8 - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بُرْدَةَ : ضَحِّ بِالْجَذَعِ مِنْ الْمَعَزِ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ 5556 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنْ الْمَعَزِ ، قَالَ : اذْبَحْهَا وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ . تَابَعَهُ عُبَيْدَةُ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ ، وَتَابَعَهُ وَكِيعٌ عَنْ حُرَيْثٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَقَالَ عَاصِمٌ وَدَاوُدُ عَنْ الشَّعْبِيِّ : عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ ، وَقَالَ زُبَيْدٌ وَفِرَاسٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ : عِنْدِي جَذَعَةٌ ، وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ : حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ : عَنَاقٌ جَذَعَةٌ . وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ : عَنَاقٌ جَذَعٌ ، عَنَاقُ لَبَنٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بُرْدَةَ ضَحِّ بِالْجَذَعِ مِنَ الْمَعْزِ ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ) أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا اذْبَحْهَا لِلْجَذَعَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ : إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنَ الْمَعْزِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ ) هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ بِمُهْمَلَةٍ وَزْنُ عَقِيلٍ ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ . قَوْلُهُ : ( ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ ) فِي رِوَايَةِ زُبَيْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي أَوَّلِ الْأَضَاحِيِّ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ وَهُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَاسْمُهُ هَانِئٌ وَاسْمُ جَدِّهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَهُوَ بَلَوِيٌّ مِنْ حُلَفَاءِ الْأَنْصَارِ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ اسْمَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : كَانَ اسْمُ خَالِي قَلِيلًا فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا ، وَقَالَ : يَا كَثِيرُ إِنَّمَا نُسُكُنَا بَعْدَ صَلَاتِنَا ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ بِطُولِهِ ، وَجَابِرٌ ضَعِيفٌ وَأَبُو بُرْدَةَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ وَعَاشَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَقِيلَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَلَهُ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ سَيَأْتِي فِي الْحُدُودِ . قَوْلُهُ : ( شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ ) أَيْ لَيْسَتْ أُضْحِيَّةً بَلْ هُوَ لَحْمُ يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ زُبَيْدٍ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لِأَهْلِهِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الذَّبْحِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَفِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ : ذَاكَ شَيْءٌ عَجَّلْتُهُ لِأَهْلِكَ ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَتِ الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ شَاةُ لَحْمٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِضَافَةَ قِسْمَانِ : مَعْنَوِيَّةٌ وَلَفْظِيَّةٌ ، فَالْمَعْنَوِيَّةُ إِمَّا مُقَدَّرَةٌ بِمِنْ كَخَاتَمِ حَدِيدٍ أَوْ بِاللَّامِ كَغُلَامِ زَيْدٍ أَوْ بِفِي كَضَرْبِ الْيَوْمِ مَعْنَاهُ ضَرَبَ فِي الْيَوْمِ . وَأَمَّا اللَّفْظِيَّةُ فَهِيَ صِفَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى مَعْمُولِهَا كَضَارِبِ زَيْدٍ وَحَسَنِ الْوَجْهِ ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنَ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ فِي شَاةِ لَحْمٍ ، قَالَ الْفَاكِهِيُّ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّ شَاتَهُ شَاةُ أُضْحِيَّةٍ أَوْقَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَوَابِ قَوْلَهُ شَاةُ لَحْمٍ مَوْقِعَ قَوْلِهِ شَاةُ غَيْرِ أُضْحِيَّةٍ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا ) الدَّاجِنُ الَّتِي تَأْلَفُ الْبُيُوتَ وَتُسْتَأْنَسُ وَلَيْسَ لَهَا سِنٌّ مُعَيَّنٌ ، وَلَمَّا صَارَ هَذَا الِاسْمُ عَلَمًا عَلَى مَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ اضْمَحَلَّ الْوَصْفُ عَنْهُ فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ . وَالْجَذَعَةُ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا مِنَ الْمَعْزِ ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : عَنَاقُ لَبَنٍ ، وَالْعَنَاقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَلَمْ يُصِبِ الدَّاوُدِيُّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْعَنَاقَ هِيَ الَّتِي اسْتَحَقَّتْ أَنْ تَحْمِلَ وَأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَأَنَّهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ لَبَنٍ أَنَّهَا أُنْثَى ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : غَلِطَ فِي نَقْلِ اللُّغَةِ وَفِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ مَعْنَى عَنَاقُ لَبَنٍ أَنَّهَا صَغِيرَةُ سِنٍّ تُرْضِعُ أُمُّهَا . وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ ذَبَحَ ذَبِيحَتَهُ بِسَحَرٍ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّمَا الْأُضْحِيَّةُ مَا ذُبِحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، اذْهَبْ فَضَحِّ ، فَقَالَ : مَا عِنْدِي إِلَّا جَذَعَةً مِنَ الْمَعْزِ الْحَدِيثَ . قُلْتُ : وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ التَّعَالِيقِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَطْيَبُ لَحْمًا وَأَنْفَعُ لِلْآكِلِينَ لِسِمَنِهَا وَنَفَاسَتِهَا ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا بِمَا ذَكَرَ أَنَّ عِتْقَ نَفْسَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ كَانَتْ أَنْفَس مِنْهُمَا ، وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعِتْقِ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ يُطْلَبُ فِيهَا كَثْرَةُ اللَّحْمِ فَتَكُونُ الْوَاحِدَةُ السَّمِينَةُ أَوْلَى مِنَ الْهَزِيلَتَيْنِ . وَالْعِتْقُ يُطْلَبُ فِيهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِفَكِّ الرَّقَبَةِ فَيَكُونُ عِتْقُ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى مِنْ عِتْقِ الْوَاحِدَةِ ، نَعَمْ إِنْ عَرَضَ لِلْوَاحِدِ وَصْفٌ يَقْتَضِي رِفْعَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ - كَالْعِلْمِ وَأَنْوَاعِ الْفَضْلِ الْمُتَعَدِّي - فَقَدْ جَزَمَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّهُ أَوْلَى لِعُمُومِ نَفْعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ . وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ وَهِيَ : خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْمُسِنَّةَ الَّتِي سَقَطَتْ أَسْنَانُهَا لِلْبَدَلِ ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْمُسِنُّ الثَّنِيُّ الَّذِي يُلْقِي سِنَّهُ ، وَيَكُونُ فِي ذَاتِ الْخُفِّ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ ، وَفِي ذَاتِ الظِّلْفِ وَالْحَافِرِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : إِذَا دَخَلَ وَلَدُ الشَّاةِ فِي الثَّالِثَةِ فَهُوَ ثَنِيٌّ وَمُسِنٌّ . قَوْلُهُ ( قَالَ اذْبَحْهَا وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ ) فِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ الْآتِيَةِ فِي بَابِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ : أَأَذْبَحُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ثُمَّ لَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَنْ تَجْزِيَ إِلَخْ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ كَمَا فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَلَيْسَتْ فِيهَا رُخْصَةٌ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ ، وَقَوْلُهُ تَجْزِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ أَيْ تَقْضِي ، يُقَالُ جَزَا عَنِّي فُلَانٌ كَذَا أَيْ قَضَى ، وَمِنْهُ : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أَيْ لَا تَقْضِي عَنْهَا ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ : الْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ لَا تُجْزِئُ بِالضَّمِّ وَالْهَمْزِ فِي مَوْضِعِ لَا تَقْضِي وَالصَّوَابُ بِالْفَتْحِ وَتَرْكِ الْهَمْزِ ، قَالَ : لَكِنْ يَجُوزُ الضَّمُّ وَالْهَمْزُ بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ ، يُقَالُ أَجْزَأَ عَنْكَ . وَقَالَ صَاحِبُ الْأَسَاسِ : بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ الْبَدَنَةُ تُجْزِي عَنْ سَبْعَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ تَجْزِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، وَبِهِمَا قُرِئَ : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى مَنْعِ ضَمِّ أَوَّلِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ أَبِي بُرْدَةَ بِإِجْزَاءِ الْجَذَعِ مِنَ الْمَعْزِ فِي الْأُضْحِيَّةِ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ التَّصْرِيحُ بِنَظِيرِ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي بُرْدَةَ ، فَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَلَا رُخْصَةَ فِيهَا لِأَحَدٍ بَعْدَكَ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَحْفُوظَةً كَانَ هَذَا رُخْصَةً لِعُقْبَةَ كَمَا رَخَّصَ لِأَبِي بُرْدَةَ . قُلْتُ : وَفِي هَذَا الْجَمْعِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا صِيغَةَ عُمُومٍ ، فَأَيُّهُمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْآخَرِ اقْتَضَى انْتِفَاءَ الْوُقُوعِ لِلثَّانِي ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ : إِنَّ ذَلِكَ صَدَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، أَوْ تَكُونُ خُصُوصِيَّةُ الْأَوَّلِ نُسِخَتْ بِثُبُوتِ الْخُصُوصِيَّةِ لِلثَّانِي ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي السِّيَاقِ اسْتِمْرَارُ الْمَنْعِ لِغَيْرِهِ صَرِيحًا ، وَقَدِ انْفَصَلَ ابْنُ التِّينِ - وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيُّ - عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْعَتُودُ كَانَ كَبِيرَ السِّنِّ بِحَيْثُ يَجْزِي ، لَكِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي فِي آخِرِهِ لَمْ تَقَعْ لَهُ ، وَلَا يَتِمُّ مُرَادُهُ مَعَ وُجُودِهَا مَعَ مُصَادَمَتِهِ لِقَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي الْعَتُودِ ، وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِكَلَامِ ابْنِ التِّينِ فَضَعَّفَ الزِّيَادَةَ ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ، فَإِنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ مَخْرَجِ الصَّحِيحِ ، فَإِنَّهَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيِّ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ فِي الْحِفْظِ وَالْفِقْهِ وَسَائِرِ فُنُونِ الْعِلْمِ ، رَوَاهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنِ اللَّيْثِ بِالسَّنَدِ الَّذِي سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ الْحَدِيثَ فِي الْمُتَّفَقِ لِلْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ وَلَيْسَتِ الزِّيَادَةُ فِيهِ ، فَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي قَوْلِ الْبَيْهَقِيِّ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى التَّفَرُّدَ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ عَلَى رَاوِيهَا حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الَّذِينَ ثَبَتَتْ لَهُمُ الرُّخْصَةُ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ ، وَاسْتَشْكَلَ الْجَمْعُ وَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ لَيْسَ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِالنَّفْيِ إِلَّا فِي قِصَّةِ أَبِي بُرْدَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي قِصَّةِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي الْبَيْهَقِيِّ ، وَأَمَّا ما عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهُ عَتُودًا جَذَعًا فَقَالَ : ضَحِّ بِهِ ، فَقُلْتُ : إِنَّهُ جَذَعٌ أَفَأُضَحِّي بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ضَحِّ بِهِ ، فَضَحَّيْتُ بِهِ ، لَفْظُ أَحْمَدَ ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عُوَيْمِرِ بْنِ أَشْقَرَ أَنَّهُ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ يَوْمُ الْأَضْحَى ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعِيدَ أُضْحِيَّةً أُخْرَى ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ جَذَعًا مِنَ الْمَعْزِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ ، وَلِأَبِي يَعْلَى ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا جَذَعٌ مِنَ الضَّأْنِ مَهْزُولٌ ، وَهَذَا جَذَعٌ مِنَ الْمَعْزِ سَمِينٌ وَهُوَ خَيْرُهُمَا أَفَأُضَحِّي بِهِ ؟ قَالَ : ضَحِّ بِهِ فَإِنَّ لِلَّهِ الْخَيْرَ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثَيْ أَبِي بُرْدَةَ ، وَعُقْبَةَ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ ثُمَّ تقَرَّرَ الشَّرْعُ بِأَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الْمَعْزِ لَا يَجْزِي ، وَاخْتُصَّ أَبُو بُرْدَةَ ، وَعُقْبَةُ بِالرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ زَعَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ شَارَكُوا عُقْبَةَ ، وَأَبَا بُرْدَةَ فِي ذَلِكَ ، وَالْمُشَارَكَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي مُطْلَقِ الْإِجْزَاءِ لَا فِي خُصُوصِ مَنْعِ الْغَيْرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فِيهِمْ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ إِلَّا مُطْلَقُ الْإِعَادَةِ لِكَوْنِهِ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ : اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ فَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَإِنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَجْزِي عَنْكَ ، قَالَ : إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً ، فَقَالَ : تَجْزِي عَنْكَ وَلَا تَجْزِي بَعْدُ ، فَلَمْ يَثْبُتِ الْإِجْزَاءُ لِأَحَدٍ وَنَفْيُهُ عَنِ الْغَيْرِ إِلَّا لِأَبِي بُرْدَةَ ، وَعُقْبَةَ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ الَّذِي قَدَّمْتُهُ فَحَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ أَصَحُّ مَخْرَجًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْفَاكِهِيُّ : يَنْبَغِي النَّظَرُ فِي اخْتِصَاصِ أَبِي بُرْدَةَ بِهَذَا الْحُكْمِ وَكَشْفِ السِّرِّ فِيهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ : إِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ فَاسْتُثْنِيَ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ عُلِمَ مِنْ طَاعَتِهِ وَخُلُوصِ نِيَّتِهِ مَا مَيَّزَهُ عَمَّنْ سِوَاهُ . قُلْتُ : وَفِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَابِقًا لَامْتَنَعَ وُقُوعُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ لِغَيْرِهِ ، وَالْفَرْضُ ثُبُوتُ الْإِجْزَاءِ لِعَدَدٍ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الْمَعْزِ لَا يَجْزِي وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَصَاحِبِهِ الْأَوْزَاعِيِّ يَجُوزُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ شَاذٌّ أَوْ غَلَطٌ ، وَأَغْرَبَ عِيَاضٌ فَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ ، قِيلَ وَالْإِجْزَاءُ مُصَادِرٌ لِلنَّصِّ وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ، وَيَكُونُ مَعْنَى نَفْيِ الْإِجْزَاءِ عَنْ غَيْرِ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ وَجَدَ ، وَأَمَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : إِنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ ، لَكِنْ حَكَى غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالزُّهْرِيِّ أَنَّ الْجَذَعَ لَا يَجْزِي مُطْلَقًا سَوَاءً كَانَ مِنَ الضَّأْنِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَعَزَاهُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَأَطْنَبَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا مُقَيَّدًا بِمَنْ لَمْ يَجِدْ ، وَقَدْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ : لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ لَكِنْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى الْأَفْضَلِ ، وَالتَّقْدِيرُ يُسْتَحَبُّ لَكُمْ أَنْ لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ فَاذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ ، قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَنْعِ الْجَذَعَةِ مِنَ الضَّأْنِ وَأَنَّهَا لَا تَجْزِي ، قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، لِأَنَّ الْجُمْهُورَ يُجَوِّزُونَ الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَعَدَمِهِ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَالزُّهْرِيُّ يَمْنَعَانِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَعَدَمِهِ ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ . قُلْتُ : وَيَدُلُّ لِلْجُمْهُورِ الْأَحَادِيثُ الْمَاضِيَةُ قَرِيبًا ، وَكَذَا حَدِيثُ أُمِّ هِلَالِ بِنْتِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهَا رَفَعَهُ : يَجُوزُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَحَدِيثُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ مُجَاشِعٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْجَذَعَ يُوَفِّي مَا يُوَفِّي مِنْهُ الثَّنِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ ، بَلْ وَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ ، وَحَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَذَعٍ مِنَ الضَّأْنِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : نِعْمَتِ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعَةُ مِنَ الضَّأْنِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ . وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِإِجْزَاءِ الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ - فِي سِنِّهِ عَلَى آرَاءٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ مَا أَكْمَلَ سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، ثَانِيهَا نِصْفَ سَنَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ، ثَالِثُهَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ ، رَابِعُهَا سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ وَكِيعٍ ، خَامِسُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ شَابَّيْنِ فَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ سَنَةٍ أَوْ بَيْنَ هَرَمَيْنِ فَيَكُونُ ابْنَ ثَمَانِيَةٍ ، سَادِسُهَا ابْنُ عَشْرٍ ، سَابِعُهَا لَا يَجْزِي حَتَّى يَكُونَ عَظِيمًا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَقَالَ : إِنَّهُ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ ، كَذَا قَالَ ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ إِنَّهُ إِذَا كَانَتْ عَظِيمَةً بِحَيْثُ لَوِ اخْتَلَطَتْ بِالثَّنِيَّاتِ اشْتَبَهَتْ عَلَى النَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ أَجْزَأَتْ ، وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ : لَوْ أَجْذَعَ قَبْلَ السَّنَةِ أَيْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ أَجْزَأَ كَمَا لَوْ تَمَّتِ السَّنَةُ قَبْلَ أَنْ يُجْذِعَ وَيَكُونَ ذَلِكَ كَالْبُلُوغِ إِمَّا بِالسِّنِّ وَإِمَّا بِالِاحْتِلَامِ ، وَهَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ : الْجَذَعُ مَا اسْتَكْمَلَ السَّنَةَ أَوْ أَجْذَعَ قَبْلَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ ( فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ ) أَيْ وَلَيْسَ أُضْحِيَّةً ( وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ ) أَيْ عِبَادَتُهُ ( وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ ) أَيْ طَرِيقَتَهُمْ . هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَقَعَ بَعْدَ قِصَّةِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ ، وَالَّذِي فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ زُبَيْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَعَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَأَنَّ خِطَابَ أَبِي بُرْدَةَ بِمَا وَقَعَ لَهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلَفْظُهُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَقَالَ : إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا ، فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ : مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا نُسُكَ لَهُ ؟ فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْحُكْمِ فِي هَذَا قَرِيبًا فِي بَابِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى مَنِ التَزَمَ الْأُضْحِيَّةَ فَأَفْسَدَ مَا يُضَحِّي بِهِ ، وَرَدَّهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَتَعَرَّضَ إِلَى قِيمَةِ الْأُولَى لِيُلْزَمَ بِمِثْلِهَا ، فَلَمَّا لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِعَادَةِ كَانَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ ، وَفِيهِ بَيَانُ مَا يَجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةِ ، لَا عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الْأَحْكَامِ إِنَّمَا هُوَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنَّهُ قَدْ يَخُصُّ بَعْضَ أُمَّتِهِ بِحُكْمٍ وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَأَنَّ خِطَابَهُ لِلْوَاحِدِ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ حَتَّى يَظْهَرَ دَلِيلُ الْخُصُوصِيَّةِ ، لِأَنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِأَبِي بُرْدَةَ ضَحِّ بِهِ أَيْ بِالْجَذَعِ ، وَلَوْ كَانَ يُفْهَمُ مِنْهُ تَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لَمَا احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقُولَ لَهُ : وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَةُ ذَلِكَ قَطْعَ إِلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لَا أَنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ وَهُوَ قَوِيٌّ . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : اذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى ، وَفِي لَفْظٍ : أَعِدْ نُسُكًا ، وَفِي لَفْظٍ : ضَحِّ بِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْأَمْرِ بِالْأُضْحِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : وَلَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَهَا أَوْ مَنْ أَوْقَعَهَا عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ خَطَأً أَوْ جَهْلًا ، فَبَيَّنَ لَهُ وَجْهَ تَدَارُكِ مَا فَرَطَ مِنْهُ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ أَيْ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُ الْقُرْبَةِ وَلَا الثَّوَابُ ، كَمَا يُقَالُ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ : لَا تَجْزِي إِلَّا بِطَهَارَةٍ وَسِتْرِ عَوْرَةٍ ، قَالَ : وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِلْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّا نَقُولُ بِمُوجَبِهِ ، وَيَلْزَمُهُمُ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ وَاجِبَةً وَلَا سَبِيلَ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ لِلْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي فِيهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ أَحْكَامَ النَّحْرِ . وَفِيهِ جَوَازُ الِاكْتِفَاءِ فِي الْأُضْحِيَّةِ بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنِ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلُ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ : يُكْرَهُ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَحَّى بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ عَنِ اثْنَيْنِ ، وَادَّعَى نَسْخَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي فِي بَابِ مَنْ ذَبَحَ ضَحِيَّةَ غَيْرِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ : وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَلَ وَإِنْ وَافَقَ نِيَّةً حَسَنَةً لَمْ يَصِحَّ إِلَّا إِذَا وَقَعَ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ . وَفِيهِ جَوَازُ أَكْلِ اللَّحْمِ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ غَيْرِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ لِقَوْلِهِ : إِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ . وَفِيهِ كَرَمُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِكَوْنِهِ شَرَعَ لِعَبِيدِهِ الْأُضْحِيَّةَ مَعَ مَا لَهُمْ فِيهَا مِنَ الشَّهْوَةِ بِالْأَكْلِ وَالِادِّخَارِ وَمَعَ ذَلِكَ فَأَثْبَتَ لَهُمُ الْأَجْرَ فِي الذَّبْحِ ، ثُمَّ مَنْ تَصَدَّقَ أُثِيبَ وَإِلَّا لَمْ يَأْثَمْ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ عُبَيْدَةُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَتَابَعَهُ وَكِيعٌ ، عَنْ حُرَيْثٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ) قُلْتُ : أَمَّا عُبَيْدَةُ فَهُوَ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ مُعَتِّبٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِهَا بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ الضَّبِّيُّ ، وَرِوَايَتُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ يَعْنِي عَنِ الْبَرَاءِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِبْرَاهِيمُ فَيَعْنِي النَّخَعِيَّ ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ مُنْقَطِعٌ ، وَلَيْسَ لِعُبَيْدَةَ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ حُرَيْثٍ وَهُوَ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي مَطَرٍ وَاسْمُهُ عَمْرٌو الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ وَمَا لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ حُرَيْثٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ خَالَهُ سَأَلَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : عِنْدِي جَذَعَةٌ مِنَ الْمَعْزِ أَوْفَى مِنْهَا ، وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْإِفْرَادِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُوسَى تَفَرَّدَ بِهَذَا عَنْ حُرَيْثٍ وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ : قَالَ : فَعِنْدِي جَذَعَةُ مَعْزٍ سَمِينَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَاصِمٌ ، وَدَاوُدُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ ) أَمَّا عَاصِمٌ فَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْبَرَاءِ بِلَفْظِ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ نَحْرٍ فَقَالَ : لَا يُضَحِّيَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ . فَقَالَ رَجُلٌ : عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ - وَقَالَ فِي آخِرِهِ - وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ . وَأَمَّا دَاوُدُ فَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ فَوَصَلَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْبَرَاءِ بِلَفْظِ : إِنَّ خَالَهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ وَفِيهِ : لِأُطْعِمُ أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْلَ دَارِي ، فَقَالَ : أَعِدْ نُسُكًا . فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ ، قَالَ : هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ ، وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ زُبَيْدٌ ، وَفِرَاسٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : عِنْدِي جَذَعَةٌ ) أَمَّا رِوَايَةُ زُبَيْدٍ وَهُوَ بِالزَّايِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّر فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَوَّلِ الْأَضَاحِيِّ كَذَلِكَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ فِرَاسٍ وَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ابْنِ يَحْيَى فَوَصَلَهَا أَيْضًا الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنَاقُ جَذَعَةٍ ) هُوَ بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا ، وَرِوَايَةُ مَنْصُورٍ هَذِهِ وَهُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ عَنْهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي الْعِيدَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ( عَنَاقُ جَذَعٍ ، عَنَاقُ لَبَنٍ ) يَعْنِي أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْبَرَاءِ بِاللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا لَفْظَ عَاصِمٍ وَمَنْ تَابَعَهُ وَلَفْظَ مَنْصُورٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَقَدْ وَصَلَ الْمُؤَلِّفُ رِوَايَةَ ابْنِ عَوْنٍ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بُرْدَةَ ضَحِّ بِالْجَذَعِ مِنْ الْمَعَزِ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ · ص 15 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي لأبى بردة ضح بالجذع من المعز ولن تجزي عن أحد بعدك · ص 151 باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبى بردة : ضح بالجذع من المعز ، ولن تجزي عن أحد بعدك . أي هذا باب في بيان قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بردة بن نيار : ضح بالجذع ، قال صلى الله تعالى عليه وسلم له في حديث الباب الذي أخرجه ، عن البراء بن عازب على ما يأتي الآن ، وقال له أيضا : ولن تجزي عن أحد بعدك ، أراد به أنه مخصوص بذلك كما ذكرنا . 12 - حدثنا مسدد ، حدثنا خالد بن عبد الله ، حدثنا مطرف ، عن عامر ، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : ضحى خال لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : شاتك شاة لحم ، فقال : يا رسول الله ، إن عندي داجنا جذعة من المعز ، قال : اذبحها ولن تصلح لغيرك ، ثم قال : من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه ، وأصاب سنة المسلمين . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومطرف بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء وبالفاء ، ابن طريف الحارثي ، وعامر هو الشعبي ، وأخرج البخاري حديث البراء هذا في مواضع كثيرة في العيدين أيضا عن آدم ، وعن سليمان بن حرب ، وفي العيدين ، وفي الأضاحي ، عن بندار ، عن غندر ، وفي العيدين عن أبي نعيم وغيرهما ، ومضى الكلام فيها . قوله ( فقال له أبو بردة ) بضم الباء الموحدة ، واسمه هانئ البلوي من حلفاء الأنصار ، وشهد العقبة وبدرا والمشاهد ، وعاش إلى سنة خمس وأربعين ، وله في البخاري حديث سيأتي في الحدود . قوله ( شاة لحم ) أي : ليست بأضحية ، بل هو لحم ينتفع به كما وقع في رواية زبيد : فإنما هو لحم يقدمه لأهله ، وفي رواية مسلم قال : شيء عجلته لأهلك ، قيل : في إضافة شاة لحم إشكال ؛ لأنها ليست من الإضافة اللفظية ، وهي إضافة اسم الفاعل أو الصفة المشبهة إلى معمولها كضارب زيد ، وحسن الوجه ، ولا هي من أنواع الإضافة المعنوية ، وهي الإضافة بمعنى من كخاتم فضة ، وبمعنى اللام كغلام زيد ، وبمعنى في كمكر الليل ، وأجيب بأن أبا بردة لما اعتقد أن شاته أضحية أجاب صلى الله عليه وسلم بقوله : شاة لحم ، موضع شاة غير أضحية . قلت : هذا جواب غير مقنع لظهور الإشكال فيه وبقائه أيضا ، ويمكن أن يقال : إن الإضافة فيه بمعنى اللام ، التقدير شاة واقعة لأجل لحم ينتفع به لا لأجل أضحية لوقوع ذبحها في غير وقتها . قوله ( داجنا ) الداجن بكسر الجيم الشاة التي تألف البيوت وتستأنس ، وليس لها سن معين ، قيل : إنما لم يدخل التاء في داجن ؛ لأن الشاة مما يفرق بين جنسه ، وواحده بالتاء ، فتأنيثه وتذكيره يظهر بالوصف ، ورد هذا بأن هذا التقدير لا يصح هنا ؛ لأن قوله ( جذعة ) بالنصب عطف بيان للداجن ، وهي للمؤنث ، فيلزم أن يكون مذكرا ومؤنثا ، والجواب الموجه أن يقال : الداجن صار اسما لما يألف البيوت ، واضمحل معنى الوصفية عنه ، فاستوى فيه المذكر والمؤنث .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي لأبى بردة ضح بالجذع من المعز ولن تجزي عن أحد بعدك · ص 152 تابعه عبيدة ، عن الشعبي ، وإبراهيم . أي تابع مطرفا عبيدة بضم العين وفتح الموحدة ، ابن معتب بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر التاء المثناة من فوق المشددة ، الضبي ، في روايته ، عن عامر الشعبي ، عن البراء بن عازب بهذه القصة ، وليس لعبيدة في البخاري إلا هذا الموضع الواحد . قوله ( وإبراهيم ) أي : وتابعه أيضا عن إبراهيم النخعي ، عن البراء ، وهو منقطع ؛ لأن إبراهيم لم يلق أحدا من الصحابة ، قال ابن المديني : فأدخل على عائشة ، وهو صبي ولم يسمع منها شيئا ، وقال أبو حاتم : وأدرك أنسا ولم يسمع منه ، وكان يحيى يقول : مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي لأبى بردة ضح بالجذع من المعز ولن تجزي عن أحد بعدك · ص 152 وتابعه وكيع ، عن حريث ، عن الشعبي . أي تابع عبيدة في رواية عن الشعبي - وكيع ، عن حريث ، مصغر الحرث أي الزرع ، ابن أبي مطر ، واسمه عمرو الأسدي الكوفي الحناط بالنون ، قال ابن معين : لا شيء ، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، بابه عبيدة الضبي ، وعبد الأعلى الخزاز ونظرائهما ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال البخاري : فيه نظر ، واستشهد به هاهنا ، وروى له الترمذي ، وابن ماجه ، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع ، وهذا التعليق وصله أبو الشيخ في كتاب الأضاحي من طريق سهل بن عثمان العسكري ، عن وكيع ، عن حريث ، عن الشعبي ، عن البراء أن خاله سأله ، فذكر الحديث .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي لأبى بردة ضح بالجذع من المعز ولن تجزي عن أحد بعدك · ص 152 وقال عاصم ، وداود ، عن الشعبي : عندي عناق لبن . أي قال عاصم بن سليمان الأحول ، وداود بن أبي هند ، عن عامر الشعبي في روايته ، عن البراء : عناق لبن . العناق بفتح العين المهملة ، وتخفيف النون ، الأنثى من ولد المعز ، وقال ابن بطال : العناق من المعز ابن خمسة أشهر أو نحوها ، وقال الكرماني : العناق من أولاد المعز ذات سنة أو قريب منها ، وأضيف إلى اللبن إشارة إلى صغرها قريبة من الرضاع ، وقال الداودي : العناق هي التي استحقت أن تحمل ، وإنها تطلق على الذكر والأنثى ، وإنه بين بقوله لبن أنها أنثى ، وقال ابن التين : غلط في نقل اللغة ، وفي تأويل الحديث ، فإن معنى عناق لبن أنها صغيرة ترضع أمها ، أما تعليق عاصم فقد وصله مسلم ، حدثني أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي ، حدثنا أبو النعمان عارم بن الفضل ، حدثنا عبد الواحد ، يعنى ابن زياد ، حدثنا عاصم الأحول ، عن الشعبي ، عن البراء بن عازب قال : حدثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في يوم النحر ، وقال : لا يضحين أحد حتى يصلي ، قال رجل : عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم ، قال : فضح بها ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك . وأما تعليق داود فقد وصله مسلم أيضا ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن الشعبي ، عن البراء بن عازب قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فقال : لا يذبحن أحد حتى يصلي ، فقال خالي : يا رسول الله ، إن هذا يوم ، النحر فيه مكروه ، وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعد نسكا ، فقال : يا رسول الله ، إن عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم ، فقال : هي خير نسيكتك ، ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي لأبى بردة ضح بالجذع من المعز ولن تجزي عن أحد بعدك · ص 153 وقال زبيد ، وفراس ، عن الشعبي : عندي جذعة . زبيد بضم الزاي ، وفتح الباء الموحدة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالدال المهملة ، ابن الحارث اليامي بالياء آخر الحروف والميم ، وفراس بكسر الفاء ، وتخفيف الراء ، وبالسين المهملة ، ابن يحيى الكوفي . أما تعليق زبيد فقد وصله البخاري في أول الأضاحي كذلك ، وأما تعليق فراس فوصله البخاري أيضا في باب من ذبح قبل الصلاة أعاد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي لأبى بردة ضح بالجذع من المعز ولن تجزي عن أحد بعدك · ص 153 وقال أبو الأحوص ، حدثنا منصور : عناق جذعة . أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي ، ومنصور هو ابن المعتمر . قوله ( عناق ) بالتنوين ، وكذلك جذعة بالتنوين عطف بيان ، وهذا التعليق وصله البخاري عن منصور ، عن الشعبي ، عن البراء في العيدين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي لأبى بردة ضح بالجذع من المعز ولن تجزي عن أحد بعدك · ص 153 وقال ابن عون : عناق جذع عناق لبن . ابن عون هو عبد الله بن أرطبان البصري . قوله ( عناق جذع عناق لبن ) يعني أن في رواية ابن عون ، عن الشعبي ، عن البراء باللفظين جميعا ، وعناق جذع صفة وموصوف ، وعناق لبن مضاف ومضاف إليه ، ووصله البخاري في كتاب الأيمان والنذور من طريق معاذ بن معاذ باللفط المذكور ، وقيل : قال عناق تارة وجذعة تارة ، وجمع بينهما تارة ، وأجيب : لا منافاة بينهما إذ المراد بالجذعة ما هو من المعز ، والعناق أيضا ولد المعز ، ويشترط فيهما عدم بلوغهما إلى حد النزوان ، وقيل أيضا : قال مرة جذع مذكر ، وتارة جذعة مؤنث ، وأجيب بأن الجذعة للواحدة أو أراد بالجذع الجنس .