بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 9 ) كِتَاب مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ 1 - بَاب مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا وَقَوْلِهِ : إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا مُوَقَّتًا ، وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ 521 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْعِرَاقِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : بِهَذَا أُمِرْتُ . فَقَالَ عُمَرُ ، لِعُرْوَةَ : اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ ، أَوَ إنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ . 522 - قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ . ( بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَبَعْدَهُ الْبَسْمَلَةُ ، وَلِرَفِيقَيْهِ الْبَسْمَلَةُ مُقَدَّمَةٌ وَبَعْدَهَا بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا وَكَذَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ ، وَكَذَا لِكَرِيمَةَ لَكِنْ بِلَا بَسْمَلَةٍ ، وَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ لَكِنْ بِلَا بَابٍ . وَ الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنَ الْوَقْتِ ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُحَدَّدُ لِلْفِعْلِ مِنَ الزَّمَانِ أَوِ الْمَكَانِ . قَوْله : كِتَابًا مَوْقُوتًا مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ ) كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَسَقَطَ فِي بَعْضِهَا لَفْظُ مُوَقَّتًا فَاسْتَشْكَلَ ابْنُ التِّينِ تَشْدِيدَ الْقَافِ مِنْ وَقَّتَهُ ، وَقَالَ : الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ التَّخْفِيفُ ا هـ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مُوَقَّتًا بَيَانَ أَنَّ قَوْلَهُ مَوْقُوتًا مِنَ التَّوْقِيتِ ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ مَوْقُوتًا قَالَ : مَفْرُوضًا ، وَعَنْ غَيْرِهِ مَحْدُودًا . وَقَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى : كُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ لَهُ حِينٌ وَغَايَةٌ فَهُوَ مُوَقَّتٌ ، يُقَالُ : وَقَّتَهَ لِيَوْمِ كَذَا ، أَيْ أَجَّلَهُ . قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلُ شَيْءٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ . قَوْله : ( أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ) وَلِلْمُصَنِّفِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بَيَانُ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلَفْظُهُ : أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا مَا ، لَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةً لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ بَيْتِهِ مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ اهـ . وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا فِي بَابِ تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا وَكَذَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخَّرَ الصَّلَاةَ مَرَّةً يَعْنِي الْعَصْرَ ، وَلِلطَّبَرانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - وَكَانَ ذَلِكَ زَمَانٌ يُؤَخِّرُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ ، يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْمُرَادُ أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ ، لَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ اهـ . وَيُؤَيِّدُهُ سِيَاقُ رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْمُتَقَدِّمَةِ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ دَعَا الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَأَمْسَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَارَبَ الْمَسَاءَ لَا أَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ . وَقَدْ رَجَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ذَلِكَ ، فَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِي فِي خِلَافَتِهِ - كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعَصْرَ فِي السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ حِينَ تَدْخُلُ . قَوْله ( أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ) بَيَّنَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ الْعَصْرُ أَيْضًا ، وَلَفْظُهُ أَمْسَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ . قَوْله ( وَهُوَ بِالْعِرَاقِ ) فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ . وَالْكُوفَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِرَاقِ ، فَالتَّعْبِيرُ بِهَا أَخَصُّ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالْعِرَاقِ ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . قَوْله ( أَبُو مَسْعُودٍ ) أَيْ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْبَدْرِيُّ . قَوْله ( مَا هَذَا ) أَيِ التَّأْخِيرُ . قَوْله ( أَلَيْسَ ) كَذَا الرِّوَايَةُ ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ الْأَكْثَرَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فِي مُخَاطَبَةِ الْحَاضِرِ أَلَسْتَ وَفِي مُخَاطَبَةِ الْغَائِبِ أَلَيْسَ . قَوْله ( قَدْ عَلِمْتَ ) قَالَ عِيَاضٌ : يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى عِلْمِ الْمُغِيرَةِ بِذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ مِنْ أَبِي مَسْعُودٍ لِعِلْمِهِ بِصُحْبَةِ الْمُغِيرَةِ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلُ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ بِلَفْظِ : فَقَالَ لَقَدْ عَلِمْتُ بِغَيْرِ أَدَاةِ اسْتِفْهَامٍ ، وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ جَمِيعًا . قَوْله ( أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ ) بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُغَازِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي فُرِضَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ وَهِيَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ : لَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ لَمْ يَرُعْهُ إِلَّا جِبْرِيلُ نَزَلَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْأُولَى أَيْ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، فَأَمَرَ فَصِيحَ بِأَصْحَابِهِ : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ، فَاجْتَمَعُوا ، فَصَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيَانَ الْأَوْقَاتِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَهَا بِبَيَانِ جِبْرِيلَ ، وَبَعْدَهَا بِبَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْله ( نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ عِيَاضٌ : ظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ جِبْرِيلَ ، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ فِي غَيْرِهِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى فَصَلَّى عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ كُلَّمَا فَعَلَ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ تَابَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِعْلِهِ اهـ . وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي بَعْضِ الْأَرْكَانِ عَلَى جِبْرِيلَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ الْجَمْعِ . وَأُجِيبَ بِمُرَاعَاةِ الْحَيْثِيَّةِ وَهِيَ التَّبْيِينُ ، فَكَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ يَتَرَاخَى عَنْهُ . وَقِيلَ : الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَقولِهِ تَعَالَى : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ : نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى النَّاسُ مَعَهُ . وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمُتَقَدِّمَةَ ، وَإِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ حِينَئِذٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الِائْتِمَامِ بِمَنْ يَأْتَمُّ بِغَيْرِهِ ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا يُجَابُ بِهِ عَنْ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَاةُ النَّاسِ خَلْفَهُ ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُبَلِّغًا فَقَطْ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِمِثْلِ مَا كُلِّفَ بِهِ الْإِنْسُ . قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ . وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ تِلْكَ الصَّلَاةُ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ . وَتَعَقَّبَهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ ، وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ كَانَ مُعَلَّقًا بِالْبَيَانِ ، فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْوُجُوبُ إِلَّا بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ . قَالَ : وَأَيْضًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ مُتَنَفِّلًا ، بَلْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِتَبْلِيغِهَا ، فَهِيَ صَلَاةُ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ اهـ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ يُجَوِّزُ صَلَاةَ مُفْتَرِضٍ بِفَرْضٍ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ بِفَرْضٍ آخَرَ ، كَذَا قَالَ ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ لَهُ فِي صُورَةِ الْمُؤَدَّاةِ مَثَلًا خَلْفَ الْمَقْضِيَّةِ لَا فِي صُورَةِ الظُّهْرِ خَلْفَ الْعَصْرِ مَثَلًا . قَوْله ( بِهَذَا أُمِرْتَ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَالْمَعْنَى هَذَا الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ أَنْ تُصَلِّيَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَرُوِيَ بِالضَّمِّ ، أَيْ هَذَا الَّذِي أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ لَكَ . قَوْله ( اعْلَمْ ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ . قَوْله ( أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوُ هِيَ الْعَاطِفَةُ ، وَالْعَطْفُ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ وَبِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنَّ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ . قَوْله ( وُقُوتَ الصَّلَاةِ ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَلِلْبَاقِينَ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ لِلْجِنْسِ . قَوْله ( كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرٌ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ بِوَزْنِ فَعِيلٍ . وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ ؛ لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَآهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا السِّيَاقُ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يَقُلْ حَضَرْتُ مُرَاجَعَةَ عُرْوَةَ ، لِعُمَرَ ، وَعُرْوَةُ لَمْ يَقُلْ حَدَّثَنِي بَشِيرٌ ، لَكِنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِثُبُوتِ اللِّقَاءِ وَالْمُجَالَسَةِ لَا بِالصِّيَغِ اهـ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَيْسَ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ ؛ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَبُو مَسْعُودٍ : شَاهَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْتُ : هَذَا لَا يُسَمَّى مُنْقَطِعًا اصْطِلَاحًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَلَغَهُ عَنْهُ بِتَبْلِيغِ مَنْ شَاهَدَهُ أَوْ سَمِعَهُ كَصَحَابِيٍّ آخَرَ . عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ اللَّيْثِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ تُزِيلُ الْإِشْكَالَ كُلَّهُ ، وَلَفْظُهُ : فَقَالَ عُرْوَةُ : سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَذَا سِيَاقُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُرْوَةَ ، وَابْنُ شِهَابٍ قَدْ جُرِّبَ عَلَيْهِ التَّدْلِيسُ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؛ فَذَكَرَهُ . وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : سَمِعْتُ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَدِيثَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَوْلُ عُرْوَةَ : إِنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْأَوْقَاتِ . قَالَ : وَغَايَةُ مَا يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَبَّهَهُ وَذَكَّرَهُ بِمَا كَانَ يَعْرِفُهُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَوْقَاتِ . قَالَ : وَفِيهِ بُعْدٌ ، لِإِنْكَارِ عُمَرَ عَلَى عُرْوَةَ حَيْثُ قَالَ لَهُ اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةَ قَالَ : وَظَاهِرُ هَذَا الْإِنْكَارِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ . قُلْتُ : لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَفَاصِيلِ الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ أَصْلَهُ بِتَبْيِينِ جِبْرِيلَ بِالْفِعْلِ ، فَلِهَذَا اسْتَثْبَتَ فِيهِ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ الْوَاحِدِ ، وَكَذَا يُحْمَلُ عَمَلُ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَلَى جَوَابِ الْمُغِيرَةِ ، لِأَبِي مَسْعُودٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا زَادَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُعَلِّمُ الصَّلَاةَ بِعَلَامَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : مَا زَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَتَعَلَّمُ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ حَتَّى مَاتَ . وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَكِيمٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَعَلَ سَاعَاتٍ يَنْقَضِينَ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ زَادَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَمَا أَخَّرَهَا حَتَّى مَاتَ فَكُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاطُ فِي الْأَوْقَاتِ كَثِيرَ احْتِيَاطٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ عُرْوَةُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَرَدَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بَيَانُ أَبِي مَسْعُودٍ لِلْأَوْقَاتِ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَيُوَضِّحُ تَوْجِيهَ احْتِجَاجِ عُرْوَةَ بِهِ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ كِلَاهُمَا عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ تَفَرَّدَ بِتَفْسِيرِ الْأَوْقَاتِ فِيهِ ، وَأَنَّ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ . قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ ، عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَذْكُرَا تَفْسِيرًا اهـ . وَرِوَايَةُ هِشَامٍ أَخْرَجَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ ، وَرِوَايَةُ حَبِيبٍ أَخْرَجَهَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ . وَقَدْ وَجَدْتُ مَا يُعَضِّدُ رِوَايَةَ أُسَامَةَ ، وَيَزِيدُ عَلَيْهَا أَنَّ الْبَيَانَ مِنْ فِعْلِ جِبْرِيلَ ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَاغَنْدِيُّ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، فَذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا ، لَكِنْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، فَرَجَّعَ الْحَدِيثَ إِلَى عُرْوَةَ ، وَوَضَّحَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا ، وَأَنَّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ اخْتِصَارًا ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ فَلَا تُوصَفُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِالشُّذُوذِ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ : دُخُولُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأُمَرَاءِ ، وَإِنْكَارُهُمْ عَلَيْهِمْ مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ ، وَاسْتِثْبَاتُ الْعَالِمِ فِيمَا يَسْتَغْرِبُهُ السَّامِعُ ، وَالرُّجُوعُ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى السُّنَّةِ . وَفِيهِ فَضِيلَةُ عُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْفَاضِلِ . وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الثَّبَتِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ بِالْمُتَّصِلِ دُونَ الْمُنْقَطِعِ ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ أَجَابَ عَنِ اسْتِفْهَامِ عُمَرَ لَهُ لَمَّا أَنْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ بِذِكْرِ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ ، فَكَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ : تَأَمَّلْ مَا تَقُولُ ، فَلَعَلَّهُ بَلَغَكَ عَنْ غَيْرِ ثَبْتٍ . فَكَأَنَّ عُرْوَةَ قَالَ لَهُ : بَلْ قَدْ سَمِعْتُهُ مِمَّنْ قَدْ سَمِعَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّاحِبُ قَدْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ عِيَاضٌ عَلَى جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِمُرْسَلِ الثِّقَةِ كَصَنِيعِ عُرْوَةَ حِينَ احْتَجَّ عَلَى عُمَرَ قَالَ : وَإِنَّمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ لِتَثَبُّتِهِ فِيهِ لَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْضَ بِهِ مُرْسَلًا . كَذَا قَالَ ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَشْهَدُ لِمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمَيْنِ لِوَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يُنْكِرْ عُرْوَةُ عَلَى عُمَرَ صَلَاتَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ مُحْتَجًّا بِصَلَاةِ جِبْرِيلَ ، مَعَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَدْ صَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي آخِرِ الْوَقْتِ ، وَقَالَ : الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَأُجِيبُ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ عُمَرَ كَانَتْ خَرَجَتْ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ مَصِيرُ ظَلِّ الشَّيْءِ مَثْلَيْهِ ، لَا عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ وَهُوَ مَغِيبُ الشَّمْسِ ، فَيَتَّجِهُ إِنْكَارُ عُرْوَةَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْفُ الْحَدِيثِ . أَوْ يَكُونُ عُرْوَةُ أَنْكَرَ مُخَالَفَةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَرَأَى أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْفُ الْحَدِيثِ أَيْضًا . وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مُرْسَلًا قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَتْهُ ، وَلمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ احْتِجَاجُ عُرْوَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي كَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ، وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي وَقَعَ الْإِنْكَارُ بِسَبَبِهَا ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ يُشْعِرُ بِمُوَاظَبَتِهِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ أَصْلَ بَيَانِ الْأَوْقَاتِ كَانَ بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ . قَوْله ( قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هُوَ إِمَّا مَقُولُ ابْنِ شِهَابٍ أَوْ تَعْلِيقٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ . قُلْتُ : الِاحْتِمَالُ الثَّانِي - عَلَى بُعْدِهِ - مُغَايِرٌ لِلْوَاقِعِ ، كَمَا سَيَظْهَرُ فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ قَرِيبًا . فَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْنَدًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، فَهُوَ مَقُولُهُ وَلَيْسَ بِتَعْلِيقٍ ، وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى فَوَائِدِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا · ص 708 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب مواقيت الصلاة وفضلها · ص 733 بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين 9 كتاب مواقيت الصلاة 1 - باب مواقيت الصلاة وفضلها وقول الله عز وجل : إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا موقتا ، وقته عليهم . أما الكتاب فالمراد به : الفرض ، ولم يذكر في القرآن لفظ الكتاب وما تصرف منه إلا فيما هو لازم : إما شرعا ، مثل قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وقوله : كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وإما قدرا ، نحو قوله : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وقوله : وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ وأما قوله : مَوْقُوتًا ففيه قولان . أحدهما : أنه بمعنى المؤقت في أوقات معلومة ، وهو قول ابن مسعود وقتادة وزيد بن أسلم ، وهو الذي ذكره البخاري هنا ، ورجحه ابن قتيبة وغير واحد . قال قتادة في تفسير هذه الآية : قال ابن مسعود : إن للصلاة وقتا كوقت الحج . وقال زيد بن أسلم : منجما ، كلما مضى نجم جاء نجم ، يقول : كلما مضى وقت جاء وقت . وقالت طائفة : معنى مَوْقُوتًا : مفروضا أو واجبا - : قاله مجاهد والحسن وغيرهما . وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : يعني : مفروضا . وتأول بعضهم الفرض هنا على التقدير ، فرجع المعنى حينئذ إلي تقدير أعدادها ومواقيتها . والله أعلم . وقال الشافعي : الموقوت - والله أعلم - : الوقت الذي تصلى فيه وعددها . قال البخاري - رحمه الله - : 521 - نا عبد الله بن مسلمة ، قال : قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما ، فدخل عليه عروة بن الزبير ، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما وهو بالعراق ، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري ، فقال : ما هذا يا مغيرة ؟ أليس قد علمت أن جبريل عليه السلام نزل فصلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : ( بهذا أمرت ) . فقال عمر لعروة : اعلم ما تحدث به ، أو أن جبريل هو أقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت الصلاة ؟ قال عروة : كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه . 522 - قال عروة : ولقد حدثتني عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها ، قبل أن تظهر . هذا الحديث يدل على أن مواقيت الصلوات الخمس بينها جبريل - عليه السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله ، فكان ينزل فيصلي به كل صلاة في وقتها إلى أن بين له مواقيتها كلها ، وكان ذلك في أول ما افترضت الصلوات الخمس . وقد روي في ذلك أحاديث متعددة ، ولم يخرج في ( الصحيحين ) منها غير حديث أبي مسعود هذا ، وقد خرجه البخاري - أيضا - في ( المغازي ) من رواية شعيب ، عن الزهري - مختصرا . وخرجه من طريق مالك والليث بن سعد ، عن الزهري ، ولفظ حديث الليث عنده : أن عروة قال لعمر : سمعت بشير بن أبي مسعود يقول : سمعت أبا مسعود يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( نزل جبريل عليه السلام ، فأمني ، فصليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ) ، ويحسب بأصابعه خمس صلوات . ورواه ابن أبي ذئب في ( موطئه ) ، عن ابن شهاب ، ولفظ حديثه : إن أبا مسعود قال للمغيرة : ألم تعلم أن جبريل نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم ( فصلى ، وصلى ، وصلى ، وصلى ، وصلى ، ثم صلى ، ثم صلى ، ثم صلى ، ثم صلى ، ثم صلى ، ثم قال : ( هكذا أمرت ) . وفي هذا تكرار صلاة جبريل ، وليس فيه ذكر بيان شيء من الأوقات . قال أبو داود : يروي هذا الحديث عن الزهري : معمر ومالك وابن عيينة وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وغيرهم ، لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه ، لم يفسروه . وكذلك - أيضا - رواه هشام بن عروة وحبيب بن أبي مرزوق ، عن عروة نحو رواية معمر وأصحابه ، إلا أن حبيبا لم يذكر ( بشيرا ) . وخرجه أبو داود بسياق فيه تفسير المواقيت من رواية أسامة بن زيد الليثي ، أن ابن شهاب أخبره ، أن عروة قال لعمر بن عبد العزيز : سمعت بشير بن أبي مسعود يقول : سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( نزل جبريل عليه السلام فأخبرني بمواقيت الصلاة ، فصليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت [معه] ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ) ، يحسب بأصابعه خمس صلوات ، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر حين تزول الشمس ، وربما أخرها حين يشتد الحر ، ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة ، فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس ، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس ، ويصلي العشاء حين يسود الأفق ، وربما أخرها حتى يجتمع الناس ، وصلى الصبح مرة بغلس ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ، لم يعد إلى أن يسفر . وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) والحاكم وصححه . وقال الخطابي : هو صحيح الإسناد . وقال ابن خزيمة : هذه الزيادة لم يقلها أحد غير أسامة بن زيد . وقال الدارقطني : خالفه يونس وابن أخي الزهري ، فروياه عن الزهري ، قال : بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر مواقيت الصلاة بغير إسناد فوق الزهري ، وحديثهما أولى بالصواب . وقال أبو بكر الخطيب : وهم أسامة بن زيد إذ ساق الحديث كله بهذا الإسناد ؛ لأن قصة المواقيت ليست من حديث أبي مسعود ، وإنما كان الزهري يقول فيها : وبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الظهر حين تزول الشمس - إلى آخره ، بين ذلك يونس في روايته عن ابن شهاب ، وفصل حديث أبي مسعود المسند من حديث المواقيت المرسل ، وأورد كل واحد منهما منفردا . وقد روي بيان المواقيت في حديث أبي مسعود من وجه آخر ، من رواية أيوب بن عتبة ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، أن عروة بن الزبير حدث عمر بن عبد العزيز ، قال : حدثني أبو مسعود الأنصاري - أو بشير بن أبي مسعود ، قال : كلاهما قد صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن جبريل جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دلكت الشمس ، فقال : يا محمد ، صلي الظهر فصلى . قال : ثم جاء حين صار ظل كل شيء مثله ، فقال : يا محمد صلي العصر . قال : فصلى ، ثم أتاه حين غربت الشمس ، فقال : يا محمد ، صلي المغرب . قال : فصلى ، ثم جاءه حين غاب الشفق ، فقال : يا محمد ، صلي العشاء . قال : فصلى ، ثم أتاه حين انشق الفجر ، فقال : يا محمد ، صلي الصبح . قال : فصلى . قال : ثم أتاه حين كان ظل كل شيء مثله من الغد ، فقال : يا محمد ، صلي الظهر . قال : فصلى . قال : ثم أتاه حين صار ظل كل شيء مثليه ، فقال : يا محمد ، صلي العصر . قال : فصلى . قال : ثم أتاه حين غربت الشمس ، فقال : يا محمد ، صلي المغرب . قال : فصلى ، ثم أتاه حين ذهب ساعة من الليل ، قال : يا محمد ، صلي العشاء . قال : فصلى . قال : ثم أتاه حين أضاء الفجر وأسفر ، قال : يا محمد ، صلي الصبح . قال : فصلى . ثم قال : ( ما بين هذين وقت ) - يعني : أمس واليوم . أيوب بن عتبة اليمامي ، ضعفه أحمد ، وقال مرة : ثقة إلا أنه لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير . وقال البخاري : هو عندهم لين . وقال الدارقطني : يترك ، وقال مرة : يعتبر به ، هو شيخ . وقال ابن عدي : هو مع ضعفه يكتب حديثه . وضعف أبو حاتم حديثه من حفظه ، وقال : كتابه صحيح . وقد شك في إسناد هذا الحديث : هل هو عن أبي مسعود ، أو عن بشير ابنه ؟ وعلى تقدير أن يكون عن بشير ابنه فيكون مرسلا ، وقوله : ( وكلاهما صحب النبي صلى الله عليه وسلم ) وهم ، ونسب الدارقطني الوهم إلى أبي بكر بن حزم - : ذكره في العلل . وخرجه في سننه مختصرا من طريق أيوب بن عتبة ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عروة ، عن ابن أبي مسعود ، عن أبيه - إن شاء الله . وهذا يدل على أنه اضطرب في إسناده . وقد خالفه الثقات في هذا ، فرووا هذا الحديث مرسلا : رواه معمر ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن أبيه مرسلا . ورواه الثوري وابن عيينة ، عن عبد الله بن أبي بكر ويحيى بن سعيد - كلاهما - ، عن أبي بكر بن حزم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، وكذا رواه أبو ضمرة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن حزم مرسلا . لكن رواه سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن أبي مسعود الأنصاري ، من غير ذكر ( عروة ) . خرجه بقي بن مخلد في مسنده عن ابن كاسب ، عن إسماعيل بن عبد الله - هو : ابن أبي أويس - ، عن سليمان ، به - فذكر حديث المواقيت بطوله . وخرجه البيهقي في المعرفة من طريق أحمد بن عبيد الصفار : حدثنا الأسفاطي : نا إسماعيل - فذكره . [وخرجه] أبو بكر الباغندي في ( مسند عمر بن عبد العزيز ) ، عن إسحاق ابن إبراهيم بن سويد الرملي ، عن أيوب بن سليمان بن بلال ، عن أبي بكر عبد الحميد بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن حزم ، عن أبي مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث بطوله . ورواه البخاري في تاريخه ، عن أيوب بن سليمان ، عن أبي بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، قال : قال صالح بن كيسان : سمعت أبا بكر بن حزم ، أنه بلغه أن أبا مسعود [قال] : نزل [ جبريل ] على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة - فذكر الحديث بطوله ، وقال في آخره : قال صالح بن كيسان : وكان عطاء يحدث عن جابر في وقت الصلاة بنحو ما كان أبو مسعود يحدث . قال صالح : وكان عمرو بن دينار وأبو الزبير المكي يحدثان مثل [ ذلك ، عن ] جابر بن عبد الله . قال الدارقطني في العلل : ورواه زفر بن الهذيل ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن [محمد] بن عمرو بن حزم ، عن أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر حديث المواقيت بطوله . ورواه زفر - أيضا - ، عن أبي حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم - بمثله ، مرسلا . وزفر : قال الدارقطني : ثقة . وقد روي حديث صلاة جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس في مواقيتها في يومين مع بيان مواقيتها من رواية : ابن عباس ، وجابر ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وابن عمر ، وأنس ، ولم يخرج شيء منها في الصحيح . وحكى الترمذي في كتابه عن البخاري ، أنه قال : أصح شيء في المواقيت حديث جابر . وحديث جابر المشار إليه خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي في كتابه الكبير ، ولفظه : قال : جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين مالت الشمس ، فقال : قم يا محمد ، فصل [الظهر] حين مالت الشمس ، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر ، فقال : قم يا محمد ، فصل العصر ، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه ، فقال : قم ، فصل المغرب ، فقام فصلاها حين غابت الشمس . سواء ، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه فقال : قم ، فصل العشاء ، فقام فصلاها ، ثم جاءه جبريل حين سطع الفجر بالصبح ، فقال : يا محمد ، قم فصل ، فقام فصلى الصبح ، ثم جاءه من الغد ، فقال : قم يا محمد فصل ، فقام فصلى الظهر ، ثم جاءه حين كان فيء الرجل مثليه ، فقال : قم يا محمد ، فصل العصر ، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه ، فقال : قم ، فصل المغرب ، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول ، فقال : قم ، فصل العشاء ، ثم جاءه للصبح حين أسفر جدا ، فقال : قم فصل الصبح ، ثم قال : ( ما بين هذين وقت كله ) . وذكر أبو داود في كتابه بعضه - تعليقا . وخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم ، وقال : صحيح مشهور من حديث ابن المبارك ، عن حسين بن علي بن حسين ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر . قال : والشيخان لم يخرجاه لقلة حديث الحسين بن علي الأصغر . وحسين هذا : وثقة النسائي وغيره . وقال عبد الله بن الإمام أحمد : سألت أبي عن هذا الحديث : ما ترى فيه ، وكيف حال الحسين ؟ فقال أبي : أما الحسين فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي ، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بالمنكر ؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره . وإنما قال الإمام أحمد : ( ليس بالمنكر ؛ لأنه قد وافقه على بعضه غيره ) ، لأن قاعدته : أن ما انفرد به ثقة ، فإنه يتوقف فيه حتى يتابع عليه ، فإن توبع عليه زالت نكارته ، خصوصا إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والإتقان ، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما . وقال الترمذي : حديث جابر قد رواه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وأبو الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، نحو حديث وهب بن كيسان ، عن جابر . انتهى . ورواه - أيضا - بشير بن سلام الأنصاري المدني عن جابر - أيضا . وقد ذكرت أحاديث هذا الباب كلها بطرقها وعللها في كتاب شرح الترمذي . وقد دل القرآن في غير موضع على مواقيت الصلوات الخمس ، وجاءت السنة مفسرة لذلك ومبينة له : فمن ذلك : قول الله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ وقد ذكر غير واحد من الأئمة كمالك والشافعي : أن هذه الآية تدل على الصلوات الخمس ، وروي معناه عن طائفة من السلف . فقال ابن عمر : دلوك الشمس : ميلها - يشير إلى صلاة الظهر حينئذ . وعن ابن عباس ، قال : دلوك الشمس : إذا جاء الليل . وغسق الليل : اجتماع الليل وظلمته . وقال قتادة : دلوك الشمس : إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر . وغسق الليل : بدء الليل صلاة المغرب . وقد قيل : إن الله تعالى ذكر ثلاثة أوقات ، لأن أصل الأوقات ثلاثة ، ولهذا تكون في حالة جواز الجمع بين الصلاتين ثلاثة فقط ، فدلوك الشمس : وقت لصلاة الظهر والعصر في الجملة ، وغسق الليل : وقت لصلاة المغرب والعشاء في الجملة ، ثم ذكر وقت الفجر بقوله : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ) ، ثم يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وكذلك قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ فقوله : طَرَفَيِ النَّهَارِ يدخل فيه صلاة الفجر وصلاة العصر . وقد قيل : إنه يدخل فيه صلاة الظهر والعصر ، لأنهما في الطرف الأخير ، وزلف الليل يدخل فيه المغرب والعشاء . وكذا قال قتادة : إن زلف الليل يدخل فيه المغرب والعشاء ، وإن طرفي النهار يدخل فيه الفجر والعصر . وروي عن الحسن ، أنه قال في قوله : طَرَفَيِ النَّهَارِ قال : صلاة الفجر ، والطرف الآخر الظهر والعصر وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ المغرب والعشاء . وكذلك قوله : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ وفي الحديث الصحيح عن جرير البجلي - حديث الرؤية - : ( فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ) ، ثم قرأ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وقد أدرج أكثر الرواة القراءة في الحديث ، وبين بعضهم : أن جريرا هو الذي قرأ ذلك ، فبين أن صلاة الصبح وصلاة العصر يدخل في التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، وأما التسبيح من آناء الليل فيدخل فيه صلاة المغرب وصلاة العشاء . وقوله : وَأَطْرَافَ النَّهَارِ يدخل في صلاة الفجر وصلاة العصر ، وربما دخلت فيه صلاة الظهر ؛ لأنها في أول طرف النهار الآخر. وقال تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وقد قال ابن عباس وأبو صالح : إن التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل الغروب : الصبح وصلاة العصر . وقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال مجاهد : الليل كله . وهذا يدخل فيه صلاة المغرب والعشاء ، ويدخل فيه التهجد المتنفل به - أيضا . وقال خصيف : المراد بتسبيحه من الليل : صلاة الفجر المكتوبة ، وفيه بعد . وأما أَدْبَارَ السُّجُودِ ، فقال أكثر الصحابة ، منهم : عمر ، وعلي ، والحسن بن علي ، وأبو هريرة ، وأبو أمامة وغيرهم : إنهما ركعتان بعد المغرب ، وهو رواية عن ابن عباس ، وروي عنه مرفوعا ، خرجه الترمذي بإسناد فيه ضعف . فاشتملت الآية على الصلوات الخمس مع ذكر بعض التطوع . وقال تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ فقوله : حِينَ تَقُومُ قد فسر بإرادة القيام إلى الصلاة ، وهو قول زيد بن أسلم والضحاك ، وفسر بالقيام من النوم ، وهو قول أبي الجود ، وفسر بالقيام من المجالس . وقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال مجاهد : من الليل كله ، يدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء وصلاة الليل المتطوع بها . وفسره خصيف بصلاة الفجر ، وفيه نظر . وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ركعتا الفجر ، كذا قاله علي وابن عباس في رواية ، وروي عن ابن عباس مرفوعا . خرجه الترمذي وفيه ضعف . وقال تعالى : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ قال الإمام أحمد : نا ابن مهدي : نا سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، قال : جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس ، فقال : الصلوات الخمس في القرآن ؟ فقال : نعم ، فقرأ : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ قال : صلاة المغرب وَحِينَ تُصْبِحُونَ صلاة الفجر وَعَشِيًّا صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ صلاة الظهر ، وقرأ : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم ، قال : جاء نافع - ولم يذكر : أبا رزين . وروى آدم - أيضا - : نا شريك ، عن ليث بن أبي سليم ، عن الحكم بن عتيبة ، عن أبي البختري ، عن ابن عباس ، قال : جمعت هذه الآية الصلوات كلها - فذكره بمعناه ، ولم يذكر فيه : صلاة العشاء . روي عن الحسن وقتادة في قوله تعالى فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ قال : صلاة المغرب والعشاء ، وَحِينَ تُصْبِحُونَ صلاة الغداة ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا قال : العصر ، وَحِينَ تُظْهِرُونَ قال : الظهر . خرجه البيهقي وغيره . وأما تأخير المغيرة بن شعبة وعمر بن عبد العزيز الصلاة يوما ، فإنما كان تأخيرهما كذلك عن وقت صلاتهما المعتادة ولم يؤخراها حتى خرج الوقت . وقد روى الليث هذا الحديث ، عن الزهري ، وفيه : ( أن عمر أخر العصر شيئا ) . ولهذا ذكر عروة حديث عائشة في تعجيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العصر ، ولم يكن عمر بن عبد العزيز يؤخر الصلاة كتأخير سائر بني أمية ، إنما أخر العصر يوما . وفي حديث أسامة بن زيد ، عن الزهري ، أن عمر كان قاعدا على المنبر ، فأخر العصر شيئا . وكان هذا في أيام ولايته للمدينة نيابة عن الوليد ، ولم يكن - رحمة الله عليه - يظن أن توقيت الصلوات في هذه الأوقات الخمس كان بوحي من الله عز وجل مع جبريل عليه السلام ، بل كان يظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سن ذلك لأمته ، وربما لم يكن بلغه ما سنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من التوقيت ، فكان يجري على العادة التي اعتادها الناس ، حيث لم يكن في القرآن تصريح بمواقيت الخمس ، ولم يبلغه ما سنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بتعليم جبريل إياه ، فلما بلغه ذلك اجتهد حينئذ على المحافظة على مواقيت الصلاة ، وكان في أيام خلافته يوصي عماله بذلك ، وكان يعتب على الحجاج وغيره من ولاة السوء تأخيرهم الصلاة عن مواقيتها . وفي رواية معمر ، عن الزهري لهذا الحديث ، قال : فما زال عمر يعلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا . وفي رواية حبيب بن أبي مرزوق ، عن عروة لهذا الحديث ، قال : فبحث عمر عن ذلك حتى وجد ثبته ، فما زال عمر عنده علامات الساعات ينظر فيها حتى قبض رحمه الله . وقد كان عمر بن عبد العزيز - أحيانا - قبل سماعه لهذا الحديث يؤخر الصلوات إلى آخر الوقت على ما جرت به عادة بني أمية . وفي الصحيحين عن أبي أمامة بن سهل ، قال : صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك ، فوجدناه يصلي العصر فقلت : يا عم ، ما هذه الصلاة التي صليت ؟ قال : العصر ، وهذه صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كنا نصلي معه . وخرج مسلم من حديث عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها - أو يميتون الصلاة عن وقتها ؟ ) قال : قلت : فما تأمرني ؟ قال : ( صل الصلاة لوقتها ، فإن أدركتها معهم فصل ، فإنها لك نافلة ) . وقد روي هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من روايات متعددة . وقد كان الصحابة يأمرون بذلك ويفعلونه عند ظهور تأخير بني أمية للصلاة عن أوقاتها ، وكذلك أعيان التابعين ومن بعدهم من أئمة العلماء : قال [ أحمد ] وإسحاق : إنما يصلي في بيته ثم يأتي المسجد إذا صلى الأئمة في غير الوقت - : نقله عنهما ابن منصور . ومرادهما : إذا صلوا بعد خروج الوقت ، فإن تأخير الصلاة عن وقتها عمدا في غير حال يجوز فيها الجمع لا يجوز إلا في صور قليلة مختلف فيها ، فأما إن أخروا الصلاة عن أوائل وقتها الفاضلة ، فإنه يصلي معهم ويقتصر على ذلك . وقد روى الشافعي بإسناده ، عن ابن عمر ، أنه أنكر على الحجاج إسفاره بالفجر ، وصلى معه يومئذ . وقد قال النخعي : كان ابن مسعود يصلي مع الأمراء في زمن عثمان وهم يؤخرون بعض التأخير ، ويرى أنهم يتحملون ذلك . وإنما كان يفعل ذلك في أيام إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة في زمن عثمان ، فإنه كان أحيانا يؤخر الصلاة عن أول وقتها . وفي مسند الإمام أحمد أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة مرة ، فقام ابن مسعود فتقرب ، فصلى بالناس ، وقال : أبى الله ورسوله علينا أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك . وفي سنن أبي داود : عن صالح بن عبيد ، عن قبيصة بن وقاص ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يكون عليكم أمراء من بعدي ، يؤخرون الصلاة ، فهي لكم وعليهم ، فصلوا معهم ما صلوا القبلة ) . وهذا الحديث معلول من وجهين : أحدهما : أن قبيصة بن وقاص وإن عده بعضهم في الصحابة ، فقد أنكر ذلك آخرون . والثاني : أن صالح بن عبيد ، قال بعضهم : إنه لا يعرف حاله ، منهم : الأثرم وغيره . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عطاف بن خالد ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن رجل من جهينة ، عن عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه . وفي هذا الإسناد ضعف . وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وعاصم ، ضعيف . وإن صحت هذه الأحاديث ، فهي محمولة على من أخر الصلاة عن أول وقتها الأفضل إلى آخر الوقت ، وحديث أبي ذر وما في معناه محمول على من أخرها عن الوقت حتى خرج الوقت ، أو إلى وقت يكره تأخير الصلاة إليه ، كتأخير العصر إلى أن تصفر الشمس ، وقد روي ذلك عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا . وعلى هذا يدل كلام أحمد وإسحاق كما سبق ذكره ، وأن الإمام إذا صلى في آخر الوقت فإنه يصلي معه ولا يصلي قبله في البيت ، كما إذا أخرها عن الوقت . واستدل الإمام أحمد بقول ابن مسعود في الذين يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى ، فأمرهم أن يصلوا للوقت ، ثم يصلوا معهم . وقد خرجه مسلم في صحيحه . وروي عن عطاء ، أنه يكتفي بالصلاة معهم ولا يصلي في بيته ما لم يؤخروا حتى تغرب الشمس . ذكره عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عنه . وقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : إذا أخر الإمام الصلاة عن أول الوقت فإن وجد جماعة غيره في أول الوقت صلى مع الجماعة ، وإلا انتظر الإمام حتى يصلي ؛ لأن الجماعة عندنا فرض . وكذلك مذهب مالك وأصحابه : أن تأخير الصلاة لانتظار الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت منفردا . ونص الإمام أحمد في رجل أمره أبوه أن يصلي به ، وكان أبوه يؤخر الظهر إلى العصر ، أنه يصلي به . فإن كان يؤخر الصبح حتى تطلع الشمس لم يفعل . وللشافعي في ذلك قولان : أحدهما : ينتظر الإمام إذا أخرها عن أول الوقت . والثاني : يصلي في أول الوقت منفردا ، وهو أفضل من التأخير للجماعة . وقالت طائفة من أصحابه : الأفضل أن يجمع بين الأمرين ، فيصلي في أول الوقت منفردا ، ثم يصلي مع الجماعة في أثناء الوقت ، وإن أراد الاقتصار على صلاة واحدة فالتأخير للجماعة أفضل . ومنهم من ذكر احتمالا : إن فحش التأخير فالانفراد أول الوقت أفضل ، وإن خف فالانتظار أفضل . واستدل صاحب شرح المهذب لتفضيل الجمع بينهما ، بأن في صحيح مسلم ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه سيجيء قوم يؤخرون الصلاة عن أول وقتها - وذكر الحديث المتقدم . وليس في صحيح مسلم ذكر أول الوقت ولا وجدناه في غيره - أيضا - ، بل في الأحاديث ما يدل على خلاف ذلك ، وأنهم يؤخرون الصلاة حتى يذهب وقتها . كذلك في حديث عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود . وقد استدل الإمام أحمد بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في الوقت عند تأخير الأمراء على أن الجمع بين الصلاتين لغير عذر غير جائز . وسيأتي زيادة بيان لذلك في موضع آخر - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وأما تقديم الصلاة على وقتها في غير جمع فلا يجوز - أيضا - ، فلو صلى الظهر قبل الزوال ، والصبح قبل طلوع الفجر ، والمغرب قبل غروب الشمس فعليه الإعادة ، وسواء تعمد ذلك أو لم يتعمده ، هذا قول جمهور العلماء . قال ابن المنذر : اختلفوا في الصلاة قبل دخول الوقت ، فروينا عن عمر وأبي موسى الأشعري ، أنهما أعادا الفجر لأنهما كان صلياها قبل الوقت ، وبه قال الزهري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ، وقد روينا عن ابن عباس ، أنه قال في رجل صلى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس ، قال : يجزئه . وقال الحسن : مضت صلاته . وبنحو ذلك قال الشافعي . وعن مالك فيمن صلى العشاء في السفر قبل غيبوبة الشفق جاهلا وساهيا يعيد ما كان في وقت ، فإذا ذهب الوقت قبل أن يعلم أو يذكر فلا إعادة عليه . انتهى . وقال ابن عبد البر : لا خلاف بين العلماء أن وقت الصلاة من فرائضها ، وأنها لا تجزئ قبل وقتها ، إلا شيء روي عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التابعين ، أجمع العلماء على خلافه ، فلم أر لذكره وجها ؛ لأنه لا يصح عنهم ، وقد صح عن أبي موسى خلافه بما وافق الجماعة ، فصار اتفاقا صحيحا . قلت : ليس هذا الاختلاف في جواز تقديم الصلاة على وقتها عمدا ، إنما الاختلاف فيمن اجتهد وصلى ثم تبينت صلاته قبل الوقت ، وقد مضى الوقت ، فهذا في وجوب الإعادة فيه قولان للشافعي ، والاختلاف المروي عن السلف يرجع إلى هذين القولين ، وقد حكي رواية عن أحمد أنه لا يلزمه القضاء . قال القاضي أبو يعلى الصغير في تعليقه : قد تأولها أصحابنا . وما حكاه ابن المنذر عن مالك قد روى صالح بن أحمد وأبو الحارث ، عن أحمد في المسافر إذا صلى العشاء قبل مغيب الشفق : أرجو . وتأوله بعض أصحابه عن الشفق الأبيض ، وهو بعيد . وقد نقل ابن منصور ، عن أحمد ، أنه إذا صلى العشاء في السفر بعد غيبوبة الشفق الأحمر وقبل غيبوبة البياض ، فإنه يجوز ، وعلل بأنه إما أن يكون مصليا في الوقت عند من يرى أن الشفق الحمرة ، وإما أن يكون جامعا بين الصلاتين في السفر ، وهو جائز . وهذا يدل على جواز الجمع في السفر في وقت الأولى مع التفريق بين الصلاتين ، وعلى أن نية الجمع لا تشترط . وروى حرب ، عن أحمد فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق ، قال : لا أدري . وفيمن صلى العصر قبل مصير ظل الشيء مثله : إنه يعيد ، ولم يقيد هذا بالسفر . ولو كان معللا بجواز الجمع كما نقله عنه ابن منصور ، لم يكن فرق بين العشاء والعصر ، لأن كلتا الصلاتين تجمع إلى ما قبلها . والظاهر : أنه أراد بالشفق الحمرة ؛ فإن أحمد متوقف في صلاة العشاء قبل مغيب البياض ، على ما سيأتي ذكره - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب مواقيت الصلاة وفضلها · ص 307 بسم الله الرحمن الرحيم . ( كتاب مواقيت الصلاة ) أي هذا كتاب في بيان أحكام مواقيت الصلاة، ولما فرغ من بيان الطهارة بأنواعها، التي هي شرط الصلاة شرع في بيان الصلاة بأنواعها، التي هي المشروط، والشرط مقدم على المشروط، وقدمها على الزكاة والصوم وغيرهما، لما أنها تالية الإيمان وثانيته في الكتاب والسنة، ولشدة الاحتياج وعمومه إلى تعليمها، لكثرة وقوعها ودورانها بخلاف غيرها من العبادات، وهي في اللغة من تحريك الصلوين، وهما العظمان النابتان عند العجيزة، وقيل: من الدعاء، فإن كانت من الأول تكون من الأسماء المغيرة شرعا، المقررة لغة، وإن كانت من الثاني تكون من الأسماء المنقولة، وفي الشرع: عبارة عن الأركان المعلومة والأفعال المخصوصة . والمواقيت: جمع ميقات على وزن مفعال، وأصله: موقات ، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها من وقت الشيء يقته: إذا بين حده ، وكذا وقته يوقت ، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان في الحج، والتوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به ، وهو بيان مقدار المدة ، وكذلك التأقيت . وقال السفاقسي : الميقات هو الوقت المضروب للفعل والموضع، وفي ( المنتهى ): كل ما جعل له حين وغاية فهو موقت، ووقته ليوم كذا: أي أجله وفي ( المحكم ): وقت موقوت وموقت محدود وفي ( نوادر الهجري ) قال القردي: أيقتوا موقتا آتيكم فيه . ثم قوله: كتاب مواقيت الصلاة ، هكذا في رواية المستملي، وبعده البسملة، ولرفيقيه البسملة مقدمة وبعدها باب مواقيت الصلاة وفضلها ، وكذا في رواية كريمة لكن بلا بسملة ، وكذا في رواية الأصيلي، لكن بلا باب . ( باب مواقيت الصلاة وفضلها ) من العادة المستمرة عند المصنفين أن يذكروا الأبواب والفصول بعد لفظ الكتاب ، فإن الكتاب يشمل الأبواب والفصول، والباب هو النوع وأصله البوب ، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ويجمع على أبواب، وقد قالوا أبوبة ، وإنما جمع في قول القتال الكلابي : ( هتاك أخبية ولاج أبوبة ) للازدواج ولو أفرده لم يجز ، ويقال : أبواب مبوبة ، كما يقال : أصناف مصنفة، والبابة: الخصلة، والبابات: الوجوه . وقال ابن السكيت : البابة عند العرب: الوجه . ( وقوله: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا وقته عليهم ) . وقوله: مجرور عطفا على مواقيت الصلاة ، أي : هذا باب في بيان مواقيت الصلاة وبيان قوله: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا وفسر موقوتا بقوله: وقته عليهم، ، أي : وقت الله تعالى الكتاب ، أي : المكتوب الذي هو الصلاة عليهم ، أي : على المسلمين، وليس بإضمار قبل الذكر لوجود القرينة، ووقع في أكثر الروايات موقوتا موقتا، وقته عليهم وليس في بعض النسخ لفظ موقتا، يعني : بالتشديد، واستشكل ابن التين تشديد القاف من وقته . وقال: المعروف في اللغة التخفيف . ( قلت : ) ليس فيه إشكال ؛ لأنه جاء في اللغة : وقته بالتخفيف ، ووقته بالتشديد ، فكأنه ما اطلع على ما في ( المحكم ) وغيره . وقال بعضهم : أراد بقوله موقتا : بيان قوله موقوتا ، ( قلت ) : هذا كلام واه ليس في لفظ موقوتا إبهام حتى يبينه بقوله موقتا ، وعن مجاهد في تفسير قوله موقوتا ، يعني : مفروضا وقيل : يعني : محدودا . 1 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، قال : قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما ، فدخل عليه عروة بن الزبير ، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما ، وهو بالعراق ، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري ، فقال : ما هذا يا مغيرة ، أليس قد علمت أن جبريل - صلى الله عليه وسلم - نزل فصلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، ثم صلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، ثم صلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، ثم صلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، ثم صلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : بهذا أمرت ، فقال عمر لعروة : اعلم ما تحدث ، أو إن جبريل هو أقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت الصلاة ، قال عروة : كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه ، قال عروة : ولقد حدثتني عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر . مطابقته للترجمة في قوله : ( إن جبريل عليه السلام نزل فصلى ) ، إلى آخره ، وهي خمس مرات ، فدل أن الصلاة موقتة بخمسة أوقات ، فإن قلت : إن الحديث لا يدل إلا على عدد الصلاة ؛ لأنه لم يذكر الأوقات ، ( قلت ) : وقوع الصلاة خمس مرات يستلزم كون الأوقات خمسة ، واقتصر أبو مسعود على ذكر العدد ؛ لأن الوقت كان معلوما عند المخاطب . ذكر رجاله المذكورين فيه تسعة : الأول : عبد الله بن مسلمة القعنبي . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع : عمر بن عبد العزيز بن مروان أمير المؤمنين من الخلفاء الراشدين . الخامس : عروة بن الزبير بن العوام . السادس : المغيرة بن شعبة الصحابي . السابع : أبو مسعود الأنصاري ، واسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري ، رضي الله تعالى عنه . الثامن : ابنه بشير بفتح الباء الموحدة التابعي الجليل . التاسع : عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والإخبار بصيغة الإفراد من الماضي ، وفيه القراءة على الشيخ ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه أن رجاله كلهم مدنيون ، وفيه ما قال ابن عبد البر ، وهو أن هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء ؛ لأن ابن شهاب لم يقل حضرت مراجعة عروة لعمر بن عبد العزيز ، وعروة لم يقل حدثني بشير ، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة لا بالصيغ . وقال الكرماني : اعلم أن هذا الحديث بهذا الطريق ليس بمتصل الإسناد ، إذ لم يقل أبو مسعود شاهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : رواية الليث عند المصنف تزيل الإشكال كله ، ولفظه : قال عروة : سمعت بشير بن أبي مسعود يقول : سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : فذكر الحديث ، وفي رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن شهاب قال : كنا مع عمر بن عبد العزيز فذكره ، وفي رواية شعيب ، عن الزهري ، سمعت عروة يحدث أن عمر بن عبد العزيز الحديث ، انتهى . ( قلت ) : قول هذا القائل رواية الليث عند المصنف تزيل الإشكال كله إلخ ، غير مسلم في الرواية التي هاهنا ؛ لأنها غير متصلة الإسناد بالنظر إلى الظاهر ، وإن كانت في نفس الأمر متصلة الإسناد ، وكلام الكرماني بحسب الظاهر ، وإن كان الإسناد في نفس الأمر متصلا . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في بدء الخلق ، عن قتيبة ، عن الليث ، وفي المغازي ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، ثلاثتهم عن الزهري ، عن عروة عنه به ، وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن قتيبة ومحمد بن رمح كلاهما ، عن الليث به ، وعن يحيى بن يحيى ، عن مالك به ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن محمد بن مسلمة ، عن ابن وهب ، عن أسامة بن زيد ، عن الزهري به ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة به ، وأخرجه ابن ماجه ، عن محمد بن رمح به . ( ذكر معناه ) قوله : ( أخر الصلاة يوما ) وفي رواية البخاري : في بدء الخلق ( أخر العصر يوما ) وقوله : ( يوما ) بالتنكير ، ليدل على التقليل ، ومراده يوما ما ، لا أن ذلك كان سجيته ، كما كانت ملوك بني أمية تفعل ، لا سيما العصر ، فقد كان الوليد بن عتبة يؤخرها في زمن عثمان - رضي الله تعالى عنه ، وكان ابن مسعود ينكر عليه . وقال عطاء : أخر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى ، وكذا كان الحجاج يفعل ، وأما عمر بن عبد العزيز فإنه أخرها عن الوقت المستحب المرغب فيه ، لا عن الوقت ، ولا يعتقد ذلك فيه لجلالته وإنكاره عروة عليه ، إنما وقع لتركه الوقت الفاضل الذي صلى فيه جبريل عليه الصلاة والسلام . وقال ابن عبد البر : المراد أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب ، لا أنه أخرها حتى غربت الشمس ، ( فإن قلت ) روى الطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب ، عن أسامة بن زيد الليثي ، عن ابن شهاب في هذا الحديث ( قال دعا المؤذن لصلاة العصر ، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصليها ) قلت : معناه : أنه قارب المساء ، لا أنه دخل فيه ، قوله : ( وهو بالعراق ) جملة اسمية وقعت حالا عن المغيرة ، وأراد به عراق العرب ، وهو من عبادان إلى الموصل طولا ، ومن القادسية إلى حلوان عرضا ، وفي رواية القعنبي وغيره ، عن مالك ، وهو بالكوفة ، وكذا أخرجه الإسماعيلي ، عن أبي خليفة ، عن القعنبي ، والكوفة من جملة عراق العرب ، وكان المغيرة بن شعبة إذ ذاك أميرا على الكوفة من قبل معاوية بن أبي سفيان ، قوله : ( فقال : ما هذا ) أي : التأخير ، قوله : ( أليس قد علمت ) الرواية وقعت كذا أليس ، وكان مقتضى الكلام ألست بالخطاب ، قال القشيري : قال بعض فضلاء الأدب : كذا الرواية ، وهي جائزة ، إلا أن المشهور في الاستعمال ألست ، يعني : بالخطاب . وقال عياض : يدل ظاهر قوله : ( قد علمت على علم المغيرة بذلك ) ، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظن من أبي مسعود لعلمه بصحبة المغيرة ، ( قلت ) : لأجل ذلك ذكره بلفظ الاستفهام في ، قوله : ( أليس ) ، ولكن يؤيد الوجه الأول رواية شعيب ، عن ابن شهاب عند البخاري أيضا في غزوة بدر بلفظ ، فقال : لقد علمت بغير حرف الاستفهام ونحوه ، عن عبد الرزاق ، عن معمر وابن جريج جميعا ، قوله : ( إن جبريل نزل ) بين ابن إسحاق في المغازي أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة ، وهي ليلة الإسراء ، قوله : ( فصلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ) الكلام هنا في موضعين : أحدهما في كلمة : ثم صلى فصلى ، والآخر في كلمة الفاء ، أما الأول فقد قال الكرماني : فإن قلت : لم قال في صلاة جبريل عليه الصلاة والسلام ، ثم صلى بلفظ ثم ، وفي صلاة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فصلى بالفاء ، ( قلت ) : لأن صلاة الرسول كانت متعقبة لصلاة جبريل عليه الصلاة والسلام بخلاف صلاته ، فإن بين كل صلاتين زمانا ، فناسب كلمة التراخي ، وأما الثاني ، فقد قال عياض : ظاهره أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل عليه الصلاة والسلام ، لكن المنصوص في غيره أن جبريل عليه الصلاة والسلام أم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فيحمل قوله : ( صلى فصلى ) على أن جبريل كان كلما فعل جزأ من الصلاة تابعه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ففعله . وقال النووي : صلى فصلى مكررا ، هكذا خمس مرات ، معناه أنه كلما فعل جزأ من أجزاء الصلاة فعله النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حتى تكاملت صلاتهما ، انتهى . قلت : مبنى كلام عياض على أن الفاء في الأصل للتعقيب ، فدل على أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت عقيب فراغ جبريل عليه الصلاة والسلام من صلاته ، وحاصل جوابه أنه جعل الفاء على أصله ، وأوله بالتأويل المذكور ، وبعضهم ذهب إلى أن الفاء هنا بمعنى الواو ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إذا ائتم بجبريل يجب أن يكون مصليا معه لا بعده ، وإذا حملت الفاء على حقيقتها وجب أن لا يكون مصليا معه ، واعترض عليه بأن الفاء إذا كان بمعنى الواو يحتمل أن يكون النبي - عليه الصلاة والسلام - صلى قبل جبريل ؛ لأن الواو لمطلق الجمع ، والفاء لا تحتمل ذلك ، ( قلت ) : مجيء الفاء بمعنى الواو لا ينكر ، كما في قوله : ( بين الدخول فحومل ) فإن الفاء فيه بمعنى الواو ، والاحتمال الذي ذكره المعترض يدفع بأن جبريل عليه السلام هنا مبين لهيئة الصلاة التي فرضت ليلة الإسراء ، فلا يمكن أن تكون صلاته بعد صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا لا يبقى لصلاة جبريل فائدة ، ويمكن أن تكون الفاء هنا للسببية ، كما في قوله تعالى : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قوله : ( بهذا ) ، أي : بأداء الصلاة في هذه الأوقات ، قوله : ( أمرت ) ، روي بضم التاء وفتحها ، وعلى الوجهين هو على صيغة المجهول . وقال ابن العربي : نزل جبريل عليه الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمورا مكلفا بتعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بأصل الصلاة ، وأقوى الروايتين فتح التاء ، يعني : أن الذي أمرت به من الصلاة البارحة مجملا هذا تفسيره اليوم مفصلا ، ( قلت ) : فعلى هذا الوجه يكون الخطاب من جبريل عليه الصلاة والسلام للنبي - صلى الله عليه وسلم ، وأما وجه الضم فهو أن جبريل عليه الصلاة والسلام يخبر عن نفسه أنه أمر به هكذا ، فعلى الوجهين الضمير المرفوع في قوله : ثم قال يرجع إلى جبريل عليه الصلاة والسلام ومن قال في وجه الضم أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أخبر عن نفسه أنه أمر به هكذا ، وأن الضمير في قال يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد أبعد ، وإن كان التركيب يقتضي هذا أيضا ، قوله : ( اعلم ما تحدث به ) بصيغة الأمر تنبيه من عمر بن عبد العزيز لعروة على إنكاره إياه . وقال القرطبي : ظاهره الإنكار ؛ لأنه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل عليه الصلاة والسلام ، إما لأنه لم يبلغه أو بلغه فنسيه ، والأولى عندي أن حجة عروة عليه ، إنما هي فيما رواه ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها وذكر له حديث جبريل موطئا له ومعلما له بأن الأوقات ، إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل عليه الصلاة والسلام للنبي - عليه السلام - عليها ، قوله ( أو أن جبريل ) قال السفاقسي : الهمزة حرف الاستفهام دخلت على الواو فكان ذلك تقديرا . وقال النووي : الواو مفتوحة وأن هاهنا تفتح وتكسر . وقال صاحب الاقتضاب : كسر الهمزة أظهر ؛ لأنه استفهام مستأنف إلا أنه ورد بالواو والفتح على تقدير أو علمت أو حدثت أن جبريل عليه الصلاة والسلام نزل ، ( قلت ) : لم يذكر أحد منهم أن الواو ، أي : واو هي ، وهي واو العطف على ما ذكره بعضهم ، ولكنه قال : والعطف على شيء مقدر ولم يبين ما هو المقدر ، قوله : ( وقت الصلاة ) بإفراد الوقت في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي : وقوت الصلاة ، بلفظ الجمع ، قوله : ( قال عروة ) قال الكرماني : هذا إما مقول ابن شهاب ، أو تعليق من البخاري ، ( قلت ) : فكيف يكون تعليقا ، وقد ذكره مسندا ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، كما سيأتي في باب وقت العصر فحينئذ يكون مقول ابن شهاب ، قوله : ( في حجرتها ) ، قال ابن سيده : الحجرة من البيوت معروفة ، وقد سميت بذلك لمنعها الداخل من الوصول إليها ، يقال : استحجر القوم واحتجروا اتخذوا حجرة ، وفي ( المنتهى ) و( الصحاح ) الحجرة : حظيرة الإبل ، ومنه : حجرة الدار ، تقول : احتجرت حجرة ، أي : اتخذتها والجمع حجر مثل غرفة وغرف وحجرات بضم الجيم ، قوله : ( أن تظهر ) ذكر في ( الموعب ) يقال : ظهر فلان السطح إذا علاه ، وعن الزجاج في قوله تعالى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أي : ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وإملاسه ، وفي ( المنتهى ) ظهرت البيت علوته ، وأظهرت بفلان أعليت به ، وفي كتاب ابن التين وغيره : ظهر الرجل فوق السطح إذا علا فوقه ، قيل : وإنما قيل له كذلك ؛ لأنه إذا علا فوقه ، فقد ظهر شخصه لمن تأمله ، وقيل معناه : أن يخرج الظل من قاعة حجرتها فيذهب وكل شيء خرج ، فقد ظهر والتفسير الأول أقرب وأليق بظاهر الحديث ؛ لأن الضمير في قوله : ( تظهر ) ، إنما هو راجع إلى الشمس ولم يتقدم للظل ذكر في الحديث ، وسنستوفي الكلام في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، عن قريب في باب وقت العصر إن شاء الله تعالى . ( ذكر ما يستنبط منه ) وهو على وجوه . الأول : فيه دليل على أن وقت الصلاة من فرائضها وأنها لا تجزي قبل وقتها وهذا لا خلاف فيه بين العلماء ، إلا شيء روي عن أبي موسى الأشعري ، وعن بعض التابعين ، أجمع العلماء على خلافه ، ولا وجه لذكره هاهنا ؛ لأنه لا يصح عنهم ، وصح عن أبي موسى خلافه مما وافق الجماعة فصار اتفاقا صحيحا ، الثاني : فيه المبادرة بالصلاة في أول وقتها وهذا هو الأصل ، وإن روي الإبراد بالظهر والإسفار بالفجر بالأحاديث الصحيحة . الثالث : فيه دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف السنة . الرابع : فيه جواز مراجعة العالم لطلب البيان والرجوع عند التنازع إلى السنة . الخامس : فيه أن الحجة في الحديث المسند دون المقطوع ولذلك لم يقنع عمر به ، فلما أسند إلى بشير بن أبي مسعود قنع به . السادس : استدل به قوم ، منهم ابن العربي على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس ، ( قلت ) : هذا استدلال غير صحيح ؛ لأن جبريل عليه الصلاة والسلام كان مكلفا بتبليغ تلك الصلاة ، ولم يكن متنفلا فتكون صلاة مفترض خلف مفترض . وقال عياض يحتمل أن لا تكون تلك الصلاة واجبة على النبي - صلى الله عليه وسلم حينئذ ، ورد بأنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة ، واعترض عليه باحتمال أن الوجوب عليه كان معلقا بالبيان فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة . السابع : فيه جواز البنيان ، ولكن ينبغي الاقتصار فيه ألا ترى أن جدار الحجرة كان قصيرا ، قال الحسن : كنت أدخل في بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا محتلم وأنا أسقفها بيدي . الثامن : استدل به من يرى جواز الائتمام بمن يأتم بغيره ، والجواب عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مبلغا فقط ، كما في قصة أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - في صلاته خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلاة الناس خلفه ، وسيأتي مزيد الكلام فيه في أبواب الإمامة . التاسع : فيه فضيلة عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه . العاشر : فيه ما قال ابن بطال : فيه دليل على ضعف الحديث الوارد في أن جبريل عليه الصلاة والسلام أم بالنبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - في يومين لوقتين مختلفين لكل صلاة ، قال : لأنه لو كان صحيحا لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر الوقت محتجا بصلاة جبريل عليه الصلاة والسلام مع أن جبريل قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت . وقال : الوقت ما بين هذين ، وأجيب عن هذا بأنه يحتمل أن تكون صلاة عمر - رضي الله تعالى عنه - كانت خرجت ، عن وقت الاختيار ، وهو مصير ظل الشيء مثليه ، لا عن وقت الجواز ، وهو مغيب الشمس فحينئذ يتجه إنكار عروة ولا يلزم منه ضعف الحديث ، أو يكون إنكار عروة لأجل مخالفة عمر ما واظب عليه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وهو الصلاة في أول الوقت ، ورأى أن الصلاة بعد ذلك ، إنما هي لبيان الجواز ، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضا ، وفي قوله : ما واظب عليه النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ، وهو الصلاة في أول الوقت نظر لا يخفى ، فإن قلت : ذكر حديث عائشة رضي الله تعالى عنها بعد ذكر حديث أبي مسعود ما وجهه ، ( قلت ) : لأن عروة احتج بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في كونه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها ، وبذلك تظهر مناسبة ذكره بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها بعد حديث أبي مسعود ؛ لأن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها يشعر بأنه عليه السلام كان يصلي العصر في أول الوقت ، وحديث أبي مسعود يشعر بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل عليه الصلاة والسلام . فإن قلت : ما معنى قولها قبل أن تظهر والشمس ظاهرة على كل شيء من أول طلوعها إلى غروبها ، ( قلت ) : إنها أرادت والفيء في حجرتها قبل أن يعلو على البيوت فكنت بالشمس عن الفيء ؛ لأن الفيء عن الشمس ، كما سمي المطر سماء ؛ لأنه من السماء ينزل ألا ترى أنه جاء في رواية لم يظهر الفيء من حجرتها ، وفي لفظ ( والشمس طالعة في حجرتي ) فافهم .