28 - بَاب لُبْسِ الْقَسِّيِّ . وَقَالَ عَاصِمٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ قُلْتُ لِعَلِيٍّ : مَا الْقَسِّيَّةُ ؟ قَالَ : ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنْ الشَّامِ - أَوْ مِنْ مِصْرَ - مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَفِيهَا أَمْثَالُ الْأُتْرُنْجِ وَالْمِيثَرَةُ ، كَانَتْ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلَ الْقَطَائِفِ يُصَفّونَهَا . وَقَالَ جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ : الْقَسِّيَّةُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُجَاءُ بِهَا مِنْ مِصْرَ فِيهَا الْحَرِيرُ ، وَالْمِيثَرَةُ جُلُودُ السِّبَاعِ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : عَاصِمٌ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ فِي الْمِيثَرَةِ 5838 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ، عَنْ ابْنِ عَازِبٍ قَالَ : نَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ وَعن الْقَسِّيِّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لُبْسِ الْقَسِّيِّ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءُ نِسْبَةٍ ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ يَقُولُونَهُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَأَهْلَ مِصْرَ يَفْتَحُونَهَا ، وَهِيَ نِسْبَةٌ إِلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهَا الْقَسُّ رَأَيْتُهَا وَلَمْ يَعْرِفْهَا الْأَصْمَعِيُّ ، وَكَذَا قَالَ الْأَكْثَرُ هِيَ نِسْبَةٌ لِلْقَسِّ قرية بِمِصْرَ مِنْهُمُ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ سِيدَهْ ، وَقَالَ الْحَازِمِيُّ وهِيَ مِنْ بِلَادِ السَّاحِلِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ هِيَ عَلَى سَاحِلِ مِصْرَ وَهِيَ حِصْنٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْفَرَمَا مِنْ جِهَةِ الشَّامِ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا تَلِي الْفَرَمَا ، وَالْفَرَمَا بِالْفَاءِ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هِيَ بِقُرْبِ تِنِّيسَ وَهُوَ مُتَقَارِبٌ ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ ، عَنْ شَمِرٍ اللُّغَوِيِّ أَنَّهَا بِالزَّايِ لَا بِالسِّينِ نِسْبَةً إِلَى الْقَزِّ وَهُوَ الْحَرِيرُ فَأُبْدِلَتِ الزَّايُ سِينًا . وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْقَسَّ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ هُوَ الصَّقِيعُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبَيَاضِهِ ، وَهُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْقَسَّ الْقَرْيَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَاصِمٌ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ : قُلْنَا لِعَلِيٍّ مَا الْقَسِّيَّةُ ؟ إِلَخْ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَعَنِ الْمَيَاثِرِ ، قَالَ فَأَمَّا الْقَسِّيُّ فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ النَّهْيَ عَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَفْسِيرُهُ . قَوْلُهُ : ( ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنَ الشَّامِ أَوْ مِنْ مِصْرَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ . قَوْلُهُ : ( مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ ) أَيْ فِيهَا خُطُوطٌ عَرِيضَةٌ كَالْأَضْلَاعِ ، وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُضَلَّعِ مَا نُسِجَ بَعْضُهُ وَتُرِكَ بَعْضُهُ ، وَقَوْلُهُ : فِيهَا حَرِيرٌ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَرِيرًا صِرْفًا ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا ثِيَابٌ مَخْلُوطَةٌ بِالْحَرِيرِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْخَزِّ وَهُوَ رَدِيءُ الْحَرِيرِ . قَوْلُهُ : ( وَفِيهَا أَمْثَالُ الْأُتْرُنْجِ ) أَيْ أَنَّ الْأَضْلَاعَ الَّتِي فِيهَا غَلِيظَةٌ مُعْوَجَّةٌ ; وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِيهَا شِبْهُ كَذَا عَلَى الْإِبْهَامِ ، وَقَدْ فَسَّرَتْهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ الْمُعَلَّقَةُ . وَوَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا فِي أَمَالِي الْمَحَامِلِيِّ بِاللَّفْظِ الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَالْمِيثَرَةُ ) هو بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدهَا رَاءٌ ثُمَّ هَاءٌ وَلَا هَمْزَ فِيهَا ، وَأَصْلُهَا مِنَ الْوَثَارَةِ أَوِ الْوَثِرَةِ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَالْوَثِيرُ هُوَ الْفِرَاشُ الْوَطِيءُ وَامْرَأَةٌ وَثِيرَةٌ كَثِيرَةُ اللَّحْمِ . قَوْلُهُ : ( كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلَ الْقَطَائِفِ يَصِفُونَهَا ) أَيْ يَجْعَلُونَهَا كَالصِّفَةِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ فِي رِوَايَةِ يُصَفِّرْنَهَا بِكَسْرِ الْفَاءِ ثُمَّ رَاءٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا وَإِنَّمَا قَالَ يَصِفُونَهَا بِلَفْظِ الْمُذَكَّرِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ النِّسَاءَ يَصْنَعْنَ ذَلِكَ وَالرِّجَالُ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ اللُّغَوِيُّ : وَالْمِيثَرَةُ مُرْفَقَةٌ كَصِفَةِ السَّرْجِ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : هُوَ وِطَاءٌ يُوضَعُ عَلَى سَرْجِ الْفَرَسِ أَوْ رَحْلِ الْبَعِيرِ كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِأَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْأُرْجُوَانِ الْأَحْمَرِ وَمِنَ الدِّيبَاجِ ، وَكَانَتْ مَرَاكِبَ الْعَجَمِ ، وَقِيلَ : هِيَ أَغْشِيَةٌ لِلسُّرُوجِ مِنَ الْحَرِيرِ ، وَقِيلَ هِيَ سُرُوجٌ مِنَ الدِّيبَاجِ ، فَحَصَلْنَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فِي تَفْسِيرِ الْمِيثَرَةِ هَلْ هِيَ وِطَاءٌ لِلدَّابَّةِ ، أَوْ لِرَاكِبِهَا ، أَوْ هِيَ السَّرْجُ نَفْسُهُ ، أَوْ غِشَاوَةٌ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمَيَاثِرُ الْحُمُرُ كَانَتْ مِنْ مَرَاكِبِ الْعَجَمِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ دِيبَاجٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ جَرِيرٌ ، عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ : الْقَسِّيَّةُ إِلَخْ ) هُوَ طَرَفٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُهَيْلٍ قَالَ : الْقَسِّيَّةُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ الْحَدِيثَ . وَوَهِمَ الدِّمْيَاطِيُّ فَضَبَطَ يَزِيدُ فِي حَاشِيَةِ نُسْخَتِهِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ مُصَغَّر ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى التَّعْلِيقَ الْأَوَّلَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ظَنَّ أَنَّ التَّعْلِيقَ الثَّانِيَ مِنْ رِوَايَةِ حَفِيدِهِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ - وَتَبِعَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ - أَنَّ يَزِيدَ هَذَا هُوَ ابْنُ رُومَانَ ، قَالَ وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، وَالْفَيْصَلُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُهَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الْمُقَدَّمُ . قَالَ يَزِيدُ قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ سُهَيْلٍ : مَا الْمُقَدَّمُ ؟ قَالَ الْمُسْبَغُ بِالْعُصْفُرِ هَذَا الْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْهُ وَبَقِيَّتُهُ هُوَ هَذَا الْمَوْقُوفُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سُهَيْلٍ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ قَالَ جَرِيرٌ ، عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ يَزِيدَ بَلْ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَالْمِيثَرَةُ جُلُودُ السِّبَاعِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ . قُلْتُ : وَلَيْسَ هُوَ بِبَاطِلٍ ، بَلْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَتِ الْمِيثَرَةُ وِطَاءً صُنِعَتْ مِنْ جِلْدٍ ثُمَّ حُشِيَتْ ، وَالنَّهْيُ حِينَئِذٍ عَنْهَا إِمَّا لِأَنَّهَا مِنْ زِيِّ الْكُفَّارِ ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ ، أَوْ لِأَنَّهَا لَا تُذَكَّى غَالِبًا فَيَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ لُبْسَ ذَلِكَ وَلَوْ دُبِغَ ، لَكِنِ الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَأَنَّ الْجِلْدَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الشَّعْرِ هَلْ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ ؟ لَكِنِ الْغَالِبُ عَلَى الْمَيَاثِرِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا شَعْرٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ الرُّكُوبِ عَلَى جُلُودِ النُّمُورِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ . وَلِأَبِي دَاوُدَ لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : عَاصِمٌ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ فِي الْمِيثَرَةِ ) يَعْنِي رِوَايَةَ عَاصِمٍ فِي تَفْسِيرِ الْمِيثَرَةِ أَكْثَرُ طُرُقًا وَأَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَلَا النَّسَفِيِّ ، وَأُطْلِقَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَيَاثِرُ وَقَيَّدَهَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِالْحُمُرِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - . وقَوْلُهُ في الحديث الثاني : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَقَوْلُهُ : نَهَانَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَهَى ، وَقَوْلُهُ : عَنِ الْمَيَاثِرِ الْحُمُرِ وَعَنِ الْقَسِّيِّ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوَّلُهُ أَمَرَنَا بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي بَابِ الْمَيَاثِرِ الْحُمُرِ بَعْدَ أَبْوَابٍ . وَاسْتُدِلَّ بِالنَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ عَلَى مَنْعِ لُبْسِ مَا خَالَطَهُ الْحَرِيرُ مِنَ الثِّيَابِ لِتَفْسِيرِ الْقَسِّيِّ بِأَنَّهُ مَا خَالَطَ غَيْرُ الْحَرِيرِ فِيهِ الْحَرِيرَ ، وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ الْحَرِيرِ عَلَى الْقَسِّيِّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَأَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقي عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : نَهَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْقَسِّيِّ وَالْحَرِيرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُغَايَرَةُ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ فَيَكُونُ الْكُلُّ مِنَ الْحَرِيرِ كَمَا وَقَعَ عَطْفُ الدِّيبَاجِ عَلَى الْحَرِيرِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْمَاضِي قَرِيبًا ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ الْقَسِّيِّ أَنَّهُ الَّذِي يُخَالِطُ الْحَرِيرَ لَا أَنَّهُ الْحَرِيرُ الصِّرْفُ ، فَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي خَالَطَهُ الْحَرِيرُ . وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَابْنِ عُمَرَ وَالتَّابِعِينَ كَابْنِ سِيرِينَ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ لُبْسِ مَا خَالَطَهُ الْحَرِيرُ إِذَا كَانَ غَيْرُ الْحَرِيرِ الْأَغْلَبِ ، وَعُمْدَتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ وَمَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي الْعِلْمِ فِي الثَّوْبِ إِذَا كَانَ مِنْ حَرِيرٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهُوَ قِيَاسٌ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ جَوَازُ كُلِّ مُخْتَلِطٍ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْهُ مَا كَانَ مَجْمُوعُ الْحَرِيرِ فِيهِ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الثَّوْبِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ شَامِلًا لِلْخَالِصِ وَالْمُخْتَلِطِ ، وَبَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ أَرْبَعُ أَصَابِعَ إِذَا كَانَتْ مُنْفَرِدَةً ، وَيَلْتَحِقُ بِهَا فِي الْمَعْنَى مَا إِذَا كَانَتْ مُخْتَلِطَةً ، قَالَ : وَقَدْ تَوَسَّعَ الشَّافِعِيَّةُ فِي ذَلِكَ ، وَلَهُمْ طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ الرَّاجِحُ اعْتِبَارُ الْوَزْنِ ، فَإِنْ كَانَ الْحَرِيرُ أَقَلَّ وَزْنًا لَمْ يَحْرُمْ أَوْ أَكْثَرَ حَرُمَ ، وَإِنِ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فِيهِمَا عِنْدَهُمْ . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : أن الِاعْتِبَار بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ بِالظُّهُورِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُخْتَلِطِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا الْكَرَاهَةُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْخَزِّ وَبَيْنَ الْمُخْتَلِطِ بِقُطْنٍ وَنَحْوِهِ فَأَجَازَ الْخَزَّ وَمَنَعَ الْآخَرَ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْخَزِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ تَفَاسِيرِ الْقَسِّيِّ أَنَّهُ الْخَزُّ ; فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ رَدِيءُ الْحَرِيرِ فَهُوَ الَّذِي يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ ؛ وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ وَبَرٍ فَخُلِطَ بِحَرِيرٍ لَمْ يُتَّجَهُ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ أَجَازَ لُبْسَ الْمُخْتَلِطِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنَ الْحَرِيرِ وَسُدَى الثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ هَكَذَا ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْمُصْمَتِ إِذَا كَانَ حَرِيرًا وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ نَهَى عَنْ مُصْمَتِ الْحَرِيرِ فَأَمَّا مَا كَانَ سُدَاهُ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِلْجَوَازِ أَيْضًا بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَرِيرِ حَقِيقَةً فِي الْخَالِصِ ، وَالْإِذْنُ فِي الْقُطْنِ وَنَحْوِهِ صَرِيحٌ ، فَإِذَا خُلِطَا بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى حَرِيرًا بِحَيْثُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَلَا تَشْمَلُهُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ خَرَجَ عَنِ الْمَمْنُوعِ فَجَازَ ، وَقَدْ ثَبَتَ لُبْسُ الْخَزِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَبِسَهُ عِشْرُونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرُ ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمْعٍ مِنْهُمْ وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ ، وَأَعْلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الدَّشْتَكِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ وَهُوَ يَقُولُ : كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ : أَتَتْ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ مَطَارِفُ خَزٍّ ، فَكَسَاهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَالْأَصَحُّ فِي تَفْسِيرِ الْخَزِّ أَنَّهُ ثِيَابٌ سُدَاهَا مِنْ حَرِيرٍ وَلُحْمَتِهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَقِيلَ . تُنْسَجُ مَخْلُوطَةً مِنْ حَرِيرٍ وَصُوفٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَقِيلَ : أَصْلُهُ اسْمُ دَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا الْخَزُّ سُمِّيَ الثَّوْبُ الْمُتَّخَذُ مِنْ وَبَرِهِ خَزًّا لِنُعُومَتِهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَا يُخْلَطُ بِالْحَرِيرِ لِنُعُومَةِ الْحَرِيرِ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِلُبْسِهِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ مَا يُخَالِطُهُ الْحَرِيرُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ الْخَزَّ الَّذِي لَبِسَهُ السَّلَفُ كَانَ مِنَ الْمَخْلُوطِ بِالْحَرِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لُبْسَ الْخَزِّ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُهْرَةٌ ، وعَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْخَزِّ . وَأَمَّا الْقَزُّ بِالْقَافِ بَدَلَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ : عَدَّ الْأَئِمَّةُ الْقَزَّ مِنَ الْحَرِيرِ وَحَرَّمُوهُ عَلَى الرِّجَالِ وَلَوْ كَانَ كَمِدَ اللَّوْنِ ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ لَكِنْ حَكَى الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ثِيَابِ الزِّينَةِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالْقَزِّ مَا نُطْلِقُهُ نَحْنُ الْآنَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ يَخْرُجُ عَنِ اسْمِ الْحَرِيرِ فَيَحْرُمُ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِكُمُودَةِ اللَّوْنِ وَلَا بِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ ثِيَابِ الزِّينَةِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَعْلِيلٌ ضَعِيفٌ لَا أَثَرَ لَهُ بَعْدَ انْطِلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ ا هـ كَلَامُهُ . وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمُقَابِلِ التَّقْسِيمِ ؛ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ شَيْئًا آخَرَ فَيُتَّجَهُ كَلَامُهُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِهِ رَدِيءُ الْحَرِيرِ ، وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَزِّ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ وَصَفَهُ بِكُمُودَةِ اللَّوْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لُبْسِ الْقَسِّيِّ · ص 305 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لبس القسي · ص 15 ( باب لبس القسي ) أي هذا باب في بيان لبس الثوب القسي ، بفتح القاف وتشديد السين المهملة المكسورة وتشديد الياء . وقال الكرماني : القسي منسوب إلى بلد يقال له : القس . قلت : القس كانت بلدة على ساحل البحر الملح بالقرب من دمياط ، كان ينسج فيها الثياب من الحرير ، واليوم خرابة . وقال أبو عبيد : وأصحاب الحديث يقولون : القسي بكسر القاف ، وأهل مصر يفتحونها ، وقال ابن سيده : القس ، والقس موضع ينسب إليه ثياب تجلب من نحو مصر . وذكر الحسن بن محمد المهلبي المصري أن القس لسان خارج من البحر عنده حصن يسكنه الناس ، بينه وبين الفرما عشرة فراسخ من جهة الشام . قلت : الفرما كذا ، وقال الكرماني : قيل : إنه القزي - بالزاي موضع السين - من القز الذي هو غليظ الإبريسم ورديئة . وفي ( التوضيح ) : القس قرية من تنيس - بكسر التاء المثناة من فوق وتشديد النون المكسورة وسكون الياء آخر الحروف وبسين مهملة - بلدة كانت في جزيرة بساحل بحر دمياط ، وقد خربت . وفي ( سنن أبي داود ) : القس قرية بالصعيد . وقال عاصم : عن أبي بردة قال : قلت لعلي : ما القسية ؟ قال : ثياب أتتنا من الشأم أو من مصر ، مضلعة ، فيها حرير ، وفيها أمثال الأترنج والميثرة ، كانت النساء تصنعه لبعولتهن مثل القطائف يصفرنها . عاصم هو ابن كليب الجرمي بالجيم والراء ، مات سنة ثلاثين ومائة . وأبو بردة بضم الباء الموحدة اسمه عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري . وعلي هو ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . وهذا التعليق طرف من حديث وصله مسلم من طريق عبد الله بن إدريس ، سمعت عاصم بن كليب ، عن أبي بردة - وهو ابن أبي موسى الأشعري - عن علي رضي الله تعالى عنه قال : " نهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لبس القسي ، وعن المياثر " قال : فأما القسي فثياب مضلعة . الحديث . قوله : " أتتنا من الشام أو من مصر " وفي رواية مسلم " من مصر والشام " . قوله : " مضلعة فيها حرير " أي فيها خطوط عريضة كالأضلاع ، وقال الكرماني : وتضليع الثوب جعل وشيه على هيئة الأضلاع غليظة معوجة . قوله : " الأترج " بتشديد الجيم ، ويقال له : الأترنج أيضا بتخفيف الجيم قبلها نون ساكنة . قوله : " والميثرة " بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وبالثاء المثلثة ، من الوثارة ، وهي اللين ، ووزنها مفعلة ، وأصلها موثرة ، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، ويجمع على مياثر ومواثر . قوله : " كانت النساء تصنعه لبعولتهن " أي لأزواجهن ، والبعولة جمع بعل ، وهو الزوج ، توضع على السروج ، يكون من الحرير ويكون من الصوف . قوله : " مثل القطائف " جمع قطيفة ، وهي الكساء المخمل . وقيل : هي الدثار . قوله : " يصفرنها " من التصفير ، ويروى " يصفونها " أي يجعلونها كالصفة من التصفية ، أي صفة السرج ، قال أبو عبيد : هي كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير ، وقال الهروي : الميثرة مرفقة تتخذ لصفة السرج ، وكانوا يحمرونها . وفي ( المحكم ) : الميثرة الثوب يجلل بها الثياب فتعلوها . وقيل : هي أغشية السروج تتخذ من الحرير ، ويكون من الصوف وغيره . وقيل : هي شيء كالفراش الصغير يتخذ من الحرير ويحشى بقطن أو صوف ، يجعلها الراكب على البعير تحته فوق الرحل .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لبس القسي · ص 15 وقال جرير عن يزيد في حديثه : القسية ثياب مضلعة يجاء بها من مصر ، فيها الحرير ، والميثرة جلود السباع . قال أبو عبد الله : عاصم أكثر وأصح في الميثرة . اختلف الشراح في جرير هذا وفي شيخه ، فقال الكرماني : جرير هذا بالجيم هو ابن حازم المذكور آنفا ، يعني المذكور في سند الحديث الذي مضى قبل هذا الباب ، وهو قوله : حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي وأبوه هو جرير بن حازم بالحاء المهملة والزاي ، وقال بعضهم : هو جرير بن عبد الحميد . وأما شيخه فضبطه الحافظ الدمياطي رحمه الله بخط يده على حاشية نسخته بضم الباء الموحدة وفتح الراء ، وهو بريد بن عبد الله بن أبي موسى الأشعري ، وضبطه الحافظ المزي في ( تهذيبه ) بالياء آخر الحروف ، وقال : إنه يزيد بن أبي زياد القرشي . وذكر أن البخاري روى له معلقا . وروى له في رفع اليدين والأدب . وروى له مسلم مقرونا بغيره ، وأن أحمد وابن معين ضعفاه ، وأن العجلي قال : هو جائز الحديث ، وأنه كان بآخره يلقن ، وقال الكرماني : ويزيد - من الزيادة - ابن رومان - بضم الراء وسكون الواو وبالميم والنون - مولى آل الزبير بن العوام . ونسب بعضهم الوهم إلى الدمياطي في ضبطه بريد بالباء الموحدة ، ورد على الكرماني في ضبطه جرير بن حازم ، وفي ضبط شيخه بأنه يزيد بن رومان ، وادعى أن جريرا هو ابن عبد الحميد ، وأن شيخه هو يزيد بن أبي زياد ، واعتمد فيما قاله على حديث وصله إبراهيم الحربي في ( غريب الحديث ) له عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن الحسن بن سهل قال : القسية ثياب مضلعة ، الحديث . قلت : كل من الحافظين المذكورين صاحب ضبط وإتقان ، فلا يظن فيهما إلا أنهما حررا هذا الموضع كما ينبغي . وأما الكرماني ؛ فإنه أيضا لم يقل ما ذكره من عند رأيه ، ولم يكن إلا وقف على نسخة معتمدة أو على كتاب من هذا الفن ، ومع هذا الاحتمال باق في الكل ، والله أعلم . قوله : والميثرة جلود السباع هذا لا يوجد إلا في بعض نسخ البخاري ، وقال النووي : تفسير الميثرة بالجلود قول باطل مخالف للمشهور الذي أطبق عليه أهل الحديث ، وقال الكرماني : جلود السباع لم تكن منهية ، وأجاب بقوله : إما أن يكون فيها الحرير ، وإما أن يكون من جهة إسراف فيها ، وإما لأنها من زي المترفين ، وكان كفار العجم يستعملونها . قوله : قال أبو عبد الله هو البخاري نفسه . قوله : عاصم أكثر أي رواية عاصم بن كليب المذكور أكثر طرقا وأصح من رواية يزيد المذكور ، وهذا - أعني قوله : وقال أبو عبد الله إلى آخره - لم يقع في رواية أبي ذر ، ولا في رواية النسفي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لبس القسي · ص 16 56 - حدثنا محمد بن مقاتل ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا سفيان ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، حدثنا معاوية بن سويد بن مقرن ، عن البراء بن عازب قال : نهانا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المياثر الحمر والقسي . مطابقته للترجمة في قوله : وعن القسي . ومحمد بن مقاتل المروزي ، وعبد الله بن المبارك المروزي . وسفيان هو الثوري . والحديث طرف من حديث أوله أمرنا بسبع ، ونهانا عن سبع وسيأتي تمامه بعد أبواب . قوله : نهانا في رواية الكشميهني نهى . قوله : عن المياثر الحمر بضم الحاء المهملة وسكون الميم ، ذكره لبيان ما كان هو الواقع ، وقال أبو عبيد : المياثر الحمر المنهي عنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير ، وقال ابن بطال : كلامه يدل على أنها إذا لم تكن من حرير أو ديباج ، وكانت من صوف أحمر ؛ فإنه يجوز الركوب عليها ، وليس النهي عنها كالنهي عنها إذا كانت منهما . وقال ابن وهب : سئل مالك عن ميثرة أرجوان يركب عليها ، قال : ما أعلم حراما ، ثم قرأ : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ، والأرجوان صبغ أحمر ، وقال الخطابي وذكر قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لا أركب الأرجوان وقال : الأرجوان الأحمر ، وأراه أراد به المياثر الحمر ، وقد تتخذ من ديباج وحرير ، وقد ورد فيها النهي لما في ذلك من السفه ، وليست من لباس الرجال . وروى أبو داود من حديث قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : لا أركب الأرجوان ، ولا ألبس المعصفر ، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير . وروى أبو يعلى الموصلي في ( مسنده ) من حديث ابن عباس قال : نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن خواتيم الذهب والقسية والميثرة الحمراء المصبغة من العصفر .