5855 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنَّ النَّعْلَ شُرِعَتْ لِوِقَايَةِ الرِّجْلِ عَمَّا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ شَوْكٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَإِذَا انْفَرَدَتْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ احْتَاجَ الْمَاشِي أَنْ يَتَوَقَّى لِإِحْدَى رِجْلَيْهِ مَا لَا يَتَوَقَّى لِلْأُخْرَى فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ سَجِيَّةِ مَشْيهِ ، وَلَا يَأْمَنُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْعِثَارِ . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَ جَوَارِحِهِ ، وَرُبَّمَا نُسِبَ فَاعِلُ ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَالِ الرَّأْيِ أَوْ ضَعْفِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : قِيلَ الْعِلَّةُ فِيهَا أَنَّهَا مِشْيَةُ الشَّيْطَانِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الِاعْتِدَالِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْكَرَاهَةُ فِيهِ لِلشُّهْرَةِ فَتَمْتَدُّ الْأَبْصَارُ لِمَنْ تَرَى ذَلِكَ مِنْهُ ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الشُّهْرَةِ فِي اللِّبَاسِ ، فَكُلُّ شَيْءٍ صَيَّرَ صَاحِبَهُ شُهْرَةً فَحَقُّهُ أَنْ يُجْتَنَبَ . وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَهَا ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : حَتَّى يُصْلِحَ نَعْلَهُ ، وَلَهُ وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ أَوْ شِرَاكُهُ فَلَا يَمْشِ فِي إِحْدَاهُمَا بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةً ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا ، فَهَذَا لَا مَفْهُومَ لَهُ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الْإِذْنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْوِيرٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَهُوَ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ، لِأَنَّهُ إِذَا مُنِعَ مَعَ الِاحْتِيَاجِ فَمَعَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ أَوْلَى . وَفِي هَذَا التَّقْرِيرِ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ حِينَ الضَّرُورَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا أَخَفُّ لِكَوْنِهَا لِلضَّرُورَةِ الْمَذْكُورَةِ لَكِنْ لِعِلَّةٍ مَوْجُودَةٍ فِيهَا أَيْضًا ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى يُصْلِحَهَا وَقَدْ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقْفَهُ عَلَى عَائِشَةَ . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ : لَأُخِيفَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ فَيَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا ، وَكَأَنَّهَا لَمْ يَبْلُغْهَا النَّهْيُ ، وَقَوْلُهَا : لَأُخِيفَنَّ مَعْنَاهُ لَأَفْعَلَنَّ فِعْلًا يُخَالِفُهُ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَرُوِيَ لَأُخَالِفَنَّ وَهُوَ أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ ، وَرُوِيَ لَأَحْنَثَنَّ مِنَ الْحِنْثِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَاسْتُبْعِدَ ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَلَغَهَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَلَفَ عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ فَأَرَادَتِ الْمُبَالَغَةَ فِي مُخَالَفَتِهِ ، وَرُوِيَ لَأُخِيفَنَّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ فَاءٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَقَدْ وَجَّهْتُ بِأَنَّ مُرَادَهَا أَنَّهُ إِذَا بَلَغَهُ أَنَّهَا خَالَفَتْهُ أَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْهَا وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ ، وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَعْلَمُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمَ ، فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ خَرَجَ إِلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ فَقَالَ : أَمَّا إِنَّكُمْ تُحَدِّثُونَ أَنِّي أَكْذِبُ أتَهْتَدُوا وَأَضِلَّ ، أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، جَابِرٌ عَلَى رَفْعِ الْحَدِيثِ ، فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يُمْشَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ الْحَدِيثَ ، وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ : إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ ، وَلَا يَمْشِ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَأْخُذْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِرَأْيِ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَلَغَهُمَا النَّهْيُ فَحَمَلَاهُ عَلَى التَّنْزِيهِ أَوْ كَانَ زَمَنُ فِعْلِهِمَا يَسِيرًا بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْمَحْذُورُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُمَا النَّهْيُ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَالشِّسْعُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ : السَّيْرُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ إِصْبَعُ الرِّجْلِ مِنَ النَّعْلِ ، وَالشِّرَاكُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ كَافٌ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي تَكُونُ فِي وَجْهِهَا ، وَكِلَاهُمَا يَخْتَلُّ الْمَشْيُ بِفَقْدِهِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ أَوْ خُفٍّ وَاحِدٍ أَثَرٌ لَمْ يَصِحَّ ، أَوْ لَهُ تَأْوِيلٌ فِي الْمَشْيِ الْيَسِيرِ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُ الْأُخْرَى ، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ : لَا يَمْشِ قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ أَجَازَ الْوُقُوفَ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ إِذَا عَرَضَ لِلنَّعْلِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى إِصْلَاحِهَا ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَنَقَلَ عِيَاضٌ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : يَخْلَعُ الْأُخْرَى وَيَقِفُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ حَارَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يَضُرُّ فِيهِ الْمَشْيُ حَتَّى يُصْلِحَهَا أَوْ يَمْشِيَ حَافِيًا إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْفَتْوَى ، وَفِي الْأَثَرِ وَعَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِصُورَةِ الْجُلُوسِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ جَوَازُهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، إِلَّا مَا ذُكِرَ مِنْ إِرَادَةِ الْعَدْلِ بَيْنَ الْجَوَارِحِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَرَادَ الْقَدَمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَوَرَدَ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يُؤْتَى بِضَمِيرٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ . وَيُنْعِلْهُمَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَنْ أَنْعَلَ ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا : نَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا وَانْتَعَلَ أَيْ لَبِسَ النَّعْلَ ، لَكِنْ قَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَيْضًا : أَنْعَلَ رِجْلَهُ أَلْبَسَهَا نَعْلًا ، وَنَعَلَ دَابَّتَهُ جَعَلَ لَهَا نَعْلًا ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ أَنْعَلَ الدَّابَّةَ وَالْبَعِيرَ وَنَعَلَهُمَا بِالتَّشْدِيدِ وَكَذَا ضَبَطَهُ عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ غَسَّانَ تُنَعِّلُ الْخَيْلَ بِالضَّمِّ أَيْ تَجْعَلُ لَهَا نِعَالًا . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الضَّمِيرَ إِنْ كَانَ لِلْقَدَمَيْنِ جَازَ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ ، وَإِنْ كَانَ لِلنَّعْلَيْنِ تَعَيَّنَ الْفَتْحُ . قَوْلُهُ : ( أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، وَالَّذِي فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ كَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ، وَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحٌ ، وَعَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا ، يَعُودُ عَلَى النَّعْلَيْنِ لِأَنَّ ذِكْرَ النَّعْلِ قَدْ تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَكْمِلَةٌ ) : قَدْ يَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ لِبَاسٍ شَفْعٍ كَالْخُفَّيْنِ وَإِخْرَاجِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْكُمِّ دُونَ الْأُخْرَى وَالتَّرَدِّي عَلَى أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِلْحَاقُ إِخْرَاجِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْكُمِّ وَتَرْكِ الْأُخْرَى بِلُبْسِ النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ وَالْخُفِّ الْوَاحِدِ بَعِيدٌ ، إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْجَوَارِحِ وَتَرْكِ الشُّهْرَةِ ، وَكَذَا وَضْعُ طَرَفِ الرِّدَاءِ عَلَى أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ · ص 322 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من جلس فِي المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد · ص 54 36 - باب من جلس فِي المسجد ينتظر الصلاة ، وفضل المساجد قَدْ تقدم فِي فضل انتظار الصلاة فِي المسجد من حَدِيْث أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، ومن حَدِيْث أَبِي بردة ، عَن أَبِي موسى . وخرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 659 - حدثنا عَبْد الله بْن مسلمة ، عَن مَالِك ، عَن أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( الملائكة تصلي عَلَى أحدكم مَا دام فِي مصلاه ، مَا لَمْ يحدث : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاة ما دامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) . دل هَذَا الحَدِيْث عَلَى فضل أمرين : أحدهما : الجلوس فِي المصلى ، وَهُوَ موضع الصلاة الَّتِيْ صلاها ، والمراد بِهِ فِي المجلس دون البيت ، وآخر الحَدِيْث يدل عَلِيهِ . قَالَ ابن عَبْد البر : ولو صلت المرأة فِي مسجد بيتها وجلست فِيهِ تنتظر الصلاة فَهِيَّ داخلة فِي هَذَا المعنى إذا كَانَ يحبسها عَن قيامها لأشغالها انتظار الصلاة . ( وإن الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا لَمْ يحدث ) وقد فسر صلاة الملائكة عَلِيهِ بالدعاء لَهُ بالمغفرة والرحمة ، والصلاة قَدْ فسرت بالدعاء ، وفسرت بالثناء والتنويه بالذكر ، ودعاء الملائكة بينهم لعبد هُوَ تنويه منهم بذكره وثناء عَلِيهِ بحسن عمله . وقد قيل : صلاتهم عَلِيهِ مقبولة مَا لَمْ يحدث . وقد اختلف فِي تفسير الحدث : هَلْ هُوَ الحدث الناقض للوضوء ، أو الحدث باللسان من الكلام الفاحش ونحوه ، ومثله الحدث بالأفعال الَّتِيْ لا تجوز ؟ وقد أشرنا إلى هَذَا الاختلاف فِي ( كِتَاب الطهارة ) . وذهب مَالِك وغيره إلى أَنَّهُ الحدث الناقض للوضوء ، ورجحه ابن عَبْد البر ؛ لأن المحدث وإن جلس فِي المسجد فهو غير منتظر للصلاة ؛ لأنه غير قادر عَلَيْهَا . والثاني : أن منتظر الصلاة لا يزال فِي صلاة مَا دامت الصلاة تحبسه . وقد فسر ذَلِكَ بأنه ( لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) ، وهذا يشمل من دَخَلَ المسجد للصلاة فِيهِ جماعة قَبْلَ إقامة الصلاة فجلس ينتظر الصلاة ، ومن صلى مَعَ الإمام ثُمَّ جلس ينتظر الصلاة الثانية . وهذا من نوع الرباط فِي سبيل الله ، كما قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا أدلكم عَلَى مَا يمحو الله بِهِ الخطايا ويرفع بِهِ الدرجات ؟ ) قالوا : بلى يَا رسول الله ، قَالَ : ( إسباغ الوضوء عَلَى المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ؛ فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط ) . خرجه مُسْلِم من حَدِيْث العلاء بْن عَبْد الرحمن ، عَن أبيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ . وقد ورد تقييد ذَلِكَ أيضاً بما لَمْ يحدث . خرجه البخاري فِي ( أبواب نواقض الوضوء ) من رِوَايَة ابن أَبِي ذئب ، عَن المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا يزال العبد فِي صلاة مَا كَانَ فِي المسجد ينتظر الصلاة ، مَا لَمْ يحدث ) فَقَالَ رَجُل أعجمي : مَا الحدث يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : الصوت ، يعني : الضرطة . وقد سبق الكلام عَلِيهِ فِي موضعه ، وذكرنا اخْتِلاَف النَّاس فِي تفسير الحدث والمراد بِهِ . وقد فسره أبو سَعِيد الْخُدرِيَّ كما فسره أبو هُرَيْرَةَ أيضاً . خرجه الإمام أحمد . ومعنى كونه فِي الصلاة - والله أعلم - : أن لَهُ أجر المصلي وثوابه بحبس نفسه فِي المسجد للصلاة . وليس فِي هَذَا الحَدِيْث ولا فِي غيره من أحاديث الباب الاشتراط للجالس فِي مصلاه أن يكون مشتغلاً بالذكر ، ولكنه أفضل وأكمل ، ولهذا ورد فِي فضل من جلس فِي مصلاه بعد الصبح حَتَّى تطلع الشمس ، وبعد العصر حَتَّى تغرب ، أحاديث متعددة . وهل المراد بمصلاه نفس الموضع الَّذِي صلى فِيهِ أو المسجد الَّذِي صلى فِيهِ كله مصلى لَهُ ؟ هَذَا فِيهِ تردد . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن جابر بن سمرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا صلى الفجر جلس فِي مصلاه حَتَّى تطلع الشمس حسناء . وفي رِوَايَة لَهُ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الَّذِي يصلي فِيهِ الصبح أو الغداة حَتَّى تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس قام . ومعلوم أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يكن جلوسه فِي الموضع الَّذِي صلى فِيهِ ؛ لأنه كَانَ ينفتل إلى أصحابه عقب الصلاة ويقبل عليهم بوجهه . وخرجه الطبراني ، وعنده : كَانَ إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشمس . ولفظة : ( الذكر ) غريبة . وفي تمام حَدِيْث جابر بْن سمرة الَّذِي خرجه مُسْلِم : وكانوا يتحدثون فيأخذون فِي أمر الجَاهِلِيَّة ، فيضحكون ويتبسم . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ لَمْ ينكر عَلَى من تحدث وضحك فِي ذَلِكَ الوقت ، فهذا الحَدِيْث يدل عَلَى أن المراد بمصلاه الَّذِي يجلس فِيهِ المسجد كله . وإلى هَذَا ذهب طائفة من العلماء ، منهم : ابن بطة من أصحابنا ، وغيره . وقد روي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يخالف هَذَا . رَوَى مَالِك فِي ( الموطأ ) عَن نعيم المجمر ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول : إذا صلى أحدكم ثُمَّ جلس فِي مصلاه لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ ، تَقُول : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، فإن قام من مصلاه فجلس فِي المسجد ينتظر الصلاة لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ فِي مصلاه حَتَّى يصلي . فهذا يدل عَلَى أَنَّهُ إذا تحول من موضع صلاته من المسجد إلى غيره من المسجد انقطع حكم جلوسه فِي مصلاه ، فإن جلس ينتظر الصلاة كَانَ حكمه حكم من ينتظرها ، وصلت عَلِيهِ الملائكة - أيضاً - فإن لَمْ يجلس منتظراً للصلاة فلا شيء لَهُ ؛ لأنه لَمْ يجلس فِي مصلاه ولا هُوَ منتظر للصلاة . قَالَ ابن عَبْد البر : إلا أنه لا يقال : إنه تصلي عَلِيهِ الملائكة . يعني : عَلَى المتحول من مكانه ، وَهُوَ ينتظر الصلاة كما تصلي عَلَى الَّذِي فِي مصلاه ينتظر الصلاة . يشير إلى أن الحَدِيْث المرفوع إنما فِيهِ صلاة الملائكة عَلَى من يجلس فِي مصلاه لا عَلَى المنتظر للصلاة . ولكن قَدْ روي فِي حَدِيْث مرفوع ، فروى عَطَاء بْن السائب ، عَن أَبِي عَبْد الرحمن السلمي ، عَن عَلِيّ ، قَالَ : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( من صلى الفجر ثُمَّ جلس فِي مصلاه صلت عَلِيهِ الملائكة ، وصلاتهم عَلِيهِ : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، ومن ينتظر الصلاة صلت عَلِيهِ الملائكة ، وصلاتهم عَلِيهِ : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ) . خرجه الإمام أحمد . وَقَالَ عَلِيّ بْن المديني : هُوَ حَدِيْث كوفي ، وإسناده حسن . وذكر ابن عَبْد البر - أيضاً - أنه يحتمل أن يكون بقاؤه فِي مصلاه شرطاً فِي انتظار الصلاة - أيضاً - كما كَانَ شرطاً فِي الجلوس فِي مصلاه . وهذا الَّذِي قاله بعيد ، وإنما يمكن أن يقال فيمن صلى صلاة ثُمَّ جلس ينتظر صلاة أخرى ، فأما من دَخَلَ المسجد ليصلي صلاة واحدة وجلس ينتظرها قَبْلَ أن تقام فأي مصلى لَهُ حَتَّى يشترط أن لا يفارقه ؟ قَالَ : وقيامه من مجلسه ، المراد بِهِ : قيامه لعرض الدنيا ، فأما إذا قام إلى مَا يعينه عَلَى مَا كَانَ يصنعه فِي مجلسه من الذكر . يعني : أَنَّهُ غير مراد ، ولا قاطع للصلاة عَلِيهِ ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يمشي في نعل واحد · ص 25 ( باب لا يمشي في نعل واحد ) أي هذا باب يذكر فيه لا يمشي الرجل في نعل واحد ، وإنما وصف النعل بالمذكر مع أنها مؤنثة على ما يجيء ؛ لأن تأنيثها غير حقيقي . 74 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ، ليحفهما جميعا أو لينعلهما جميعا . مطابقته للترجمة ظاهرة . والحديث أخرجه مسلم في اللباس عن يحيى بن يحيى . وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي . وأخرجه الترمذي فيه ، عن قتيبة ، وعن إسحاق بن موسى . قوله : " لا يمشي أحدكم في نعل واحدة " قال ابن الأثير : النعل مؤنثة ، وهي التي تلبس في المشي . انتهى . وتصغيرها نعيلة ، تقول : نعلت وانتعلت إذا احتذيت من الحذاء بالحاء المهملة ، وهو النعل ، قال الخطابي : نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المشي في النعل الواحدة لمشقة المشي على مثل هذه الحالة ، ولعدم الأمن من العثار مع سماجته في الشكل وقبح منظره في العيون إذ كان يتصور ذلك عند الناس بصورة من إحدى رجليه أقصر من الأخرى ، وعن ابن العربي أنها مشية الشيطان ، وعن البيهقي لما فيه من الشهرة وامتداد الأبصار إلى من يرى ذلك منه . قوله : " ليحفهما " من الإحفاء بالحاء المهملة ، أي ليجردهما يقال : حفي يحفي ، أي يمشي بلا خف ونعل . قوله : " أو لينعلهما " ضبطه النووي بضم أوله من أفعل ، ورد عليه شيخنا زين الدين رحمه الله بأن أهل اللغة قالوا : نعل بفتح العين ، وحكي كسرها ، وانتعل أي لبس النعل . قلت : قال أهل اللغة أيضا : إذا أنعل رجله ، أي ألبسها نعلا ، وأنعل دابته : جعل لها نعلا ، وقال صاحب ( المحكم ) : نعل الدابة والبعير ونعلهما بالتشديد ، ويدخل في هذا كل لباس شفع كالخفين وأخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى ، والتردي على أحد المنكبين دون الأخرى ، قاله الخطابي ، وقال في ( المعونة ) : يجوز ذلك في المشي الخفيف إذا كان هناك عذر ، وهو أن يمشي في إحداهما متشاغلا لإصلاح الأخرى ، وإن كان الاختيار أن يقف إلى الفراغ منها . وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها . وفي ( الجعديات ) من حديث ابن الزبير ، عن جابر قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشي في نعل واحد حتى يصلح شسعه ، ولا يمشي في الخف الواحد . فإن قلت : روى ابن شاهين في ناسخه من حديث جبارة بن المغلس ، حدثنا مندل ، يعني ابن علي ، عن ليث ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : ربما انقطع شسع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيمشي في نعل واحد حتى يصلحها أو تصلح له . قلت : هذا حديث واه ، كذا قاله صاحب ( التوضيح ) ، ولكن في ( علل الترمذي ) من حديث ليث ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : ربما مشى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في نعل واحدة . وروى ابن علية والثوري ، عن عبد الرحمن ، عن أبيه عنها أنها مشت في خف واحد ، قال الترمذي : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : الصحيح عن عائشة موقوف . وروى ابن أبي شيبة ، عن ابن إدريس ، عن ليث ، عن نافع أن ابن عمر كان لا يرى بأسا أن يمشي في نعل واحدة إذا انقطع شسعه ما بينه وبين أن تصلح . ومن حديث رجل من مزينة رأيت عليا رضي الله تعالى عنه يمشي في نعل واحد بالمدائن ، وعن زيد بن محمد أنه رأى سالما يمشي في نعل واحدة بالمدائن ، وقال ابن عبد البر : لم يأخذ أهل العلم برأي عائشة في ذلك ، والذي روى من هؤلاء أن النهي عندهم نهي تنزيه ، ويحتمل أن النهي ما بلغهم ، والله أعلم .