15 - بَاب مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ 553 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ : بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ . قَوْلُهُ ( بَابُ مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ ) أَيْ مَا يَكُونُ حُكْمُهُ ؟ قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : أَجَادَ الْبُخَارِيُّ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى صَدْرِ الْحَدِيثِ ، فَأَبْقَى فِيهِ مَحَلًّا لِلتَّأْوِيلِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ حَدِيثَ الْبَابِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّرْكَ أَصْرَحُ بِإِرَادَةِ التَّعَمُّدِ مِنَ الْفَوَاتِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) سَقَطَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِشَامٌ ) وَقَعَ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ أَنْبَأَنَا هِشَامٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا يَحْيَى ) عِنْدَ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ) عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ يَحْيَى أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ حَدَّثَهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ التَّبْكِيرِ بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ أَبَا الْمَلِيحِ حَدَّثَهُ ، وَأَبُو الْمَلِيحِ هُوَ ابْنُ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اسْمَهُ عَامِرٌ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى نَسَقٍ . وَتَابَعَ هِشَامًا عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ شَيْبَانُ ، وَمَعْمَرٌ وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَخَالَفَهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَاجِرِ ، عَنْ بُرَيْدَةَ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ ، وَخَالَفَهُمْ أَيْضًا فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ كَمَا سَيَأْتِي التَنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ التَّبْكِيرِ الْمَذْكُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ ( كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ ) هُوَ ابْنُ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ . قَوْلُهُ ( ذِي غَيْمٍ ) قِيلَ خَصَّ يَوْمَ الْغَيْمِ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّأْخِيرِ إِمَّا لِمُتَنَطِّعٍ يَحْتَاطُ لِدُخُولِ الْوَقْتِ فَيُبَالِغُ فِي التَّأْخِيرِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ ، أَوْ لِمُتَشَاغِلٍ بِأَمْرٍ آخَرَ فَيَظُنُّ بَقَاءَ الْوَقْتِ فَيَسْتَرْسِلُ فِي شُغْلِهِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ . قَوْلُهُ : ( بَكِّرُوا ) أَيْ عَجِّلُوا ، وَالتَّبْكِيرُ يُطْلَقُ لِكُلِّ مَنْ بَادَرَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ ، وَأَصْلُهُ الْمُبَادَرَةُ بِالشَّيْءِ أَوَّلَ النَّهَارِ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) الْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ مَعْرِفَةُ تَيَقُّنِ دُخُولِ أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ وُجُودِ الْغَيْمِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَمِدُونَ فِيهِ إِلَّا عَلَى الشَّمْسِ ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ بُرَيْدَةَ قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ مَعْرِفَةِ دُخُولِ الْوَقْتِ ، لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ مِنْ أَنْ تَظْهَرَ الشَّمْسُ أَحْيَانًا . ثُمَّ إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ - إِذَا احْتَجَبَتِ الشَّمْسُ - الْيَقِينُ بَلْ يَكْفِي الِاجْتِهَادُ . قَوْلُهُ ( مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ ) زَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ : مُتَعَمِّدًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ . قَوْلُهُ ( فَقَدْ حَبِطَ ) سَقَطَ فَقَدْ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْمَعَاصِي مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالُوا : هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَفْهُومُ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَحْبَطْ عَمَلُهُ فَيَتَعَارَضُ مَفْهُومُهَا وَمَنْطُوقُ الْحَدِيثِ ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ إِذَا أَمْكَنَ كَانَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ . وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَيْضًا الْحَنَابِلَةُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ مِنْ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَكْفُرُ ، وَجَوَابُهُمْ مَا تَقَدَّمَ . وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لَمَا اخْتَصَّتِ الْعَصْرُ بِذَلِكَ . وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ ، فَافْتَرَقُوا فِي تَأْوِيلِهِ فِرَقًا . فَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ سَبَبَ التَّرْكِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ الْحَبَطَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ الْعَمَلَ فَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا ، أَوْ مُعْتَرِفًا لَكِنْ مُسْتَخِفًّا مُسْتَهْزِئًا بِمَنْ أَقَامَهَا . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابِيُّ إِنَّمَا هُوَ التَّفْرِيطُ ، وَلِهَذَا أُمِرَ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا ، وَفَهْمُهُ أَوْلَى مِنْ فَهْمِ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ تَرَكَهَا مُتَكَاسِلًا ، لَكِنْ خَرَجَ الْوَعِيدُ مَخْرَجَ الزَّجْرِ الشَّدِيدِ ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ كَقَوْلِهِ لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ كَأَنَّ الْمَعْنَى : فَقَدْ أَشْبَهَ مَنْ حَبِطَ عَمَلُهُ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَادَ أَنْ يَحْبَطَ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحَبَطِ نُقْصَانُ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى اللَّهِ ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ الصَّلَاةُ خَاصَّةً ، أَيْ لَا يَحْصُلُ عَلَى أَجْرِ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَلَا يَرْتَفِعُ لَهُ عَمَلُهَا حِينَئِذٍ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحَبَطِ الْإِبْطَالُ أَيْ يَبْطُلُ انْتِفَاعُهُ بِعَمَلِهِ فِي وَقْتٍ مَا ثُمَّ يَنْتَفِعُ بِهِ ، كَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ فِي الْمَشِيئَةِ ، فَإِنْ غُفِرَ لَهُ فَمُجَرَّدُ الْوُقُوفِ إِبْطَالٌ لِنَفْعِ الْحَسَنَةِ إِذْ ذَاكَ وَإِنْ عُذِّبَ ثُمَّ غُفِرَ لَهُ فَكَذَلِكَ . قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي بَابِ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَمُحَصِّلُ مَا قَالَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبَطِ فِي الْآيَةِ غَيْرُ الْمُرَادِ بِالْحَبَطِ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الْحَبَطُ عَلَى قِسْمَيْنِ ، حَبَطُ إِسْقَاطٍ وَهُوَ إِحْبَاطُ الْكُفْرِ لِلْإِيمَانِ وَجَمِيعِ الْحَسَنَاتِ ، وَحَبَطُ مُوَازَنَةٍ وَهُوَ إِحْبَاطُ الْمَعَاصِي لِلِانْتِفَاعِ بِالْحَسَنَاتِ عِنْدَ رُجْحَانِهَا عَلَيْهَا إِلَى أَنْ تَحْصُلَ النَّجَاةُ فَيَرْجِعَ إِلَيْهِ جَزَاءُ حَسَنَاتِهِ . وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ فِي الْحَدِيثِ عَمَلُ الدُّنْيَا الَّذِي يُسَبِّبُ الِاشْتِغَالُ بِهِ تَرْكَ الصَّلَاةِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَتَمَتَّعُ ، وَأَقْرَبُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ الشَّدِيدِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ · ص 38 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من ترك العصر · ص 123 15 - باب من ترك العصر 553 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام : أبنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله . قد سبق القول مبسوطا في حبوط العمل بترك بعض الفرائض وارتكاب بعض المحارم في كتاب الإيمان ، وبينا أن أكثر السلف والأمة على القول بذلك ، وإمرار الأحاديث الواردة فيه على ما جاءت من غير تعسف في تأويلاتها ، وبينا أن العمل إذا أطلق لم يدخل فيه الإيمان وإنما يراد به أعمال الجوارح ، وبهذا فارق قول السلف قول الخوارج ؛ فإنهم أحبطوا بالكبيرة الإيمان [والعمل] ، وخلدوا بها في النار ، وهذا قول باطل . وأما المتأخرون فلم يوافقوا السلف على ما قالوه ، فاضطربوا في تأويل هذا الحديث وما أشبهه ، وأتوا بأنواع من التكلف والتعسف . فمنهم من قال : ترك صلاة العصر يحبط عمل ذلك اليوم . ومنهم من قال : إنما يحبط العمل الذي هو تلك الصلاة التي تركها فيفوته أجرها ، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد البر . وهو من أضعف الأقوال ، وليس في الإخبار به فائدة : ومنهم من حمل هذا الحديث على أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فإنه يصير بذلك كافرا مرتدا ، كما يقول ذلك من يقوله ممن يرى أن ترك الصلاة كفر . وهذا يسقط فائدة تخصيص العصر بالذكر ، فإن سائر الصلوات عنده كذلك . وقد روي تقييد تركها بالتعمد : فروى عباد بن راشد ، عن الحسن وأبي قلابة ؛ أنهما كانا جالسين ، فقال أبو قلابة : قال أبو الدرداء : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ترك صلاة العصر متعمدا حتى تفوته فقد حبط عمله . خرجه الإمام أحمد . وأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء . ورواه أبان بن أبي عياش - وهو متروك - ، عن أبي قلابة ، عن أم الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وروى راشد أبو محمد ، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم : لا تترك صلاة مكتوبة متعمدا ، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة . خرجه ابن ماجه . وخرجه البزار ، ولفظه : فقد كفر . وهذا مما استدل به على كفر تارك الصلاة المكتوبة متعمدا ؛ فإنه لم يفرق بين صلاة وصلاة . وروى إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن معاذ بن جبل ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه ، وقال : فقد برئت منه ذمة الله عز وجل . خرجه الإمام أحمد . ورواه - أيضا - عمرو بن واقد - وهو ضعيف - ، عن يونس بن ميسرة ، عن أبي إدريس ، عن معاذ . خرجه الطبراني ومحمد بن نصر المروزي . وخرجه المروزي - أيضا - من طريق سيار بن عبد الرحمن ، عن يزيد بن قوذر ، عن سلمة بن شريح ، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، وقال : فمن تركها متعمدا فقد خرج من الملة . وقال البخاري في تاريخه : لا يعرف إسناده . وروى مكحول عن أم أيمن ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تتركي الصلاة متعمدا ؛ فإنه من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله . خرجه الإمام أحمد . وهو منقطع ؛ مكحول لم يلق أم أيمن . ورواه غير واحد ؛ عن مكحول ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . ورواه عبد الرزاق ، عن محمد بن راشد ، عن مكحول ، عن رجل ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال عبد الرزاق : وأبنا شيخ من أهل الشام ، عن مكحول ، قال : ومن برئت منه ذمة الله فقد كفر . ورواه أبو فروة الرهاوي - وفيه ضعف - ، عن أبي يحيى الكلاعي ، عن جبير بن نفير ، عن أميمة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . خرجه محمد بن نصر المروزي . وذكر عن محمد بن يحيى الذهلي ، أنه قال : هذه هي أم أيمن ، فقال أبو فروة : أميمة - يعني : أنه أخطأ في تسميتها . فأسانيد هذا الحديث كلها غير قوية . وأما حديث بريدة فصحيح ، وقد رواه عن يحيى بن أبي كثير : هشام الدستوائي والأوزاعي ، فأما هشام فرواه كما خرجه البخاري من طريقه ، وأما الأوزاعي فخالفه في إسناده ومتنه . أما إسناده : فقيل فيه : عن الأوزاعي : حدثني يحيى ، وثني أبو قلابة : حدثني أبو المهاجر ، عن بريدة . وخرجه من هذا الوجه الإمام أحمد وابن ماجه . وقال الإمام أحمد في رواية مهنا : هو خطأ من الأوزاعي ، والصحيح حديث هشام الدستوائي . وذكر - أيضا - أن أبا المهاجر لا أصل له ، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة ، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأ ، وذكره في هذا الإسناد من أصله خطأ ، فإنه ليس من روايته ، إنما هو من رواية أبي المليح ، وكذا قاله الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله . وقيل : عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، كما رواه هشام ، عن يحيى . وخرجه من هذا الوجه الإسماعيلي في صحيحه . وقيل : عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن ابن بريدة . وقيل : عن الثوري ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن بريدة ، بغير واسطة بينهما . وهذا كله مما يدل على اضطراب الأوزاعي فيه ، وعدم ضبطه . وأما متنه ، فقال الأوزاعي فيه : إن بريدة قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ، فقال : بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله . كذلك خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والإسماعيلي وغيرهم . فخالف هشاما في ذلك ؛ فإن هشاما قال في روايته : إن أبا المليح قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله . فلم يرفع منه غير هذا القدر ، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم ، والذي أمر بالتكبير بصلاة العصر هو بريدة ، وهو الصحيح . واللفظ الذي رواه الأوزاعي لو كان محفوظا لكان دليلا على تأخير العصر في غير يوم الغيم ، ولكنه وهم . وقد خرج البخاري حديث بريدة فيما بعد وبوب عليه : باب : التبكير بالصلاة في يوم غيم ، ثم خرج فيه حديث بريدة ، عن معاذ بن فضالة ، عن هشام ، فذكره كما خرجه هاهنا ، غير أنه لم يذكر : في غزوة ، وقال فيه : عن بريدة : بكروا بالصلاة ، ولم يقل : صلاة العصر . قال الإسماعيلي : جعل الترجمة لقول بريدة ، لا لما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان حق هذه الترجمة أن يكون الحديث المقرون بها ما فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بتعجيل العصر في اليوم الغيم . ثم ذكر حديث الأوزاعي بإسناده ولفظه ، ثم قال : فإن كان هذا الإسناد لا يصح عنده كان ترك هذه الترجمة أولى . وإنما أراد البخاري قول بريدة في يوم غيم : بكروا بالصلاة ، ولهذا ساق الرواية التي فيها ذكر الصلاة ، ولم يسقه كما ساقه في هذا الباب بتخصيص صلاة العصر ، يشير إلى أنه يستحب في الغيم التبكير بالصلوات والقول بالتبكير لجميع الصلوات في يوم الغيم مما لا يعرف به قائل من العلماء ، ولم يرد بريدة ذلك إنما أراد صلاة العصر خاصة ، ولا يقتضي القياس ذلك ، فإن التبكير بالصلوات في الغيم مطلقا يخشى منه وقوع الصلاة قبل الوقت ، وهو محذور ، والأفضل أن لا يصلي الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها . فإن غلب على ظنه ، فهل يجوز له الصلاة حينئذ ، أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه جائز ، وهو قول الثوري والشافعي وأكثر أصحابنا . والثاني : لا يجوز حتى يتيقن ، وهو وجه لأصحابنا وأصحاب الشافعي . واستدل الأولون : بأن جماعة من الصحابة صلوا ثم تبين لهم أنهم صلوا قبل الوقت ، فأعادوا ، منهم : ابن عمر وأبو موسى ، وهذا يدل على أنهم صلوا عن اجتهاد ، وغلب على ظنهم دخول الوقت من غير يقين . وقال الحسن : شكوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس ، فأمر مؤذنه فأقام الصلاة . خرجه ابن أبي شيبة . وقال أبو داود : باب : المسافر يصلي ويشك في الوقت ، ثم خرج من حديث المسحاج بن موسى ، أن أنسا حدثه ، قال : كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر ، فقلنا : زالت الشمس ، أو لم تزل ، صلى الظهر ثم ارتحل . والمنصوص عن أحمد : أنه لا يصلي الظهر حتى يتيقن الزوال في حضر ولا سفر ، وكذا قال إسحاق في الظهر والمغرب والصبح ؛ لأن هذه الصلوات لا تجمع إلى ما قبلها . ولكن وقع في كلام مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة تسمية الظن الغالب يقينا ، ولعل هذا منه . والله اعلم . وقد اختلف العلماء في الصلاة في يوم الغيم : فقال الشافعي : ويحتاط ويتوخى أن يصلي بعد الوقت أو يحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف خروج الوقت . وقال إسحاق نحوه . ولا يستحب عند الشافعي التأخير في الغيم مع تحقق دخول الوقت ، إلا في حال يستحب التأخير في الصحو كشدة الحر ونحوه . وحكى بعض أصحابنا مثل ذلك عن الخرقي ، وحكاه - أيضا - رواية عن أحمد . وعن أبي حنيفة رواية باستحباب تأخير الصلوات كلها مع الغيم . وقالت طائفة : يؤخر الظهر ويعجل العصر ، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء مع الغيم ، وهو قول أبي حنيفة والثوري وأحمد ، وحكي - أيضا - عن الحسن والأوزاعي ، ونقله ابن منصور عن إسحاق . وقال النخعي : كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر ، ويؤخر المغرب في يوم الغيم . قال ابن المنذر : روينا عن عمر ، أنه قال : إذا كان يوم الغيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر . قال أصحابنا : يستحب ذلك مع تحقق دخول الوقت . واختلفوا في تعليل ذلك : فمنهم من علل بالاحتياط لدخول الوقت ، ولو كان الأمر كذلك لاستوت الصلوات كلها في التأخير . ومنهم من علل بأن يوم الغيم يخشى فيه وقوع المطر ، ويكون فيه ريح وبرد غالبا ، فيشق الخروج إلى الصلاتين المجموعتين في وقتين ، فإذا أخر الأولى وقدم الثانية خرج لهما خروجا واحدا ، فكان ذلك أرفق به ، وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه . واختلفوا : هل يختص ذلك بمن يصلي جماعة ، أو تعم الرخصة من يصلي وحده ؟ وفيه وجهان : ومن المتأخرين من قال : المعنى في تأخير الأولى من المجموعتين في يوم الغيم وتعجيل الثانية : أن تعجيل الأولى منهما عن الوقت غير جائز ، وتعجيل الثانية جائز في حال الجمع ، والجمع يجوز عند أحمد للأعذار ، والاشتباه في الوقت نوع عذر ؛ فلهذا استحب تأخير الأولى حتى يتيقن دخول الوقت دون الثانية ، فهذا احتياط للوقت لكن مع وقوع الصلاة في الوقت المشترك فكان أولى . وقد نص أحمد على أن المسافر حال اشتباه الوقت عليه في الصحو - أيضا - يؤخر الظهر ويعجل العصر ؛ لهذا المعنى ، وهو يدل على أن التفريق بين المجموعتين في وقت الأولى لا يضر وأن نية الجمع لا تشترط ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في أول أبواب المواقيت . ويدل - أيضا - على أنه يجوز تعجيل الثانية من المجموعتين ، وإن لم يتيقن دخول وقتها ، ويستحب تأخير الأولى منهما حتى يتيقن دخول وقتها في السفر والغيم ، وهذا أشبه بكلام الإمام أحمد . ومن أصحابنا من استحب تأخير الظهر وتعجيل العصر في الغيم دون المغرب لما في تأخيرها من الكراهة ؛ فإن وقتها مضيق عند كثير من العلماء ، والمنصوص عن أحمد خلافه . وروي عن ابن مسعود ، قال : إذا كان يوم الغيم فعجلوا الظهر والعصر ، وأخروا المغرب والإفطار . وعن عبد العزيز بن رفيع ، قال : عجلوا صلاة العصر ؛ فإنه بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : عجلوا الصلاة - يعني : صلاة في اليوم الغيم . وفي رواية ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عجلوا الصلاة في يوم غيم ، وأخروا المغرب . وكان الربيع بن خثيم إذا كان يوم غيم قال لمؤذنه : أغسق ، أغسق - يعني : أخر حتى يظلم الوقت . وروي استحباب التبكير بالصلاة في اليوم الغيم من وجوه : فخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة بإسناد فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري - مرفوعا - ، قال : أربع من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان - فذكر منها - : ابتدار الصلاة في اليوم الدجن . وخرج ابن وهب في مسنده بإسناد ضعيف - أيضا - ، عن أبي الدرداء - مرفوعا - ، قال : تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من حقيقة الإيمان . وروى ابن سعد في طبقاته بإسناده ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصى ابنه عند موته بخصال الإيمان ، وعد منها : تعجيل الصلاة في يوم الغيم . وقال الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير : ست من كن فيه فقد استكمل الإيمان ، فذكر منها : التبكير بالصلاة في اليوم الغيم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إثم من ترك العصر · ص 39 ( باب إثم من ترك العصر ) أي هذا باب في بيان إثم من ترك صلاة العصر ، قيل : لا فائدة في هذا التبويب ؛ لأن الباب السابق يغني عنه ، وكان ينبغي أن يذكر حديث هذا الباب في الباب الذي قبله ؛ لأن كلا منهما في الوعيد ، ( قلت ) : بينهما فرق دقيق ، وهو أنهم قد اختلفوا في المراد من معنى التفويت على ما ذكرنا ، والترك لا خلاف فيه أن معناه إذا كان عامدا . 30 - ( حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشام ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر ، فقد حبط عمله ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الحديث يتضمن حبط العمل عند الترك ، والترجمة في إثم الترك . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي البصري القصاب ، يكنى أبا عمرو . الثاني هشام بن عبد الله الدستوائي . الثالث يحيى بن أبي كثير . الرابع أبو قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الحرمي . الخامس أبو المليح بفتح الميم وكسر اللام وبالحاء المهملة ، واسمه عامر بن أسامة الهذلي ، مات سنة ثمان وتسعين . السادس بريدة بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء وسكون الياء ، آخر الحروف وبالدال المهملة ابن الحصيب بضم الحاء المهملة ، وفتح الصاد المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة الأسلمي ، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وأربعة وستون حديثا للبخاري ، منها ثلاثة ، مات غازيا بمرو ، وهو آخر من مات من الصحابة بخراسان سنة اثنتين وستين . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع باتفاق الرواة ، عن مسلم بن إبراهيم ، وفيه التحديث بصيغة الجمع ، عن هشام عند أبي ذر وعند غيره ، أخبرنا بصيغة الجمع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع ، عن يحيى عند أبي ذر وعند غيره حدثنا ، وفيه العنعنة ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح وعند ابن خزيمة من طريق أبي داود الطيالسي ، عن هشام ، عن يحيى أن أبا قلابة حدثه ، وعند البخاري في باب التبكير بالصلاة في يوم الغيم ، عن معاذ بن فضالة ، عن هشام ، عن يحيى ، عن أبي قلابة أن أبا المليح حدثه ، وفيه ثلاثة من التابعين على الولاء ، وفيه أن الرواة كلهم بصريون ، وفيه القول في ثلاثة مواضع . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا ، عن معاذ بن فضالة ، وأخرجه النسائي في الصلاة أيضا ، عن عبيد الله بن سعيد ، عن يحيى ، عن هشام به ، ورواه ابن خزيمة ، كما رواه البخاري ، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان من حديث الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهاجر عنه ، قال ابن حبان : وهم الأوزاعي في تصحيفه ، عن يحيى ، فقال : عن أبي المهاجر ، وإنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة ، عن عمه عنه على الصواب ، واعترض عليه الضياء المقدسي ، فقال : الصواب أبو المليح ، عن أبي بريدة . ( ذكر معناه ) قوله : ( ذي غيم ) صفة يوم ومحل في غزوة ، وفي يوم نصب على الحال ، وإنما خص يوم الغيم ؛ لأنه مظنة التأخير ؛ لأنه ربما يشتبه عليه ، فيخرج الوقت بغروب الشمس ، قوله : ( بكروا ) ، أي : أسرعوا وعجلوا وبادروا ، وكل من بادر إلى الشيء ، فقد بكر وأبكر إليه ، أي وقت كان يقال : بكروا بصلاة المغرب ، أي : صلوها عند سقوط القرص ، قوله : ( من ترك ) كلمة من موصولة تتضمن معنى الشرط في محل الرفع على الابتداء وخبره ، ( فقد حبط عمله ) ودخول الفاء فيه لأجل تضمن المبتدأ معنى الشرط ، وحبط بكسر الباء الموحدة ، أي : بطل ، يقال : حبط يحبط من باب علم يعلم ، يقال : حبط عمله وأحبطه غيره ، وهو من قولهم : حبطت الدابة حبطا بالتحريك : إذا أصابت مرعى طيبا ، فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت ، وزاد معمر في رواية هذا الحديث لفظ : متعمدا ، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء ، وفي رواية معمر : أحبط الله عمله ، وسقط من رواية المستملي لفظ : فقد . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو على وجوه : الأول : احتج به أصحابنا على أن المستحب تعجيل العصر يوم الغيم . الثاني : احتج به الخوارج على تكفير أهل المعاصي قالوا : وهو نظير ، قوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ورد عليهم أبو عمر بأن مفهوم الآية : إن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله ، فيتعارض مفهوم الآية ، ومنطوق الحديث ، فإذا كان كذلك يتعين تأويل الحديث ؛ لأن الجمع إذا كان ممكنا كان أولى من الترجيح ، ونذكر عن قريب وجه الجمع إن شاء الله تعالى . الثالث : احتج به بعض الحنابلة أن تارك الصلاة يكفر ، ورد بأن ظاهره متروك ، والمراد به : التغليظ والتهديد ، والكفر ضد الإيمان ، وتارك الصلاة لا ينفى عنه الإيمان ، وأيضا لو كان الأمر كما قالوا لما اختصت العصر بذلك ، وأما وجه اختصاص العصر بذلك ، فلأنه وقت ارتفاع الأعمال ووقت اشتغال الناس بالبيع والشراء في هذا الوقت بأكثر من وقت غيره ، ووقت نزول ملائكة الليل ، وأما وجه الجمع فهو أن الجمهور تأولوا الحديث ، فافترقوا على فرق ، فمنهم من أول سبب الترك ، فقالوا : المراد من تركها جاحدا لوجوبها أو معترفا ، لكن مستخفا مستهزئا بمن أقامها ، وفيه نظر ؛ لأن الذي فهمه الراوي الصحابي ، إنما هو التفريط ، ولهذا أمر بالتبكير والمبادرة إليها وفهمه أولى من فهم غيره ، ومنهم من قال : المراد به من تركها متكاسلا ، لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد ، وظاهره غير مراد كقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني وهو مؤمن ) ومنهم من أول سبب الحبط فقيل : هو من مجاز التشبيه ، كأن المعنى : فقد أشبه من حبط عمله ، وقيل معناه : كاد أن يحبط ، وقيل : المراد من الحبط : نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى ، وكان المراد بالعمل الصلاة خاصة ، أي : لا يحصل على أجر من صلى العصر ، ولا يرتفع له عملها حينئذ ، وقيل : المراد بالحبط : الإبطال ، أي : بطل انتفاعه بعمله في وقت ينتفع به غيره في ذلك الوقت ، وفي ( شرح الترمذي ) ذكر أن الحبط على قسمين : حبط إسقاط ، وهو إحباط الكفر للإيمان ، وجميع الحسنات . وحبط موازنة ، وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة فيرجع إليه جزاء حسناته ، وقيل : المراد بالعمل في الحديث العمل الذي كان سببا لترك الصلاة بمعنى : أنه لا ينتفع به ولا يتمتع ، وأقرب الوجوه في هذا ما قاله ابن بزيزة : إن هذا على وجه التغليظ ، وإن ظاهره غير مراد والله تعالى أعلم ؛ لأن الأعمال لا يحبطها إلا الشرك .