100 - بَاب يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ ، وَفِي الْكَعْبَةِ ، وَقَالَ : إِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ 509 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى ، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ ، فَقَالَ : مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ يَرُدُّ الْمُصَلِّي مِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ) أَيْ : سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَمْ غَيْرَهُ . قولُهُ : ( وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ ) أَيْ : رَدَّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي حَالِ التَّشَهُّدِ ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعِنْدَهُمَا أَنَّ الْمَارَّ الْمَذْكُورَ هُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْكَعْبَةِ ) قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ : وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : وَفِي الرَّكْعَةِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ الْجُمْهُورِ مُتَّجِهَةٌ ، وَتَخْصِيصُ الْكَعْبَةِ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يُتَخَيَّلَ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهَا الْمُرُورُ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ الْمُزَاحَمَةِ . وَقَدْ وَصَلَ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ بِذِكْرِ الْكَعْبَةِ فِيهِ أَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ يُبَادِرُهُ قَالَ : أَيْ : يَرُدُّهُ . قَوْلُهُ : ( إِنْ أَبَى ) أَيِ : الْمَارُّ ، ( إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَهُ ) أَيِ : الْمُصَلِّي ، ( قَاتَلَهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ . وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : ( إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ ) بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَةِ ، ( فَقَاتِلْهُ ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ . وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا ، وَقَدْ وَصَلَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي ، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِسِيَاقِ الْكُشْمِيهَنِيِّ . قَوْلُهُ : ( يُونُسُ ) هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ ، وَقَدْ قَرَنَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَتَهُ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَتَبَيَّنَ مِنْ إِيرَادِهِ أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ لَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا هُوَ لَفْظُ سُلَيْمَانَ أَيْضًا لَا لَفْظُ يُونُسَ ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ لَنَا ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ سَاقَ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بِعَيْنِهِ ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ مُغَايِرٌ لِلَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا ، وَلَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدُ الدَّفْعِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ . وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ سُلَيْمَ بْنَ حَيَّانَ تَابَعَ يُونُسَ ، عَنْ حُمَيْدٍ عَلَى عَدَمِ التَّقْيِيدِ . قُلْتُ : وَالْمُطْلَقُ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُصَلِّي إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِهَا ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ صَلَّى فِي مَشَارِعِ الْمُشَاةِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ وَإِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ . وَفِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهَا : وَلَوْ صَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ كَانَتْ وَتَبَاعَدَ مِنْهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ لِتَقْصِيرِهِ وَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ حِينَئِذٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ( تَنْبِيهٌ ) : ذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ شَيْئًا مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ ) وَقَعَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : بَيْنَمَا أَبُو سَعِيدٍ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَقْبَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَدَفَعَهُ ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَهُ هَذَا آخِرُ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ . وَفِي تَفْسِيرِ الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ الْوَلِيدُ هَذَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ . زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ ا هـ . وَمَرْوَانُ إِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَلَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ حِينَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ تَحَوَّلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ ، فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَلَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ خَالَفَهُ . وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ شَابًّا ، بَلْ كَانَ فِي عَشْرِ الْخَمْسِينَ فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ : فَأَقْبَلَ ابْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَيَتَّجِهُ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَقَالَ فِيهِ : إِذْ جَاءَ شَابٌّ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَيْضًا . وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَالَ فِيهِ : فَذَهَبَ ذُو قَرَابَةٍ لِمَرْوَانَ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَلَاءِ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، فَقَالَ فِيهِ : مَرَّ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : فَمَرَّ ابْنٌ لِمَرْوَانَ وَسَمَّاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى دَاوُدَ بْنَ مَرْوَانَ ، وَلَفْظُهُ : أَرَادَ دَاوُدُ بْنُ مَرْوَانَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَسْمِيَةِ الْمُبْهَمِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ دَاوُدُ بْنُ مَرْوَانَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ وَلَيْسَ مَرْوَانُ مِنْ بَنِيهِ ، بَلْ أَبُو مُعَيْطٍ ابْنُ عَمِّ وَالِدِ مَرْوَانَ ؛ لِأَنَّهُ أَبُو مُعَيْطِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، وَوَالِدُ مَرْوَانَ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَلَيْسَتْ أُمُّ دَاوُدَ وَلَا أُمُّ مَرْوَانَ وَلَا أُمُّ الْحَكَمِ مِنْ وَلَدِ أَبِي مُعَيْطٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَاوُدُ نُسِبَ إِلَى أَبِي مُعَيْطٍ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعَةِ ، أَوْ لِكَوْنِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ كَانَ أَخًا لِلْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ لِأُمِّهِ ، فَنُسِبَ دَاوُدُ إِلَيْهِ وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ تَعَدَّدَتْ لِأَبِي سَعِيدٍ مَعَ غَيْرِ وَاحِدٍ . فَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحَدِيثَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مَخْزُومِيٌّ مَا لَهُ مِنْ أَبِي مُعَيْطٍ نِسْبَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ مَمَرًّا . وَقَوْلُهُ : فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، أَيْ : أَصَابَ مِنْ عِرْضِهِ بِالشَّتْمِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ مَالِكٌ : وَلِابْنِ أَخِيكَ ؟ ) أَطْلَقَ الْأُخُوَّةَ بِاعْتِبَارِ الْإِيمَانِ ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمَارَّ غَيْرَ الْوَلِيدِ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ عُقْبَةَ قُتِلَ كَافِرًا ، وَاسْتَدَلَّ الرَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدَّفْعِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَسْلَكٌ غَيْرُهُ ، خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ . وَلِابْنِ الرِّفْعَةِ فِيهِ بَحْثٌ سَنُشِيرُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَلْيَدْفَعْهُ ) ، وَلِمُسْلِمٍ : فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ : بِالْإِشَارَةِ وَلَطِيفِ الْمَنْعِ . وَقَوْلُهُ : ( فَلْيُقَاتِلْهُ ) أَيْ : يَزِيدُ فِي دَفْعِهِ الثَّانِي أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ . قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ ، لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا وَالْخُشُوعِ فِيهَا ا هـ . وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَقِيقَةً ، وَاسْتَبْعَدَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ذَلِكَ فِي الْقَبَسِ ، وَقَالَ : الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ الْمُدَافَعَةُ . وَأَغْرَبَ الْبَاجِيُّ ، فَقَالَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ اللَّعْنَ أَوِ التَّعْنِيفَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّكَلُّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُبْطِلٌ ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يَلْعَنُهُ دَاعِيًا لَا مُخَاطِبًا ، لَكِنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ يُخَالِفُهُ ، وَهُوَ أَدْرَى بِالْمُرَادِ . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ : فَإِنْ أَبَى فَلْيَجْعَلْ يَدَهُ فِي صَدْرِهِ وَيَدْفَعْهُ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّفْعِ بِالْيَدِ . وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَاتَلَةِ دَفْعٌ أَشَدُّ مِنَ الدَّفْعِ الْأَوَّلِ ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ إِذَا تَعَيَّنَتْ فِي دَفْعِهِ ، وَبِنَحْوِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا ، فَقَالُوا : يَرُدُّهُ بِأَسْهَلِ الْوُجُوهِ ، فَإِنْ أَبَى فَبِأَشَدَّ ، وَلَوْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ . فَلَوْ قَتَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُ مُقَاتَلَتَهُ ، وَالْمُقَاتَلَةُ الْمُبَاحَةُ لَا ضَمَانَ فِيهَا . وَنَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ عِنْدَهُمْ خِلَافًا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ . وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَشْيُ مِنْ مَكَانِهِ لِيَدْفَعَهُ ، وَلَا الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي مُدَافَعَتِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْمُرُورِ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَرَّ وَلَمْ يَدْفَعْهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِعَادَةً لِلْمُرُورِ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا رَدَّهُ فَامْتَنَعَ وَتَمَادَى ، لَا حَيْثُ يُقَصِّرُ الْمُصَلِّي فِي الرَّدِّ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ هَذَا الدَّفْعِ ، بَلْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ . انْتَهَى . وَقَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِهِ أَهَّلُ الظَّاهِرِ ، فَكَأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُرَاجِعْ كَلَامَهُمْ فِيهِ أَوْ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ) أَيْ : فِعْلُهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّهُ أَبَى إِلَّا التَّشْوِيشَ عَلَى الْمُصَلِّي . وَإِطْلَاقُ الشَّيْطَانِ عَلَى الْمَارِدِ مِنَ الْإِنْسِ سَائِغٌ شَائِعٌ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى : شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّيْطَانِ عَلَى مَنْ يَفْتِنُ فِي الدِّينِ ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي دُونَ الْأَسْمَاءِ ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَصِيرَ الْمَارُّ شَيْطَانًا بِمُجَرَّدِ مُرُورِهِ . انْتَهَى . وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الشَّيْطَانِ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْجِنِّيِّ ، وَمَجَازًا عَلَى الْإِنْسِيِّ ، وَفِيهِ بَحْثٌ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : فَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْطَانُ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَإِنَّمَا معه الشَيْطَانُ وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ . وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ : فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : فَلْيُقَاتِلْهُ الْمُدَافَعَةُ اللَّطِيفَةُ لَا حَقِيقَةُ الْقِتَالِ ، قَالَ : لِأَنَّ مُقَاتَلَةَ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا هِيَ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالتَّسَتُّرِ عَنْهُ بِالتَّسْمِيَةِ وَنَحْوِهَا ، وَإِنَّمَا جَازَ الْفِعْلُ الْيَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ ، فَلَوْ قَاتَلَهُ حَقِيقَةَ الْمُقَاتَلَةِ لَكَانَ أَشَدَّ عَلَى صَلَاتِهِ مِنَ الْمَارِّ . قَالَ : وَهَلِ الْمُقَاتَلَةُ لِخَلَلٍ يَقَعُ فِي صَلَاةِ الْمُصَلِّي مِنَ الْمُرُورِ ، أَوْ لِدَفْعِ الْإِثْمِ عَنِ الْمَارِّ ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي . انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : بَلِ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ إِقْبَالَ الْمُصَلِّي عَلَى صَلَاتِهِ أَوْلَى لَهُ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِدَفْعِ الْإِثْمِ عَنْ غَيْرِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي يَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاتِهِ ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ : لَوْ يَعْلَمُ الْمُصَلِّي مَا يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا صَلَّى إِلَّا إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ . فَهَذَانِ الْأَثَرَانِ مُقْتَضَاهُمَا أَنَّ الدَّفْعَ لِخَلَلٍ يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْمُصَلِّي ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَارِّ ، وَهُمَا وَإِنْ كَانَا مَوْقُوفَيْنِ لَفْظًا فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الرَّفْعِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُمَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْي .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ · ص 693 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب يرد المصلي من مر بين يديه · ص 666 100 - باب يرد المصلي من مر بين يديه ورد ابن عمر في التشهد وفي الكعبة ، وقال : إن أبى إلا أن يقاتله قاتله رد ابن عمر في الكعبة قد ذكرناه في باب : السترة بمكة وغيرها . وأما رده في التشهد ، فقال أبو نعيم : ثنا فطر بن خليفة ، عن عمرو بن دينار ، قال : مررت بابن عمر بعد ما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يصنع ، فارتفع من مكانه فدفع في صدري . قال : وثنا جعفر بن برقان ، عن عمرو بن دينار ، قال : أردت أن أمر بين يدي ابن عمر وهو يصلي ، فانتهرني بتسبيحة . قال : وثنا بشير بن مهاجر ، قال : رأيت أنس بن مالك وهو جالس في صلاته لم ينصرف ، فجاء رجل يريد أن يمر بينه وبين السارية ، فأماطه . وروى ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، قال : انصرف الإمام من العصر ، فقمت أبادر مجلس عبيد بن عمير ، فمررت بين يدي ابن عمر وأنا لا أشعر ، فقال : سبحان الله ، سبحان الله - مرتين - وجثا على ركبتيه ، ومد يديه حتى ردني . وأما قول ابن عمر : إن أبى إلا أن تقاتله فقاتله . فقد خرجه عبد الرزاق في كتابه عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : لا تدع أحدا يمر بين يديك وأنت تصلي ، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله . وقد روي عن ابن عمر مرفوعا من رواية الضحاك بن عثمان ، عن صدقة بن يسار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإن معه القرين . خرجه مسلم . وفي رواية أخرى لابن ماجه : فإن معه العزى . وروى النضر بن كثير أبو سهل السعدي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا كنت تصلي فمر بين يديك أحد ، فرده ، فإن أبى فرده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنه شيطان . خرجه الدارقطني في المختلف والمؤتلف . وقال في النضر هذا : فيه نظر . وكذا قال أبو حاتم الرازي : شيخ فيه نظر . وكذا قال البخاري : فيه نظر . وقال في موضع آخر : عنده مناكير . وخرجه الطبراني في الأوسط ، وقال : تفرد به النضر بن كثير . ولفظه : فإن عاد الرابعة فقاتله . وخرجه البزار ، وقال : لا نعلم أسند قتادة عن نافع ، عن ابن عمر إلا هذا ، ولا رواه عن سعيد إلا النضر ، وهو بصري مشهور لا بأس به . وزعم ابن حبان : أنه يروي الموضوعات عن الثقات . فالله أعلم .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب يرد المصلي من مر بين يديه · ص 667 قال البخاري - رحمه الله - : 509 – حدثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث : ثنا يونس ، عن حميد بن هلال ، عن أبي صالح ، أن أبا سعيد قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم . وحدثنا آدم : ثنا سليمان بن المغيرة : ثنا حميد بن هلال العدوي : ثنا أبو صالح السمان ، قال : رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، فنظر الشاب فلم يجد مساغا إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز ، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى ، فنال من أبي سعيد ، ثم دخل على مروان ، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد ؟ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإنما هو شيطان سليمان بن المغيرة ، لم يخرج له البخاري إلا هذا الحديث متابعة لحديث يونس بن عبيد ، وإنما خرجه بعد إسناد حديث يونس ؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه . أما في إسناده ، ففيه : التصريح بسماع حميد له من أبي صالح ، وسماع أبي صالح له من أبي سعيد . وأما في المتن ، فإن فيه : ذكر الصلاة إلى السترة ، وليس هو في حديث يونس . وكذلك رواه سليم بن حيان ، عن حميد ، ولم يقل - أيضا - إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس . وحينئذ ؛ فلفظ الحديث الذي ساقه البخاري لسليمان بن المغيرة ، وحمل حديث يونس عليه ، ولم ينبه على ما في حديث سليمان من الزيادة . وقد نبه على ذلك الإسماعيلي . وكذلك روى مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، وليدرأه ما استطاع ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإنما هو شيطان . خرجه مسلم . وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد من رواية عطاء بن يسار وأبي الوداك . وروي - أيضا - من رواية عطاء بن يسار ، عنه . وليس في حديث أحد منهم ذكر الصلاة إلى السترة ، وإنما تفرد بذكرها سليمان بن المغيرة في حديثه عن حميد بن هلال . والله أعلم . وتابعه على ذكرها : ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه . وقد خرج حديثه أبو داود وابن ماجه . وليس ابن عجلان بذاك الحافظ . وتابعه - أيضا - : داود بن قيس ، عَن زيد بْن أسلم . خرج حديثه عبد الرزاق ، عنه ، بسياق مطول ، وفيه : أن أبا سعيد دفع الفتى حتى صرعه ، وأنه لما سأله مروان عن ذلك قال : ما فعلت ، إنما دفعت شيطانا ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أراد أن يمر بين يديك وبين سترتك أحد فاردده ، فإن أبى فاردده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنما هو شيطان . وخرج الإمام أحمد عن عبد الرزاق المرفوع منه خاصة . وخرج من حديث زهير ، عن زيد بن أسلم الحديث بنحو رواية مالك ، من غير ذكر سترة . وخرج مسلم حديث سليمان بن المغيرة : عن شيبان بن فروخ ، عنه ، وفي سياقه أشياء مخالفة لسياق البخاري . منها : أن أبا سعيد دفع في نحر الشاب مرتين ، وقال في الثانية : فمثل قائما ، فنال من أبي سعيد ، ثم زاحم الناس ، فخرج فدخل على مروان . وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فليدفع في نحره . وفيما فعله أبو سعيد : دليل على دفع المار بين المصلي وبين سترته ، وإن ازدحم الناس ، ولم يجد المار سبيلا سوى ذلك . ويدل عليه - أيضا - : قول النبي صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر . فإنه يدل على أن وقوفه أربعين ينتظر مسلكا يباح له المرور فيه خير له من المرور بين يدي المصلي ، وإن لم يجد طريقا غيره . وقد قال بعض الشافعية والمالكية وبعض أصحابنا : لا يكره المرور حينئذ ، ولا يمنع منه . قال أصحابنا : لكن يضع المار شيئا يمر من ورائه ، أو يخط خطا إذا لم يجد . وكلام أحمد وأكثر أصحابنا ليس فيه شيء من هذا ، وكذا كلام أكثر أصحاب الشافعي ، والرجوع إلى ما فهمه الصحابي من الحديث الذي رواه وعمل به مستدلا به أولى . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع . أمر بدفع المار ، ونهي عن تمكينه من المرور ، وظاهره الوجوب . وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه ، وأنه لا يعلم فيه خلافا ووقع في كلامه - أيضا - ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب ، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية وغيرهم . وروي عن سفيان الثوري ، أنه كان أحيانا لا يمنع المار بين يديه إذا كان فقيرا ، ويمنعه إذا كان جبارا . وروى أبو نعيم : ثنا سفيان ، عن داود ، عن الشعبي ، قال : إذا مر الرجل بين يديك وأنت تصلي فلا ترده . ولعله أراد إذا مر وذهب من بين يديه إلى الناحية الأخرى ، فإنه لا يرده من حيث جاء ، فإنه يصير مرورا ثانيا . وهذا قول الجمهور ، وخالف فيه بعض السلف ، منهم : ابن مسعود وسالم . وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع ، إذا كان للمار مندوحة عنه وكان المصلي قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته . وسيأتي مزيد بيان لذلك في الباب الآتي - إن شاء الله . وفي رواية سليمان بن المغيرة المخرجة في الصحيحين : إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يمر بين يديه ، فليدفعه : دليل من قبل مفهوم الشرط على أن من صلى إلى غير سترة فلا يرد من مر بين يديه ، وهو قول ابن المنذر وبعض أصحابنا . وأما أكثر أصحابنا فعندهم : أن رد المصلي لا يختص بمن كان يصلي إلى سترة ، بل يشترك فيه من صلى إلى سترة ومن صلى إلى غير سترة ومر بقربه مار . واستدلوا بعموم الأحاديث التي لَمْ يذكر فيها هذا الشرط ، وجعلوا هذه الرواية المذكور فيها الشرط من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، فلا يقتضي تخصيصه ، إلا أن يكون له مفهوم ، فيبني على أنه : هل يخص العموم بالمفهوم ، أم لا ؟ وأما الشافعية ، فقالوا : يحرم المرور بين يدي المصلي إلى سترة وبين سترته ، على الصحيح عندهم ، ومن صلى إلى غير سترة كره المرور بين يديه ، ولم يحرم . وهل يدفعه المصلي ؟ لهم فيه وجهان : أصحهما عندهم : لا يدفعه ؛ لمفهوم قوله : إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة . وقوله صلى الله عليه وسلم : فليدفعه ، وفي رواية مسلم : فليدفع في نحره ، وفي روايته : أن أبا سعيد دفع في نحر المار بين يديه ، وفي رواية البخاري : أنه دفع في صدره . وقد كان ابن عمر وغيره من الصحابة يدفعون المار بين أيديهم . ونقل أبو طالب ، عن أحمد ، وذكر حديث أبي سعيد هذا ، فقال أحمد : يمنعه ، فإن أبى عليه فهو في صلاته يدرأ عن نفسه ما استطاع . وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : رأيت أبا عبد الله - يعني : أحمد - إذا صلى فمر بين يديه أحد دفعه دفعا رفيقا ، فإن أبى إلا أن يمر دفعه دفعا شديدا . وقال أبو الحارث : أخبرني بعض أصحابنا ، أنه رأى أحمد يوم الجمعة يصلي في مسجد الجامع ، فمر بين يديه رجل فرده ، فأبى أن يرجع ، فدفعه حتى رمى به . وقال في رواية حنبل : إذا أراد أن يمر بين يديك رجل فامنعه ما قدرت . وقد دل فعل أبي سعيد على أن المار إذا أبى أن يرجع بالدفع الأول فإنه يدفع في المرة الثانية أشد من الدفع الأول ، وكذلك فعله الإمام أحمد . وأما قوله : فإن أبى فليقاتله ، إذن في قتاله في المرة الثانية . وفي رواية ابن عمر : أن القتال في الرابعة ، لكن في إسنادها ضعف كما سبق . وقال أصحاب الشافعي : يدفعه دفع الصائل بالأسهل فالأسهل ، ويزيد بحسب الحاجة ، وإن أدى إلى قتله فمات منه فلا ضمان فيه كالصائل . وحكى القاضي أبو يعلى ومن تابعه من أصحابنا عن أحمد في قتاله روايتين : إحداهما : يقاتله ، وذكروا نصوص أحمد السابقة . والثانية : لا يفعل ؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي : يدرأ ما استطاع ، وأكره القتال في الصلاة . ذكره عنه الجوزجاني في كتابه المترجم ، وخالف في ذلك ، وقال : بل يقاتله ؛ للأمر بقتاله ؛ فإنه شيطان لا حرمة له . وقال ابن عبد البر في التمهيد في قوله : فليقاتله : المراد بالمقاتلة : المدافعة ، وأظنه كلاما خرج على التغليظ ، ولكل شيء حد . قال : وأجمعوا على أنه لا يقاتله بسيف ولا بخاطفة ولا يبلغ معه مبلغا تفسد به صلاته . وحكى عن أشهب ، أنه قال : يرده بإشارة ، ولا يمشي إليه ؛ لأن مشيه إليه أشد من مروره بين يديه ، فإن فعل لم تبطل صلاته إذا لم يكن عملا كثيرا . قال ابن عبد البر : وقد بلغني أن عمر بن عبد العزيز - في أكبر ظني - ضمن رجلا دفع آخر مرّ بين يديه وهو يصلي ، فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه ، فدل على أنه لم يكن له أن يبلغ به ذلك . وقد كان الثوري يدفع المار بين يديه دفعا عنيفا . وذكر القاضي أبو يعلى من أصحابنا : أن أبا بكر أحمد بن سلمان النجاد روى بإسناده عن مالك ، أنه بلغه أن رجلا في زمان عثمان مر بين يدي رجل وهو يصلي ، فرماه فشجه ، فأتوا عثمان ، فقال : أيمر بين يدي وأنا أصلي ؟ فقال عثمان : الذي صنعت أعظم . وقال ابن عبد البر : في الاستذكار . فإن دافعه مدافعة لا يقصد بها قتله فكان فيها تلف نفسه كانت عليه ديته كاملة في ماله . وقد قيل : الدية على عاقلته . وقيل : هي هدر على حسب ثنية العاض . قال : وهذا كله يدل على نفي القود ؛ لأنه فعل تولد من عمل أصله مباح . قال : وقد كان أبو سعيد الخدري يشتد في هذا - وهو راوي الحديث - طلبا لاستعمال ظاهره . ثم ذكر عن ابن أبي شيبة ، أنه روى عن أبي معاوية ، عن عاصم ، عن ابن سيرين ، قال : كان أبو سعيد قائما يصلي ، فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه ، فمنعه ، فأبى إلا أن يمضي ، فدفعه أبو سعيد وطرحه ، فقيل له : تصنع هذا بعبد الرحمن ؟ فقال : والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت . قال : وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عاصم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي العالية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : مر رجل من بني مروان بين يدي في الصلاة ، فدفعته ثلاث مرات ، فشكاني إلى مروان ، فذكر ذلك لي ، فقلت : لو أبى لأخذت بشعره . قال عبد الرزاق : وأنا ابن جريج ، قال : سمعت سليمان بن موسى يحدث ، عن عطاء ، قال : أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد الخدري ، وهو يصلي ، وعليه حلة له ، ومروان أمير بالمدينة ، فرده ، فكأنه أبى ، فلهزه في صدره ، فذهب الفتى إلى أبيه ، فأخبره ، فدعا مروان أبا سعيد ، فذكر ذلك له ، فقال : نعم ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم : اردده ، فإن أبى فجاهده . وروى أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا عبد الله بن عامر ، عن زيد بن أسلم ، قال : بينما أبو سعيد يصلي في المسجد ، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فأراد أن يمر بين يديه ، فدرأه ، فأبى إلا أن يمر ، فدفعه ولطمه ، وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أبى إلا أن يمر فاردده ، فإن أبى إلا أن يمر فادفعه ؛ فإنما تدفع الشيطان . عبد الله بن عامر الأسلمي فيه ضعف . وزيد بن أسلم ، إنما رواه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، كما تقدم . وتسمية المار الوليد بن عقبة غريب غير محفوظ . وروى ابن أبي شيبة : ثنا أبو أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - ومر بين يديه رجل وهو يصلي ، فجبذه حتى كاد يخرق ثيابه . وبإسناده ، عن سعيد بن جبير ، أنه سئل : أدع أحدا يمر بين يدي ؟ قال : لا . فقيل له : فإن أبى ؟ قال : فما تصنع ؟ قيل له : إن ابن عمر كان لا يدع أحدا يمر بين يديه . قال : إن ذهبت تصنع صنيع ابن عمر دق أنفك . وفي هذا إشارة إلى شدة رد ابن عمر من مر بين يديه ، وأن غيره لا يتمكن من مثل ذلك . وقوله صلى الله عليه وسلم : فإنما هو شيطان . تعليل للإذن في قتاله . وقد اختلف في معناه : فقيل : المعنى : أن معه الشيطان المقترن به ، وهو يأمره بذلك وهو اختيار أبي حاتم وغيره . ويدل عليه : حديث ابن عمر : فإن معه القرين . وقيل : المراد : أن فعله هذا فعل الشيطان ، فهو بذلك من شياطين الإنس ، وهو اختيار الجوزجاني وغيره . وروى الدراوردي ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، أنه كان يصلي ومر بين يديه ابن لمروان ، فضربه ، فقال مروان : ضربت ابن أخيك ؟ فقال : ما ضربت إلا شيطانا ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أبى فرده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنما هو شيطان . وبكل حال ؛ فيستدل به على تحريم المرور بين المصلي وسترته ؛ لأنه جعله من عمل الشياطين ، وأمر بالعقوبة عليه ، وذلك من أدلة التحريم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يرد المصلي من مر بين يديه · ص 288 ( باب يرد المصلي من مر بين يديه ) أي هذا باب ترجمته يرد المصلي من مر بين يديه ، وسنبين هل الرد إذا مر بين يديه في موضع سجوده ، أو يرده مطلقا ، أو له حد معلوم ، وأن الرد واجب ، أم سنة ، أم مستحب ، وأنه مقيد بمكان مخصوص ، أو في جميع الأمكنة ؟ على ما نذكره مفصلا إن شاء الله تعالى . ( ورد ابن عمر المار بين يديه في التشهد ، وفي الكعبة ، وقال : إن أبى إلا أن تقاتله فقاتله ) الكلام فيه على أنواع ، الأول : في وجه مطابقته للترجمة ، وهي ظاهرة ؛ لأن ابن عمر رد المار من بين يديه وهو في الصلاة . الثاني : في معنى التركيب ، فقوله : ورد ابن عمر ، أي : رد عبد الله بن عمر بن الخطاب المار بين يديه حال كونه في التشهد ، وكان هذا المار هو عمرو بن دينار ، نبه عليه عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة في مصنفيهما . قوله : ( وفي الكعبة ) ، أي : ورد أيضا في الكعبة ، قال الكرماني : هو عطف على مقدر ، أي : رد المار بين يديه عند كونه في الصلاة ، وفي غير الكعبة ، وفي الكعبة أيضا ، ويحتمل أن يراد به كون الرد في حالة واحدة جمعا بين كونه في التشهد ، وفي الكعبة ، فلا حاجة إلى مقدر ، وقال أبو محمد الإشبيلي في كتابه ( الجمع بين الصحيحين ) كذا وقع ، وفي الكعبة ، وقال ابن قرقول : ورد ابن عمر في التشهد ، وفي الكعبة ، وقال القابسي : وفي الركعة بدلا من الكعبة أشبه ، وكذا وقع في بعض الأصول الركعة ، وقال صاحب ( التلويح ) والظاهر أنه وفي الكعبة ، وهو الصواب كما في كتاب الصلاة لأبي نعيم ، حدثنا عبد العزيز بن الماجشون عن صالح بن كيسان ، قال : رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ، فلا يدع أحدا يمر بين يديه يبادره ، قال بردة : حدثنا مطر بن خليفة ، حدثنا عمرو بن دينار ، قال : مررت بابن عمر بعدما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يصنع ، فارتفع من مكانه فدفع في صدري ، وقال ابن أبي شيبة : أخبرنا ابن فضيل ، عن مطر ، عن عمرو بن دينار ، قال : مررت بين يدي ابن عمر وهو في الصلاة ، فارتفع من قعوده ، ثم دفع في صدري ، وفي كتاب ( الصلاة ) لأبي نعيم : فانتهرني بتسبيحة ، وقال بعضهم : رواية الجمهور متجهة ، وتخصيص الكعبة بالذكر لئلا يتخيل أنه يغتفر فيها المرور لكونها محل المزاحمة ، ( قلت ) : الواقع في نفس الأمر عن ابن عمر في الرد في غير الكعبة ، وفي الكعبة أيضا ، فلا يقال : فيه التخصيص ، والتعليل فيه بكون محل المزاحمة غير موجه ؛ لأن في غير الكعبة أيضا توجد المزاحمة ، سيما في أيام الجمع في الجوامع ، ونحو ذلك . قوله : ( وقال ) أي : ابن عمر ( إن أبى ) ، أي : المار ، أي : امتنع بكل وجه إلا بأن يقاتل المصلي المار قاتله . قوله : ( إلا أن يقاتله ) . وقوله : ( قاتله ) على وجهين ، أحدهما : أن يكون لفظ قاتله بصيغة الفعل الماضي ، وهذا عند كون لفظ إلا أن يقاتله بصيغة الفعل المضارع المعلوم ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى المار الذي هو فاعل لفظة أبى ، والمنصوب يرجع إلى المصلي ، والضمير المرفوع في قاتله يرجع إلى المصلي ، والمنصوب يرجع إلى المار ، والوجه الآخر : أن يكون لفظة إلا أن تقاتله بصيغة المخاطب ، أي : إلا أن تقاتل المار فقاتله بكسر التاء ، وسكون اللام على صيغة الأمر للحاضر ، وهذه رواية الكشميهني ، والأول : رواية الأكثرين ، ( فإن قلت ) : لفظة قاتله في الوجه الثاني جملة أمرية ، والجملة الأمرية إذا وقعت جزاء للشرط ، فلا بد فيها من الفاء ، ( قلت ) : تقدير الكلام : فأنت قاتله ، قال الكرماني : ويجوز حذف الفاء منها نحو: من يفعل الحسنات الله يشكرها ( قلت ) : حذف الفاء منها لضرورة الوزن ، فلا يقاس عليه ، ويروى فقاتله بالفاء على الأصل . النوع الثالث : في أن المروي عن ابن عمر هاهنا على سبيل التعليق بثلاثة أشياء ، الأول : رده المار في التشهد ، وقد وصله أبو نعيم ، وابن أبي شيبة كما ذكرناه عن قريب . الثاني : رده في الكعبة ، وقد وصله أبو نعيم أيضا كما ذكرناه ، وفي حديث يزيد الفقير : صليت إلى جنب ابن عمر بمكة ، فلم أر رجلا أكره أن يمر بين يديه منه . الثالث : أمره بالمقاتلة عند عدم امتناع المار من المرور بين يدي المصلي ، وقد وصله عبد الرزاق ، ولفظه عن ابن عمر ، قال : لا تدع أحدا يمر بين يديك وأنت تصلي ، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله ، وهذا موافق لرواية الكشميهني . 158 - حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا يونس ، عن حميد بن هلال ، عن أبي صالح ، أن أبا سعيد قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ح ) وحدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا سليمان بن المغيرة ، قال : حدثنا حميد بن هلال العدوي ، قال : حدثنا أبو صالح السمان ، قال : رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، فنظر الشاب ، فلم يجد مساغا إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز ، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى ، فنال من أبي سعيد ، ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد ؟ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله ، فإنما هو شيطان . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) : وهم ثمانية ، الأول : أبو معمر ، بفتح الميمين ، واسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، المقعد البصري ، مات بالبصرة سنة أربع وعشرين ومائتين ، وقد تقدم في باب قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : اللهم علمه الكتاب . الثاني : عبد الوارث بن سعيد ، تقدم أيضا في هذا الباب . الثالث : يونس بن عبيد ، بالتصغير ، ابن دينار ، أبو عبد الله البصري ، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين . الرابع : حميد ، بضم الحاء ، تصغير الحمد ، بن هلال ، بكسر الهاء ، وتخفيف اللام ، العدوي ، بفتح العين ، والدال المهملتين ، التابعي الجليل . الخامس : أبو صالح ، ذكوان السمان ، وقد تكرر ذكره . السادس : آدم بن أبي إياس . السابع : سليمان بن المغيرة ، القيسي البصري . الثامن : أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ، واسمه سعد بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع من الماضي في سبعة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول ، والرؤية ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه أن رواته كلهم بصريون إلا أبا صالح ، فإنه مدني وآدم ، فإنه عسقلاني ، وفيه أن آدم من أفراد البخاري ، وفيه أن البخاري لم يخرج لسليمان بن المغيرة شيئا موصولا إلا هذا الحديث ، ذكره أبو مسعود ، وغيره ، وفيه التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث ، وعلامته حرف الحاء المفردة ، وفيه في الإسناد الأول حميد عن أبي صالح أن أبا سعيد ، وفي الثاني : قال أبو صالح : رأيت أبا سعيد ، والثاني أقوى ، وفيه أن في الثاني ذكر قصة ليست في الأول ، وقد ساق البخاري هذا الحديث في كتاب بدء الخلق بالإسناد الذي ساقه هناك من رواية يونس بعينه ، وهاهنا من لفظ سليمان بن المغيرة لا من لفظ يونس . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا عن أبي معمر في صفة إبليس ، وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن شيبان بن فروخ ، وأخرجه أبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل . ( ذكر معناه ) : قوله : ( فأراد شاب من بني أبي معيط ) ووقع في ( كتاب الصلاة ) لأبي نعيم الفضل بن دكين ، قال : حدثنا عبد الله بن عامر عن زيد بن أسلم ، قال : ( بينما أبو سعيد قائم يصلي في المسجد ، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فأراد أن يمر بين يديه فرده ، فأبى إلا أن يمر فدفعه ولكمه ) فهذا يدل على أن هذا الشاب هو الوليد بن عقبة ، وفي ( المصنف ) لابن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية عن عاصم ، عن ابن سيرين ، قال : كان أبو سعيد قائما يصلي ، فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه ، فمنعه ، فأبى إلا أن يجيء فدفعه أبو سعيد فطرحه ، فقيل له : تصنع هذا بعبد الرحمن ؟ فقال : والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت ، وروى عبد الرزاق حديث الباب عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، فقال فيه : إذ جاء شاب ، ولم يسمه ، وعن معمر عن زيد بن أسلم ، فقال فيه : فذهب ذو قرابة لمروان ، ومن طريق أبي العالية عن أبي سعيد ، فقال فيه : فمر رجل بين يديه من بني مروان ، وللنسائي من وجه آخر : فمر ابن لمروان ، وسماه عبد الرزاق من طريق سليمان بن موسى : داود بن مروان ، ولفظه : أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد ، ومروان يومئذ أمير بالمدينة ، فذكر الحديث ، وبه جزم ابن الجوزي ، وهذا ، كما رأيت ، الاختلاف في تسمية المبهم الذي في الصحيح ، والأحسن أن يقال بتعدد الواقعة لأبي سعيد مع غير واحد ؛ لأن في تعيين واحد من هؤلاء مع كون اتحاد الواقعة نظرا لا يخفى . قوله : ( من بني أبي معيط ) بضم الميم ، وفتح العين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره طاء مهملة ، وأبو معيط في قريش ، واسمه أبان بن أبي عمر ، وذكوان بن أمية الأكبر هو والد عقبة بن أبي معيط الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا ، ومعيط تصغير أمعط ، وهو الذي لا شعر عليه ، والأمعط ، والأمرط سواء . قوله : ( أن يجتاز ) بالجيم من الجواز . قوله : ( فلم يجد مساغا ) بفتح الميم ، وبالغين المعجمة ، أي : طريقا يمكنه المرور منها ، يقال : ساغ الشراب في الحلق إذا نزل من غير الضرر وساغ الشيء طاب . قوله : ( من الأولى ) ، أي : من المرة الأولى ، أو الدفعة الأولى . قوله : ( فنال من أبي سعيد ) بالنون ، أي : أصاب من عرضه بالشتم ، وهو من النيل ، وهو الإصابة . قوله : ( ثم دخل على مروان ) ، وهو مروان بن الحكم ، بفتح الكاف ، الأموي ، أبو عبد الملك ، يقال : إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله الواقدي ، ولم يحفظ عنه شيئا ، وتوفي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين ، مات بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وقد تقدم ذكره في باب البزاق ، والمخاط . قوله : ( فقال ما لك ) ، أي : فقال مروان ، فكلمة ما مبتدأ ولك خبره ، ولابن أخيك عطف عليه بإعادة الخافض ، وأطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين إخوة ، وفيه تأييد لقول من قال : إن المار بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد ؛ لأن أباه عقبة قتل كافرا ، ( فإن قلت ) : لم لم يقل ولأخيك بحذف الابن ، ( قلت ) : نظرا إلى أنه كان شابا أصغر منه . قوله : ( فليدفعه ) ، وفي رواية مسلم ( فليدفع في نحره ) ، قال القرطبي : أي : بالإشارة ولطيف المنع . قوله : ( فليقاتله ) بكسر اللام الجازمة ، وبسكونها . قوله : ( فإنما هو شيطان ) هذا من باب التشبيه حذف منه أداة التشبيه للمبالغة ، أي : إنما هو كشيطان ، أو يراد به شيطان الإنس ، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع ، وقد جاء في القرآن قوله تعالى : شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وقال الخطابي : معناه أن الشيطان يحمله على ذلك ويحركه إليه ، وقد يكون أراد بالشيطان المار بين يديه نفسه ، وذلك أن الشيطان هو المارد الخبيث من الجن ، والإنس ، وقال القرطبي : ويحتمل أن يكون معناه الحامل له على ذلك الشيطان ، يؤيده حديث ابن عمر عند مسلم ( لا يدع أحدا يمر بين يديه ، فإن أبى فليقاتله ، فإن معه القرين ) ، وعند ابن ماجه ( قال معه القرين ) ، وقال المنكدري ، فإنه معه العزى ، وقيل : معناه إنما هو فعل الشيطان لشغل قلب المصلي ، كما يخطر الشيطان بين المرء ونفسه . ( ذكر ما يستنبط منه من الأحكام ) : وهو على وجوه ، الأول : فيه اتخاذ السترة للمصلي ، وزعم ابن العربي أن الناس اختلفوا في وجوب وضع السترة بين يدي المصلي على ثلاثة أقوال ، الأول : أنه واجب ، فإن لم يجد وضع خطا ، وبه قال أحمد ، كأنه اعتمد حديث ابن عمر الذي صححه الحاكم ( لا تصلي إلا إلى سترة ، ولا تدع أحدا يمر بين يديك ) ، وعن أبي نعيم في كتاب الصلاة ، حدثنا سليمان أظنه عن حميد بن هلال ، قال عمر بن الخطاب : لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس ، وعند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ( إنه ليقطع نصف صلاة المرء المرور بين يديه ) . الثاني : أنها مستحبة ، ذهب إليه أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي . الثالث : جواز تركها ، وروي ذلك عن مالك ، ( قلت ) : قال أصحابنا : الأصل في السترة أنها مستحبة ، وقال إبراهيم النخعي : كانوا يستحبون إذا صلوا في الفضاء أن يكون بين أيديهم ما يسترهم ، وقال عطاء : لا بأس بترك السترة ، وصلى القاسم وسالم في الصحراء إلى غير سترة . ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) واعلم أن الكلام في هذا على عشرة أنواع ، الأول : أن السترة واجبة أولا ، وقد مر الآن . والثاني : مقدار موضع يكره المرور فيه ، فقيل : موضع سجوده ، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي وشيخ الإسلام قاضيخان ، وقيل : مقدار صفين ، أو ثلاثة ، وقيل : بثلاثة أذرع ، وقيل : بخمسة أذرع ، وقيل : بأربعين ذراعا ، وقدر الشافعي ، وأحمد بثلاثة أذرع ، ولم يحد مالك في ذلك حدا ، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكن من دفع من مر بين يديه ، والثالث : أنه يستحب لمن صلى في الصحراء أن يتخذ أمامه سترة ، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا ، فإن لم يجد فلينصب عصا ، فإن لم يكن له عصا فليخط خطا ، ولا يضره ما مر أمامه ) وخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) ، وذكر عبد الحق أن ابن المديني ، وأحمد بن حنبل صححاه ، وقال عياض : هذا الحديث ضعيف ، وإن كان قد أخذ به أحمد ، وقال سفيان بن عيينة : لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ، وكان إسماعيل بن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول : عندكم شيء تشدون به ؟ وأشار الشافعي إلى ضعفه ، وقال النووي : فيه ضعف واضطراب ، وقال البيهقي : ولا بأس به في مثل هذا الحكم . والرابع : مقدار السترة قد ورد قدر ذراع ، وقد ذكرنا الكلام فيه مستوفى فيما مضى عن قريب ، والخامس : ينبغي أن يكون في غلظ الإصبع ؛ لأن ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد ، والسادس : يقرب من السترة ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه ، والسابع : أن يجعل السترة على حاجبه الأيمن ، أو على الأيسر ، وأخرج أبو داود من حديث المقداد بن الأسود ، قال : ( ما رأيت سول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ، ولا عمود ، ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن ، أو الأيسر ، ولا يصمد له صمدا ) ، يعني لم يقصده قصدا بالمواجهة ، والصمد هو القصد في اللغة ، والثامن : أن سترة الإمام سترة للقوم ، وقد مر الكلام فيه ، والتاسع : ذكر أصحابنا أن المعتمد الغرز دون الإلقاء ، والخط ؛ لأن المقصود هو الدرء ، فلا يحصل بالإلقاء ، ولا بالخط ، وفي ( مبسوط ) شيخ الإسلام إنما يغرز إذا كانت الأرض رخوة ، فإذا كانت صلبة لا يمكنه فيضع وضعا ؛ لأن الوضع قد روي كما روي الغرز ، لكن يضع طولا لا عرضا ، وروى أبو عصمة عن محمد : إذا لم يجد سترة ، قال : لا يخط بين يديه ، فإن الخط وتركه سواء ؛ لأنه لا يبدو للناظر من بعيد ، وقال الشافعي بالعراق : إن لم يجد ما يغرز يخط خطا طولا ، وبه أخذ بعض المتأخرين ، وفي ( المحيط ) الخط ليس بشيء ، وفي ( الذخيرة ) للقرافي : الخط باطل ، وهو قول الجمهور ، وجوزه أشهب في ( العتبية ) ، وهو قول سعيد بن جبير ، والأوزاعي ، والشافعي بالعراق ، ثم قال بمصر : لا يخط ، والمانعون أجابوا عن حديث أبي هريرة المذكور أنه ضعيف ، وقال عبد الحق : ضعفه جماعة ، وقال ابن حزم في ( المحلى ) لم يصح في الخط شيء ، ولا يجوز القول به ، والعاشر : أن السترة إذا كانت مغصوبة فهي معتبرة عندنا ، وعن أحمد : تبطل صلاته ، ومثله الصلاة في الثوب المغصوب عنده . الثاني من الأحكام : أن الدرء ، وهو دفع المار بين يدي المصلي هل هو واجب ، أو ندب ، فقال النووي : هذا الأمر أعني قوله : ( فليدفعه ) أمر ندب متأكد ، ولا أعلم أحدا من الفقهاء أوجبه ، ( قلت ) : قال أهل الظاهر بوجوبه لظاهر الأمر ، فكأن النووي ما اطلع على هذا ، أو ما اعتد بخلافهم ، وقال ابن بطال : اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة ، فأما إذا صلى إلى غير السترة ، فليس له ؛ لأن التصرف ، والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلي فيه ، فلم يستحق أن يمنعه ، إلا ما قام الدليل عليه ، وهي السترة التي وردت السنة بمنعها . الثالث : أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده ، وإنما يدافعه ويرده من موضعه ؛ لأن مفسدة المشي أعظم من مروره بين يديه ، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه ، وإنما يرده إذا كان بعيدا منه بالإشارة ، والتسبيح ، ولا يجمع بينهما ، وقال إمام الحرمين : لا ينتهي دفع المار إلى منع محقق ، بل يومئ ويشير برفق في صدر من يمر به ، وفي الكافي للروياني : يدفعه ويصر على ذلك ، وإن أدى إلى قتله ، وقيل : يدفعه دفعا شديدا أشد من الدرء ، ولا ينتهي إلى ما يفسد صلاته ، وهذا هو المشهور عند مالك ، وأحمد ، وقال أشهب في ( المجموعة ) إن قرب منه درأه ، ولا ينازعه ، فإن مشى له ونازعه لم تبطل صلاته ، وإن تجاوزه لا يرده ؛ لأنه مرور ثان ، وكذا رواه ابن القاسم من أصحاب مالك ، وبه ، قال الشافعي ، وأحمد ، وقال أبو مسعود وسالم : يرده من حيث جاء ، وإذا مر بين يديه ما لا تؤثر فيه الإشارة كالهرة ، قالت المالكية : دفعه برجله ، أو ألصقه إلى السترة . الرابع : هل يقاتله ؟ فيه : فإن أبى فليقاتله ، قال عياض : أجمعوا على أنه لا تلزمه مقاتلته بالسلاح ، ولا بما يؤدي إلى هلاكه ، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك ، فلا قود عليه باتفاق العلماء ، وهل تجب ديته أم تكون هدرا ؟ فيه مذهبان للعلماء ، وهما قولان في مذهب مالك ، قال ابن شعبان : عليه الدية في ماله كاملة ، وقيل : هي على عاقلته ، وقيل : هدر ، ذكره ابن التين ، واختلفوا في معنى فليقاتله ، والجمهور على أن معناه الدفع بالقهر لا جواز القتل ، والمقصود المبالغة في كراهة المرور ، وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة ، ورد ابن العربي ذلك ، وقال : المراد بالمقاتلة المدافعة ، وقال بعضهم : معنى فليقاتله فليلعنه ، قال الله تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ أي : لعنوا ، وأنكره بعضهم ، وقال ابن المنذر يدفع في نحره أول مرة ، ويقاتله في الثانية ، وهي المدافعة ، وقيل : المقاتلة بعد الثالثة ، وقيل : يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة ويؤنبه ، وقيل : يدفعه دفعا أشد من الرد منكرا عليه ، وفي ( التمهيد ) العمل القليل في الصلاة جائز ، نحو قتل البرغوث ، وحك الجسد ، وقتل العقرب بما خف من الضرب ما لم تكن المتابعة ، والطول ، والمشي إلى الفرج إذا كان ذلك قريبا ، ودرء المصلي ، وهذا كله ما لم يكثر ، فإن كثر فسد . الخامس : فيه أن المار كالشيطان في أنه يشغل قلبه عن مناجاة ربه . السادس : فيه أنه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين إنه شيطان . السابع : فيه أن الحكم للمعاني لا للأسماء ؛ لأنه يستحيل أن يصير المار شيطانا بمروره بين يديه . الثامن : فيه أن دفع الأسوأ إنما هو بالأسهل ، فالأسهل . التاسع : فيه أن في المنازعات لا بد من الرفع إلى الحاكم ، ولا ينتقم الخصم بنفسه . العاشر : فيه أن رواية العدل مقبولة ، وإن كان الراوي له منتفعا به .