة ، قالت زينب : دخلت على أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب ، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره ، فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ، ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة ، غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" . قالت زينب : فدخلت على زينب ابنة جحش حين توفي أخوها ، فدعت بطيب فمست منه ثم قالت : أما والله ما لي بالطيب من حاجة ، غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " . قالت زينب : وسمعت أم سلمة تقول : جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها ، أفتكحلها ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا " مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك يقول : لا ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما هي أربعة أشهر وعشرا ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول . قال حميد : فقلت لزينب : وما ترمي بالبعرة على رأس الحول ؟ فقالت زينب : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ، ولم تمس طيبا حتى تمر بها سنة ، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتفتض به ، فقلما تفتض بشيء إلا مات ، ثم تخرج فتعطى بعرة ، فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره . سئل مالك - رحمه الله - : ما تفتض به ؟ قال : تمسح به جلدها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وحميد بن نافع أبو أفلح الأنصاري ، وزينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد ، وهي بنت أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وزعم ابن التين أنها لا رواية لها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد أخرج لها مسلم حديثها : كان اسمي برة فسماني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب ، وأخرج لها البخاري حديثا تقدم في أوائل السيرة النبوية . وقال أبو عمر : ولدتها أمها بأرض الحبشة وقدمت بها ، وحفظت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت عند عبد الله بن زمعة بن الأسود ، فولدت له ، وكانت من أفقه نساء زمانها . والحديث الأول من الأحاديث الثلاثة المذكورة وهو عن أم حبيبة ، والحديث الثاني وهو عن زينب بنت جحش - قد مضيا في الجنائز في باب إحداد المرأة على غير زوجها ، فإنه أخرجه هناك عن إسماعيل عن مالك ... إلى آخره ، وأخرج الحديث الثالث وهو عن أم سلمة في الطب عن مسدد عن يحيى ، وأخرجه مسلم في الطلاق عن يحيى بن يحيى وغيره ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به ، وأخرجه الترمذي في النكاح عن إسحاق بن موسى الأنصاري عن مالك به ، وأخرجه النسائي في الطلاق ، وفي التفسير عن محمد بن عبد الأعلى وغيره ، وأخرجه ابن ماجه في الطلاق عن أبي بكر بن أبي شيبة به . قوله : " قالت زينب سمعت أم سلمة " هو موصول بالإسناد المذكور ، ووقع في الموطأ : سمعت أمي أم سلمة ، وزاد عبد الرزاق عن مالك بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : " جاءت امرأة " زاد النسائي من طريق الليث عن حميد بن نافع : جاءت امرأة من قريش ، وسماها ابن وهب في موطئه عاتكة بنت نعيم بن عبد الله . قوله : " وقد اشتكت عينها " قيل : يجوز فيه وجهان : ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية ، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل وهي المرأة ، وروي " عيناها " ، وكذا وقع في رواية مسلم قوله : " أفتكحلها " بضم الحاء . قوله : " لا " أي لا تكحلها ، وكذا في رواية شعبة عن حميد بن نافع ، وقال الكرماني : قيل هذا النهي ليس على وجه التحريم ، ولئن سلمنا أنه للتحريم ، فإذا كانت الضرورة فإن دين الله يسر ، يعني الحرمة تثبت إلا عند شدة الضرر والضرورة ، أو معناه لا تكتحل بحيث يكون فيه زينة . وقال النووي : فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة ، سواء احتاجت إليه أم لا ، ورد عليه المنع المطلق لأن الضرورة مستثناة في الشرع . وفي الموطأ : " اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" . ووجه الجمع بينهما أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل ، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل ، وقيل : حديث الباب على من لم تتحقق الخوف على عينها ، ورد بأن في حديث شعبة : فحشوا على عينها ، وفي رواية ابن منده : رمدت رمدا شديدا وقد خشيت على بصرها . قوله : " مرتين أو ثلاثا " أي قال : لا تكتحل مرتين ، أو قال : لا ، ثلاث مرات . وقيل : يجوز الاكتحال ، ولو كان فيه طيب ، وحملوا النهي على التنزيه ، وقيل : النهي محمول على كحل مخصوص وهو ما يتزين به . قوله : " إنما هي أربعة أشهر وعشرا " كذا وقع في الأصل بالنصب على لفظ القرآن ، ويجوز بالرفع على الأصل . قيل : الحكمة فيه أن الولد يتكامل بخلقته وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يوما ، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة ، فيجبر الكسر إلى العدة على طريق الاحتياط ، وذكر العشر مؤنثا على إرادة الليالي ، والمراد مع أيامها عند الجمهور ، فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة ، وعند الأوزاعي وبعض السلف : تنقضي بمضي الليالي العشر بعد الأشهر ، وتحل في أول اليوم العاشر . قوله : " قال حميد " هو ابن نافع راوي الحديث ، وهو موصول بالإسناد المتقدم . قوله : " فقلت لزينب " هي بنت أم سلمة . قوله : " وما ترمي بالبعرة " أي : بيني لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة . قوله : " فقالت زينب كانت المرأة ... " إلخ ، هكذا وقع غير مسند . قوله : " حفشا " بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء ، وبالشين المعجمة فسره أبو داود في روايته من طريق مالك بالبيت الصغير ، وعند النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك : الحفش الخص ، بضم الخاء المعجمة وبالصاد المهملة . وقال الشافعي : الحفش البيت الذليل الشعث البناء ، وقيل : هو شيء من خوص يشبه القفة تجمع فيه المعتدة متاعها من غزل ونحوه ، وقيل : بيت صغير حقير قريب السمك ، وقيل : بيت صغير ضيق لا يكاد يتسع للتقلب ، وقال أبو عبيد : الحفش الدرج ، وجمعه أحفاش ، شبه بيت الحادة في صغره بالدرج ، وقال الخطابي : سمي حفشا لضيقه وانضمامه ، والتحفش الانضمام والاجتماع . قوله : " حتى تمر بها " وفي رواية الكشميهني : " لها " باللام . قوله : " ثم تؤتى بدابة " بالتنوين ، قوله : " حمار " بالجر والتنوين على البداية ، قوله : " أو شاة أو طائر " كلمة " أو " فيه للتنويع ، وإطلاق الدابة على ما ذكر بطريق اللغة لا بطريق العرف . قوله : " فتفتض به " بالفاء ثم التاء المثناة من فوق ثم بضاد معجمة ، وقال الخطابي : من فضضت الشيء إذا كسرته أو فرقته ، أي إنها كانت تكسر ما كانت فيه من الحداد بتلك الدابة ، وقال الأخفش : معناه تنظف به ، وهو مأخوذ من الفضة تشبيها له بنقائها وبياضها . وقال القتبي : سألت الحجازيين عنها فقالوا : إن المعتدة كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ، وتخرج بعد الحول بأقبح منظر ، ثم تفتض أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها ، وتنبذه فلا يكاد يعيش . وفسره مالك بقوله : تفتض به تمسح به جلدها ، كالنشرة كما يجيء الآن . وقال ابن وهب : تمسح بيدها عليه وعلى ظهره ، وقيل : معناه تمسح به ، ثم تفتض أي تغتسل بالماء العذب حتى تصير بيضاء نقية كالفضة . وقال الخليل : الفضض الماء العذب ، يقال : افتضضت به أي اغتسلت به . وقيل : تفتض أي تفارق ما كانت عليه . وذكر الأزهري أن الشافعي - رحمه الله تعالى - رواه " تقبص " بالقاف وبالياء الموحدة والصاد المهملة ، وهو الأخذ بأطراف الأصابع . وقراءة الحسن : ( فقبصت قبصة من أثر الرسول ) ، والمعروف الأول . وقال الكرماني : يحتمل أن يكون الباء في تفتض به للتعدية أو زائدة ، يعني تفتض الطائر بأن تكسر بعض أعضائه ، ولعل غرضهن منه الإشعار بإهلاك ما كن فيه ، ومن الرمي الانفصال منه بالكلية . قوله : " فتعطى " على صيغة المجهول ، قوله : " بعرة " بفتح النون وسكونها ، قوله : " فترمي بها " أي بتلك البعرة ، وفي رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك : ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل ، فترمي بها أمامها ، فيكون ذلك إحلالا لها ، وفي رواية ابن وهب : ترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها ، ثم قيل : المراد برمي البعرة إشارة إلى أنها رمت العدة رمي البعرة ، وقيل : إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استخفافا واستحقارا وتعظيما لحق زوجها ، وقيل : بل ترميها على سبيل التفاؤل لعدم عودها إلى ذلك . قوله : " سئل مالك ما تفتض " أي ما معناه .