بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 74 ) كِتَاب الْأَشْرِبَةِ 1 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 5575 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ . قَوْلُهُ : ( كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ ) وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ ، الْآيَةَ ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ إِلَى الْمُفْلِحُونَ كَذَا ذَكَرَ الْآيَةَ وَأَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ مِنْهَا مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ فَيُنْظَرُ فِي حُكْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا ثُمَّ فِي الْآدَابِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّرْبِ ، فَبَدَأَ بِتَبْيِينِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا لَقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَلَالِ ، فَإِذَا عُرِفَ مَا يَحْرُمُ كَانَ مَا عَدَاهُ حَلَالًا ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ الْوَقْتَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ وَأَنَّهُ كَانَ فِي عَامِ الْفَتْحِ قَبْلَ الْفَتْحِ ، ثُمَّ رَأَيْتُ الدِّمْيَاطِيَّ فِي سِيرَتِهِ جَزَمَ بِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كَانَ سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَالْحُدَيْبِيَةُ كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَانَ فِي وَاقِعَةِ بَنِي النَّضِيرِ ، وَهِيَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ عَلَى الرَّاجِحِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَنَسًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ كَانَ السَّاقِيَ يَوْمَ حُرِّمَتْ ، وَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْمُنَادِيَ بِتَحْرِيمِهَا بَادَرَ فَأَرَاقَهَا ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ لَكَانَ أَنَسٌ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفُ لَمَّحَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ فِي نُزُولِهَا ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ شَرِبُوا ، فَلَمَّا ثَمِلَ الْقَوْمُ عَبِثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ ، فَلَمَّا أَنْ صَحَوْا جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ الْأَثَرَ فَيَقُولُ : صَنَعَ هَذَا أَخِي فُلَانٌ ، وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ ، فَيَقُولُ : وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَحِيمًا مَا صَنَعَ بِي هَذَا ، حَتَّى وَقَعَتْ فِي قُلُوبِهِمُ الضَّغَائِنُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ - إِلَى - مُنْتَهُونَ قَالَ فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ : هِيَ رِجْسٌ ، وَهِيَ فِي بَطْنِ فُلَانٍ وَقَدْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا - إِلَى - الْمُحْسِنِينَ ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا مَضَى فِي الْمَائِدَةِ ، وَوَقَعَتْ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ نَاسٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ . وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ نَحْوَ الْأَوَّلِ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمْ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ : يُسْتَفَادُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَسْمِيَتِهَا رِجْسًا . وَقَدْ سُمِّيَ بِهِ مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمِنْ قَوْلُهُ : مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّ مَهْمَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ حَرُمَ تَنَاوُلُهُ ، وَمِنَ الْأَمْرِ بِالِاجْتِنَابِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ وَمَا وَجَبَ اجْتِنَابُهُ حَرُمَ تَنَاوُلُهُ ، وَمِنَ الْفَلَاحِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الِاجْتِنَابِ ، وَمِنْ كَوْنِ الشُّرْبِ سَبَبًا لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاطِي مَا يُوقِعُ ذَلِكَ حَرَامٌ ، وَمِنْ كَوْنِهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ، وَمِنْ خِتَامِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ؟ فَإِنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ لَمَّا سَمِعَهَا : انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا . وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ مَشَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا : حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَجُعِلَتْ عِدْلًا لِلشِّرْكِ قِيلَ : يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ الْآيَةَ ، فَإِنَّ الْأَنْصَابَ وَالْأَزْلَامَ مِنْ عَمَلِ الْمُشْرِكِينَ بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ ، فَنُسِبَ الْعَمَلُ إِلَيْهِ . قَالَ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ فِيهَا أَنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهَا عَادَلَتْ قَوْلَهُ - تَعَالَى - : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَدَلَّ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ : فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ فَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْخَمْرِ إِثْمًا كَبِيرًا ثُمَّ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِ الْإِثْمِ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْخَمْرَ تُسَمَّى الْإِثْمُ لَمْ نَجِدُ لَهُ أَصْلًا فِي الْحَدِيثِ وَلَا فِي اللُّغَةِ ، وَلَا دَلَالَةَ أَيْضًا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ : شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي كَذَاكَ الْإِثْمُ يَذْهَبُ بِالْعُقُولِ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْإِثْمَ عَلَى الْخَمْرِ مَجَازًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهَا الْإِثْمُ . وَاللُّغَةُ الْفُصْحَى تَأْنِيثُ الْخَمْرِ ، وَأَثْبَتَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا جَوَازَ التَّذْكِيرِ ، وَيُقَالُ لَهَا الْخَمْرَةُ أَثْبَتَهُ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمُ الْجَوْهَرِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي الْمُثَلَّثِ : الْخَمْرَةُ هِيَ الْخَمْرُ فِي اللُّغَةِ ، وَقِيلَ : سُمِّيَتِ الْخَمْرُ لِأَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ وَتُخَامِرُهُ أَيْ تُخَالِطُهُ ، أَوْ لِأَنَّهَا هِيَ تُخَمَّرُ أَيْ تُغَطَّى حَتَّى تَغْلِي ، أَوْ لِأَنَّهَا تَخْتَمِرُ أَيْ تُدْرِكُ كَمَا يُقَالُ لِلْعَجِينِ اخْتَمَرَ ، أَقْوَالٌ سَيَأْتِي بَسْطُهَا عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثٌ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ قَوْلُهُ : ( مَنْ شَرِبَ الْخَمْرُ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ ) حُرِمَهَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ مِنَ الْحِرْمَانِ ، زَادَ مُسْلِمٌ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِهِ : لَمْ يُسْقَهَا ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : فَمَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَأَوْرَدَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُسْتَقِلَّةً أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي بَابِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَسَلِ وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ بَطَّالٍ فِيهَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ . وَقَوْلُهُ : ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا ، أَيْ مِنْ شُرْبِهَا ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَالْبَغْوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، لِأَنَّ الْخَمْرَ شَرَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا حُرِّمَ شُرْبُهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى حِرْمَانِ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ أَنْهَارَ الْخَمْرِ لَذَّةٌ لِلشَّارِبِينَ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ . فَلَوْ دَخَلَهَا - وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ فِيهَا خَمْرًا أَوْ أَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَةً لَهُ - لَزِمَ وُقُوعُ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ فِي الْجَنَّةِ ، وَلَا هَمَّ فِيهَا وَلَا حُزْنَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُودِهَا فِي الْجَنَّةِ وَلَا أَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَةً لَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي فَقْدِهَا أَلَمٌ ، فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ : إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَصْلًا ، قَالَ : وَهُوَ مَذْهَبٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ، قَالَ : وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِيهَا إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ فِي الْمَشِيئَةِ ، فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى الْحَدِيثِ : جَزَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يُحْرَمَهَا لِحِرْمَانِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ : وَجَائِزٌ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ بِالْعَفْوِ ثُمَّ لَا يَشْرَبُ فِيهَا خَمْرًا وَلَا تَشْتَهِيهَا نَفْسُهُ وَإِنْ عَلِمَ بِوُجُودِهَا فِيهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسهُ هُوَ ، قُلْتُ : أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَقَرِيبٌ مِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ : مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، وَقَدْ لَخَّصَ عِيَاضٌ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَزَادَ احْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحِرْمَانِهِ شُرْبَهَا أَنَّهُ يُحْبَسُ عَنِ الْجَنَّةِ مُدَّةً إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ ، وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ . قَالَ : وَمَنْ قَالَ لَا يَشْرَبُهَا فِي الْجَنَّةِ بِأَنْ يَنْسَاهَا أَوْ لَا يَشْتَهِيهَا يَقُولُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَسْرَةٌ وَلَا يَكُونُ تَرْكُ شَهْوَتِهِ إِيَّاهَا عُقُوبَةً فِي حَقِّهِ ، بَلْ هُوَ نَقْصُ نَعِيمٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ هُوَ أَتَمُّ نَعِيمًا مِنْهُ كَمَا تَخْتَلِفُ دَرَجَاتُهُمْ ، وَلَا يُلْحَقُ مَنْ هُوَ أُنْقَصُ دَرَجَةً حِينَئِذٍ بِمَنْ هُوَ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا أُعْطِيَ وَاغْتِبَاطًا لَهُ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : ظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِيهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أُمِرَ بِتَأْخِيرِهِ وَوُعِدَ بِهِ فَحُرِمَهُ عِنْدَ مِيقَاتِهِ ، كَالْوَارِثِ فَإِنَّهُ إِذَا قَتَلَ مُوَرِّثَهُ فَإِنَّهُ يُحْرَمُ مِيرَاثُهُ لِاسْتِعْجَالِهِ . وَبِهَذَا قَالَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ احْتِمَالٍ وَمَوْقِفُ إِشْكَالٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ . وَفَصَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ مَنْ يَشْرَبُهَا مُسْتَحِلًّا فَهُوَ الَّذِي لَا يَشْرَبُهَا أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَصْلًا ، وَعَدَمُ الدُّخُولِ يَسْتَلْزِمُ حِرْمَانَهَا ، وَبَيْنَ مَنْ يَشْرَبُهَا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهَا فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ ، وَهُوَ الَّذِي يُحْرَمُ شُرْبَهَا مُدَّةً وَلَوْ فِي حَالِ تَعْذِيبِهِ إِنْ عُذِّبَ ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ إِنْ جُوزِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّوْبَةَ تُكَفِّرُ الْمَعَاصِيَ الْكَبَائِرَ ، وَهُوَ فِي التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ قَطْعِيٌّ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الذُّنُوبِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ هَلْ هُوَ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْأَقْوَى أَنَّهُ ظَنِّيٌّ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَنِ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الصَّادِقِينَ قَطْعًا . وَلِلتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ شُرُوطٌ سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ . وَفِيهِ أَنَّ الْوَعِيدَ يَتَنَاوَلُ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُ لَهُ السُّكْرُ ، لِأَنَّهُ رَتَّبَ الْوَعِيدَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مُجَرَّدِ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْخَمْرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَكَذَا فِيمَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا ، وَأَمَّا مَا لَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا فَالْأَمْرُ فِيهِ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلُهُ : ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا أَنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْغَرْغَرَةِ ، لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ثُمَّ مِنَ التَّرَاخِي ، وَلَيْسَ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّوْبَةِ شَرْطًا فِي قَبُولِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ · ص 33 عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 162 بسم الله الرحمن الرحيم . كتاب الأشربة أي هذا كتاب في بيان أحكام الأشربة ، ما يحرم من ذلك وما يباح ، وهي جمع شراب ، وهو اسم لما يشرب ، وليس بمصدر ؛ لأن المصدر هو الشرب بتثليث الشين ، يقال : شرب الماء وغيره شربا وشربا وشربا ، وقرئ : فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ بالوجوه الثلاثة قال أبو عبيدة : الشرب بالفتح مصدر ، وبالخفض والضم اسمان من شرب . وقول الله تعالى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقول الله بالجر عطف على الأشربة المجرورة بالإضافة ، والآية بتمامها مذكورة في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر إلى قوله ( رجس ) الآية ، وأول الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية ، وذكر البخاري هذه الآية تمهيدا لما يذكره من الأحاديث التي وردت في الخمر ، وقد ذكرناها في سورة المائدة ، وسبب نزولها ما قال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت هذه الآية التي في البقرة يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت الآية التي في النساء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى فكان منادي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ينادي : أن لا يقرب الصلاة سكران ، فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت التي في المائدة ، فدعي عمر فقرئت عليه ، فلما بلغ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال عمر : انتهينا انتهينا . وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من طرق عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، وصحح هذا الحديث الترمذي ، وعلي بن المديني . قوله الْخَمْرِ اختلف أهل اللغة في اشتقاق اسم الخمر على ألفاظ قريبة المعاني ، فقيل : سميت خمرا لأنها تخمر العقل ، أي : تغطيه وتستره ، ومنه خمار المرأة لأنه يغطي رأسها ، وقيل : مشتقة من المخامرة وهي المخالطة ؛ لأنها تخالط العقل ، وقيل : سميت خمرا لأنها تركت حتى أدركت ، يقال خمر العجين ، أي بلغ إدراكه ، وقيل : سميت خمرا لتغطيتها الدماغ ، وقال أبو حنيفة : هي مؤنثة ، وقد ذكر ذلك الفراء ، وأنشد قول الأعشى : وكأن الخمر العتيق من الإسفنـ ـط ممزوجة ماء زلال وذكرها حيث قال : العتيق لإرادة الشراب ، ولها أسماء كثيرة ، وذكر صاحب التلويح ما يناهز تسعين اسما ، وذكر ابن المعتز مائة وعشرين اسما ، وذكر ابن دحية مائة وتسعين اسما . قوله وَالْمَيْسِرِ القمار ، وعن عطاء ، ومجاهد ، وطاوس : كل شيء من القمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز . وقال راشد بن سعيد ، وحمزة بن حبيب : حتى الكعاب ، والجوز ، والبيض التي يلعب بها الصبيان . وقال الزمخشري : الميسر القمار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما ، يقال : يسرته إذا قمرته ، واشتقاقه من اليسر ؛ لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير تعب ولا كد ، أو من اليسار لأنه يسلب يساره . قوله وَالأَنْصَابُ جمع نصب بضم الصاد وسكونها ، وهو حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه صنما ، فيعبدونه ، وقيل : كانوا ينصبونه ويذبحون عليه ، فيحمر بالدم . قوله وَالأَزْلامُ جمع زلم ، وهو بفتح الزاي ، وهي عبارة عن قداح ثلاثة على أحدها : أمرني ربي ، وعلى الآخر : نهاني ربي ، والثالث عطل ليس عليه شيء ، فإذا خرج الآمر فعله ، وإذا خرج الناهي تركه ، وإن طلع الفارغ أعاد الاستقسام ، وقيل : نعتت الخمر بأنها رجس ، أي نجسة وقذرة ، ولا عين توصف بذلك إلا وهي محرمة ، يدل على ذلك الميتة والدم والرجس قد ورد في كتاب الله عز وجل ، والمراد به الكفر ، قال الله تعالى : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ يعني الكفر ، ولا يصح أن يكون الرجس المذكور في آية الخمر يراد به الكفر ؛ لأن الأعيان لا يصح أن تكون إيمانا ولا كفرا ، ولأن الخمر لو كانت كفرا لوجب أن يكون العصير إيمانا ؛ لأن الكفر والإيمان طريقهما الاعتقاد والقول ، وإنما أطلق عليها الرجس لكونها أقوى في التحريم وأوكد عند العلماء ، وقد مر في التفسير بأبسط من هذا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 163 1 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث أخرجه مسلم في الأشربة أيضا ، عن القعنبي ، ويحيى بن يحيى ، فرقهما ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي الوليمة ، عن قتيبة ، وغيره . قوله ( حرمها ) بضم الحاء وكسر الراء المخففة على صيغة المجهول ، وهو متعد إلى المفعولين ؛ لأنه ضد أعطيت ، أي : لا يشربها كما قال تعالى : وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ فإن قلت : المعصية لا توجب حرمان الجنة . قلت : يدخلها ولا يشرب من نهرها ، فإنها من فاخر شراب أهلها . فإن قلت : فيها كل ما تشتهي الأنفس . قلت : قيل : إنه ينسى شهوتها ، وقيل : لا يشتهيها وإن ذكرها ، وقال القرطبي : ظاهر الحديث تأبيد التحريم ، فإن دخل الجنة شرب من جميع أشربتها إلا الخمر ، ومع ذلك فلا يتألم لعدم شربها ، ولا يحسد من يشربها ، ويكون حاله كحال أصحاب المنازل في الخفض والرفعة ، فكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه لا يشتهيها أيضا ، وليس ذلك بعقوبة له ، قال تعالى : وَنَـزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا وقيل : إنه يعذب في النار ، فإذا خرج من النار بالرحمة أو بالشفاعة ودخل الجنة لم يحرم شيئا . وكذا قولنا في لبس الحرير والشرب في آنية الذهب والفضة ، وقال أبو عمر : قال بعض من تقدم : إن من شرب الخمر ثم لم يتب منها لم يدخل الجنة ، وهو مذهب غير مرضي عندنا إلا إذا كان على القطع في إنفاذ الوعيد ، ومحمله عندنا أنه لا يدخل الجنة إلا أن يغفر الله له إذا مات غير تائب منها كسائر الكبائر ، وكذلك قولهم لم يشربها في الآخرة معناه عندنا إلا أن يغفر الله له فيدخل الجنة ويشربها ، وهو عندنا في المشيئة إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ، فإن عذبه بذنبه ثم أدخله الجنة برحمته لم يحرمها إن شاء الله عز وجل .