6048 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ، فَقَالَ : أَتُرَى بِي بَأْسٌ ، أَمَجْنُونٌ أَنَا ؟ اذْهَبْ . الحديث الخامس : حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَاتٌ ، وَهُوَ ابْنُ الْجَوْنِ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ الْخُزَاعِيُّ ، صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ يُقَالُ : كَانَ اسْمُهُ يَسَارٌ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ ، فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُكَنَّى أَبَا الْمُطَرِّفِ ، وَقُتِلَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً . قَوْلُهُ : ( اسْتَبَّ رَجُلَانِ ) لَمْ أَعْرِفْ أَسْمَاءَهُمَا وَوَقَعَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا السَّنَدِ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْوَدَجِ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ : حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ أَنْفَهُ لَيَتَمَزَّعُ مِنَ الْغَضَبِ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ : لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الرَّجِيمِ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَلَفْظُهُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ يَقُولُهَا هَذَا الْغَضْبَانُ لَذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبَ : اللَّهُمَّ إِنَى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقَالُوا لَهُ ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظُهُ : قَالَ : فَجَعَلَ مُعَاذُ يَأْمُرُهُ ، فَأَبَى وَضَحِكَ وَجَعَلَ يَزْدَادُ غَضَبًا ، قَوْلُهُ : ( وَقَالَ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : تَعَوَّذْ بِاللَّهِ ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْشَدَهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ ، لَكِنِ اسْتَفَادُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عُمُومِ الْأَمْرِ بِالنَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ . قَوْلُهُ : ( أَتُرَى بِي بَأْسٌ ؟ ) بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ أَتَظُنُّ ، وَوَقَعَ بَأْسٌ هُنَا بِالرَّفْعِ لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي بَعْضِهَا بَأْسًا بِالنَّصْبِ وَهُوَ أَوْجَهُ . قَوْلُهُ : ( أَمَجْنُونٌ أَنَا ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ : وَهَلْ بِي مِنْ جُنُونٍ ؟ قَوْلُهُ : ( اذْهَبْ ) هُوَ خِطَابٌ مِنَ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَمَرَهُ بِالتَّعَوُّذِ أَيِ امْضِ فِي شُغْلِكَ . وَأَخْلَقُ بِهَذَا الْمَأْمُورِ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا ، أَوْ كَانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَضَبُ حَتَّى أَخْرَجَهُ عَنِ الِاعْتِدَالِ بِحَيْثُ زَجَرَ النَّاصِحَ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى مَا يُزِيلُ عَنْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنْ وَهَجِ الْغَضَبِ بِهَذَا الْجَوَابِ السَّيِّئِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَعِيذُ مِنَ الشَّيْطَانَ إِلَّا مَنْ بِهِ جُنُونٌ ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْغَضَبَ نَوْعٌ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ ، وَلِهَذَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ صُورَتِهِ وَيُزَيِّنُ إِفْسَادَ مَا لَهُ كَتَقْطِيعِ ثَوْبِهِ وَكَسْرِ آنِيَّتِهِ أَوِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَنْ أَغْضَبَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ مَنْ يَخْرُجُ عَنِ الِاعْتِدَالِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ : رَفَعَهُ إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ . . الْحَدِيثَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُنْهَى مِنْ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ · ص 482 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ينهى عنه من السباب واللعن · ص 125 76 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، قال حدثني عدي بن ثابت ، قال سمعت سليمان بن صرد - رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد ، فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : تعوذ بالله من الشيطان ، فقال : أترى بي بأس ، أمجنون أنا ، اذهب . مطابقته للترجمة في قوله : استب رجلان وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث الكوفي قاضيها ، والأعمش سليمان ، وعدي بن ثابت بالثاء المثلثة ، وسليمان بن صرد بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبالدال المهملة الخزاعي الكوفي الصحابي ، وكان اسمه يسار ضد اليمين في الجاهلية فسماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سليمان ، سكن الكوفة وقتل بموضع يقال له عين الوردة ، وقيل في الحرب مع مقدمة عبيد الله بن زياد ، وحمل رأسه إلى مروان بن الحكم وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة . ومضى الحديث في باب صفة إبليس وجنوده ، فإنه أخرجه هناك عن عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن عدي بن ثابت إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : رجلا منصوب على أنه بدل من سليمان ، قوله : حتى انتفخ وجهه ، وفي الرواية المتقدمة فاحمر وجهه وانتفخت أوداجه ، وفي رواية مسلم تحمر عيناه وتنفخ أوداجه ، قوله : الذي يجد أي الذي يجده من الغضب ، قوله : أترى بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار وضم التاء أي أتظن ، قوله : بي بأس أي مرض شديد ، وبأس مبتدأ وخبره قوله بي ، قوله : أمجنون أنا فقوله أنا مبتدأ ومجنون خبره مقدما والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري ، قوله : اذهب أمر من الرجل للرجل الذي أمره بالتعوذ يعني انطلق في شغلك ، وقال النووي : هذا كلام من لم يفقه في دين الله ولم يعرف أن الغضب نزغ من نزغات الشيطان ، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجانين ، ولعله كان من جفاة العرب ، أو يقال : لعله كان كافرا أو منافقا أو شدة الغضب أخرجته عن حيز الاعتدال بحيث زجر الناصح له ، وقد أخرج أبو داود مرفوعا من حديث عطية السعدي أن الغضب من الشيطان .