بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 77 ) كِتَاب اللِّبَاسِ 1 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ : سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ 5783 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ يُخْبِرُونَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ اللِّبَاسِ ) وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَزَادَ ابْنُ نُعَيْمٍ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ وَلِلنَّسَفِيِّ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الْآيَةَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ قُرَيْشٌ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً يُصَفِّرُونَ وَيُصَفِّقُونَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الْآيَةَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمَا نَحْوَهُ ، وَكَذَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي طَوَافِ الْمُشْرِكِينَ بِالْبَيْتِ وَهُمْ عُرَاةٌ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ طَاوُسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَلَكِنْ كَانُوا إِذَا طَافَ أَحَدُهُمْ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ ضُرِبَ وَانْتُزِعَتْ مِنْهُ يَعْنِي فَنَزَلَتْ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ سَقَطَ عَنِّي ثَوْبِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذْ عَلَيْكَ ثَوْبَكَ ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا ، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ ) ثَبَتَ هَذَا التَّعْلِيقُ لِلْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ فَقَطْ وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا مُعَلَّقَةً . وَلَمْ يَصِلْهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ به ، وَلَمْ يَقَعِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ ، وَذَكَرَهُ الْحَارِثُ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ وَتَصَدَّقُوا وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَوَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا أَيْضًا فِي كِتَابِ الشُّكْرِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا بِتَمَامِهِ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْفَصْلِ الْأَخِيرِ مِنْهُ - وَهِيَ الزِّيَادَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا - مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَهَذَا مُصَيَّرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى تَقْوِيَةِ شَيْخِهِ عَمْرِو ابْنِ شُعَيْبٍ ، وَلَمْ أَرَ فِي الصَّحِيحِ إِشَارَةً إِلَيْهَا إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَدْ قَلَبَ هَذَا الْإِسْنَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَصَحَّفَ وَالِدُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَقَوْلُهُ : عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : هَذَا خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ . وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ الَّذِي بَعْدَهُ لِلْآيَةِ ظَاهِرَةٌ ، لِأَنَّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَالْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ ، وَهُوَ فِي الْإِنْفَاقِ أَشْهَرُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَقَالَ - تَعَالَى - : فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ وَالْمَخِيلَةُ بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ وَهِيَ بِمَعْنَى الْخُيَلَاءِ وَهُوَ التَّكَبُّرُ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ هِيَ بِوَزْنِ مُفَعِّلَةٍ مِنَ اخْتَالَ إِذَا تَكَبَّرَ قَالَ : وَالْخُيَلَاءُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَقَدْ يُكْسَرُ مَمْدُودًا التَّكَبُّرُ . وَقَالَ الرَّاغِبُ : الْخُيَلَاءُ التَّكَبُّرُ يَنْشَأُ عَنْ فَضِيلَةٍ يَتَرَاآهَا الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَالتَّخَيُّلُ تَصْوِيرُ خَيَالِ الشَّيْءِ فِي النَّفْسِ ، وَوَجْهُ الْحَصْرِ فِي الْإِسْرَافِ وَالْمَخِيلَةِ أَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْ تَنَاوُلِهِ أَكْلًا وَلُبْسًا وَغَيْرِهِمَا إِمَّا لِمَعْنًى فِيهِ وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَهُوَ الْإِسْرَافُ . وَإِمَّا لِلتَّعَبُّدِ كَالْحَرِيرِ إِنْ لَمْ تَثْبُتْ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ ، وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ تَتَنَاوَلُ مُخَالَفَةَ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فَيَدْخُلُ الْحَرَامُ ، وَقَدْ يَسْتَلْزِمُ الْإِسْرَافُ الْكِبْرَ وَهُوَ الْمَخِيلَةُ قَالَ الْمُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِفَضَائِلِ تَدْبِيرِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ ، وَفِيهِ تَدْبِيرُ مَصَالِحِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَإِنَّ السَّرَفَ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَضُرُّ بِالْجَسَدِ وَيَضُرُّ بِالْمَعِيشَةِ فَيُؤَدِّي إِلَى الْإِتْلَافِ وَيَضُرُّ بِالنَّفْسِ إِذْ كَانَتْ تَابِعَةً لِلْجَسَدِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ ، وَالْمَخِيلَةُ تَضُرُّ بِالنَّفْسِ حَيْثُ تُكْسِبُهَا الْعُجْبَ وَتَضُرُّ بِالْآخِرَةِ حَيْثُ تُكْسِبُ الْإِثْمَ ، وَبِالدُّنْيَا حَيْثُ تُكْسِبُ الْمَقْتَ مِنَ النَّاسِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلْ مَا شِئْتَ وَاشْرَبْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ : سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَالدِّينَوَرِيُّ فِي الْمُجَالَسَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . أَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِهِ . وَأَمَّا الدِّينَوَرِيُّ فَلَمْ يَذْكُرِ السَّرَفَ . وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ أَحَلَّ اللَّهُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ . وَقَوْلُهُ : مَا أَخْطَأَتْكَ كَذَا لِلْجَمِيعِ بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الطَّاءِ ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ التِّينِ بِحَذْفِهَا قَالَ : وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا . قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ أَخْطَأْتُ وَلَا تَقُلْ أَخْطَيْتُ . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُهُ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ مَا أَخْطَأَتْكَ أَيْ تَنَاوَلْ مَا شِئْتَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ مَا دَامَتْ كُلُّ خَصْلَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ تُجَاوِزُكَ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا نَافِيَةً أَيْ لَمْ يُوقِعْكَ فِي الْخَطَأِ اثْنَتَانِ . قُلْتُ : وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ تَرُدُّهُ حَيْثُ قَالَ : مَا لَمْ تَكُنْ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ وَقَوْلُهُ : أَوْ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : أَتَى بِأَوْ مَوْضِعَ الْوَاوِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا عَلَى تَقْدِيرِ النَّفْيِ ، أَيْ أَنَّ انْتِفَاءَ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ فِيهِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ مَنْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاطَ مَنْعِهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : هُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَمْنِ اللَّبْسِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَقَالُوا لَنَا ثِنْتَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا صُدُورُ رِمَاحٍ أُشْرِعَتْ أَوْ سَلَاسِلُ قَوْلُهُ : ( إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ نَافِعٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِتَكْرِيرِ عَنْ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مَعْنٍ ، عَنْ مَالِكٍ سَمِعَ كُلَّهُمْ يُحَدِّثُ هَكَذَا جَمَعَ مَالِكٌ رِوَايَةَ الثَّلَاثَةٍ ، وَقَدْ رَوَى دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ رِوَايَةَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْهُ بِزِيَادَةِ قِصَّةٍ قَالَ : أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى ابْنِ عُمَرَ قُلْتُ : أدْخُلْ ؟ فَعَرَفَ صَوْتِي فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ إِذَا جِئْتَ إِلَى قَوْمٍ فَقُلِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنْ رَدُّوا عَلَيْكَ فَقُلْ أَدْخُلُ ؟ قَالَ : ثُمَّ رَأَى ابْنَهُ وَقَدِ انْجَرَّ إِزَارُهُ فَقَالَ : ارْفَعْ إِزَارَكَ فَقَدْ سَمِعْتُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحُمَيْدِيُّ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدٍ نَحْوَهُ ، سَاقَهُ الْحُمَيْدِيُّ ، وَاخْتَصَرَهُ أَحْمَدُ ، وَسَمَّيَا الِابْنَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ فَذَكَرَهُ بِدُونِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَزَادَ قِصَّةَ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَقِصَّةٌ أُخْرَى لِابْنِ عُمَرَ تَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا بَعْدَ بَابَيْنِ ، وَحَدِيثُ نَافِعٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، وَاللَّيْثِ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ قَالَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ وَزَادُوا فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قُلْتُ : وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ وَفِيهِ زِيَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِذُيُولِ النِّسَاءِ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ وَفِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ · ص 263 عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 294 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب اللباس أي هذا في كتاب بيان أنواع اللباس وأحكامها ، واللباس ما يلبس وكذلك الملبس ، واللبس بالكسر واللبوس أيضا ما يلبس ، وأورد ابن بطال هذا الكتاب بعد الاستئذان ولا وجه له . وقول الله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ . وقول الله بالجر عطفا على اللباس ، وهذا المقدار من الآية المذكورة قد ذكر في رواية الأكثرين ، وزاد أبو نعيم : وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ وفي رواية النسفي قال الله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الآية ، وهذه الآية عامة في كل مباح ، وقيل : أي : من حرم لبس الثياب في الطواف ومن حرم ما حرموا من البحيرة وغيرها ؟ وقال الفراء : كانت قبائل العرب لا يأكلون اللحم أيام حجهم ، ويطوفون عراة ، فأنزل الله الآية ، وكذا روي عن إبراهيم النخعي والسدي والزهري وقتادة وآخرين أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت وهم عراة . قوله : والطيبات ، أي : المستلذات من الطعام ، وقيل : الحلال من الرزق . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة . هذا التعليق في رواية المستملي والسرخسي فقط ، ولم يذكر في رواية الباقين ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون ، أنا همام ، عن قتادة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فذكره . قوله : من غير إسراف يتعلق بالمجموع ، والإسراف صرف الشيء زائدا على ما ينبغي . قوله : ولا مخيلة بفتح الميم : الكبر ، من الخيلاء التكبر ، وقال ابن التين : المخيلة على وزن مفعلة ، من اختال إذا تكبر ، وقال الموفق عبد اللطيف البغدادي : هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه ، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة ، فإن السرف في كل شيء يضر بالمعيشة فيؤدي إلى الإتلاف ويضر بالنفس إذا كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال ، والمخيلة تضر بالنفس حيث يكسبها العجب ، ويضر بالآخرة حيث تكسب الإثم ، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 294 وقال ابن عباس : كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان سرف أو مخيلة . هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن ابن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس . قوله : ما خطئتك كذا وقع لجميع الرواة بإثبات الهمزة بعد الطاء ، وأورده ابن التين بحذفها ، ثم قال : والصواب إثباتها ، وقال الجوهري : يقال خطئت ولا يقال خطيت ، ومعناه : كل ما شئت من الحلال والبس ما شئت من الحلال ما دامت أخطأتك ، أي : تجاوزتك ، اثنتان ، أي : خصلتان ، وقال الكرماني : ما أخطأتك ، أي : ما دام تجاوز عنك خصلتان ، والإخطاء التجاوز من الصواب أو ما نافية ، أي : لم يوقعك في الخطأ اثنتان ، والخطء الإثم ، وقال بعضهم : وفيه بعد ، ورواية معمر ترده حيث قال : ما لم يكن سرف أو مخيلة ، قلت : لا بعد فيه ؛ لأن معناه صحيح ، لا يخفى ذلك على من يتأمله . قوله : سرف أو مخيلة بيان لقوله : اثنتان ، وكان القياس أن يقال سرف ومخيلة بالواو ، ولكن أو تجيء بمعنى الواو كما في قوله تعالى : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا على تقدير النفي ؛ إذ انتفاء الأمرين لازم فيه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 295 1 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم يخبرونه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء . مطابقة هذا لحديث ابن عباس الذي قبله ظاهرة ؛ لأن في ذاك ذم المخيلة ، وفي هذا جر الثوب خيلاء ، وهو أيضا من المخيلة ، وحديث ابن عباس أيضا مطابق للحديث الذي قبله من هذه الحيثية ، وهو أيضا مطابق للآية المذكورة على ما لا يخفى . والحديث أخرجه مسلم في اللباس أيضا ، عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن قتيبة بن سعيد وغيره . قوله : يخبرونه ، أي : هؤلاء الثلاثة نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم يخبرون مالكا عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - . قوله : من جر ثوبه يدخل فيه الإزار والرداء والقميص والسراويل والجبة والقباء وغير ذلك مما يسمى ثوبا ، بل ورد في الحديث دخول العمامة في ذلك كما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الإسبال في الإزار والقميص والعمامة ، من جر منها شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة . قوله : لا ينظر الله نفي نظر الله تعالى هنا كناية عن نفي الرحمة ، فعبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر ؛ لأن من نظر إلى متواضع رحمه ، ومن نظر إلى متكبر متجبر مقته ، فالنظر إليه في تلك الحالة اقتضى الرحمة أو المقت . قوله : خيلاء بالضم والكسر وهو الكبر والعجب ، يقال : اختال فهو مختال ، وانتصابه على الحال بالتأويل .