61 - بَاب الْكِبْرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ثَانِيَ عِطْفِهِ مُسْتَكْبِرا فِي نَفْسِهِ عِطْفُهُ رَقَبَتُهُ 6071 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَيْسِيُّ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْكِبْرِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ رَاءٌ ، قَالَ الرَّاغِبُ : الْكِبْرُ وَالتَّكَبُّرُ وَالِاسْتِكْبَارُ مُتَقَارِبٌ ، فَالْكِبْرُ الْحَالَةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا الْإِنْسَانُ مِنْ إِعْجَابِهِ نَفْسِهِ . وَذَلِكَ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى رَبِّهِ بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالْإِذْعَانِ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ . وَالتَّكَبُّرُ يَأْتِي عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْأَفْعَالُ الْحَسَنَةُ زَائِدَةً عَلَى مَحَاسِنِ الْغَيْرِ وَمِنْ ثَمَّ وُصِفَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِالْمُتَكَبِّرِ ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّفًا لِذَلِكَ مُتَشَبِّعًا بِمَا لَيْسَ فِيهِ ، وَهُوَ وَصْفُ عَامَّةِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِ : كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ وَالْمُسْتَكْبِرُ مِثْلَهُ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : الْكِبْرُ عَلَى قِسْمَيْنِ : فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى الْجَوَارِحِ يُقَالُ : تَكَبَّرَ ، وَإِلَّا قِيلَ : فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ . وَالْأَصْلُ هُوَ الَّذِي فِي النَّفْسِ وَهُوَ الِاسْتِرْوَاحُ إِلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ ، وَالْكِبْرُ يَسْتَدْعِي مُتَكَبَّرًا عَلَيْهِ يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَهُ وَمُتَكَبَّرًا بِهِ ، وَبِهِ يَنْفَصِلُ الْكِبْرُ عَنِ الْعُجْبِ ، فَمَنْ لَمْ يُخْلَقْ إِلَّا وَحْدَهُ يَتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُعْجَبًا لَا مُتَكَبِّرًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ثَانِيَ عِطْفِهِ مُسْتَكْبِرًا فِي نَفْسِهِ ، عِطْفُهُ رَقَبَتُهُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ثَانِيَ عِطْفِهِ قَالَ : رَقَبَتُهُ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ثَانِيَ عِطْفِهِ قَالَ : مُسْتَكْبِرًا فِي نَفْسِهِ ، وَمَنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : لَاوِي عُنُقَهُ . وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ثَانِيَ عِطْفِهِ أَيْ مُعْرِضٌ مِنَ الْعَظَمَةِ . وَمَنْ طَرِيقِ أَبِي صُخَرٍ الْمَدَنِيِّ ، قَالَ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ يَقُولُ : هُوَ الرَّجُلُ يَقُولُ : هَذَا شَيْءٌ ثَنَيْتُ عَلَيْهِ رِجْلِي ، فَالْعِطْفُ هُوَ الرِّجْلُ ، قَالَ أَبُو صَخْرٍ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ الْعِطْفُ الْعُنُقُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ . ثم ذكر فيه حديثين : أحدهما حَدِيثُ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ن ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ وَصْفُ الْمُسْتَكْبِرِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ . وَقَوْلُهُ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ . هُوَ بِرَفْعِ كُلُّ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ هُمْ كُلُّ ضَعِيفٍ إِلَخْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ أَهْلِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْكِبْرِ · ص 504 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْكِبْرِ · ص 505 6072 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ . ثَانِيهِمَا حَدِيثُ أَنَسٍ : قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ) أَيِ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الطَّبَّاعِ بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ ، وَهُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ نَزِيلُ أَذَنَه بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ ، وَهُوَ ثِقَةٌ عَالِمٌ بِحَدِيثِ هُشَيْمٍ حَتَّى قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : سَمِعْتُ يَحْيَى الْقَطَّانَ ، وَابْنَ مَهْدِيٍّ يَسْأَلَانِهِ عَنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ ، وَرَجَّحَهُ عَلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ، وَإِسْحَاقُ أَكْبرُ مِنْ مُحَمَّدٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : كَانَ يَتَفَقَّهُ ، وَكَانَ يَحْفَظُ نَحْوَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَحَدَّثَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَا وَاسِطَةٍ . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِهِ بِوَاسِطَةٍ ، وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَمَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْحَجِّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى : حَدَّثَنَا ، قَالَ حَمَّادٌ : وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ تَصْرِيحَهُ عَنْهُ بِالتَّحْدِيثِ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَا رِوَايَةٍ ، وَأَمَّا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى فَذَكَرَهُ وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ سَنَدًا ، وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ أَيْضًا ، فَسَاقَهُ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ، وَغَفَلَ عَنْ كَوْنِهِ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ هُشَيْمٍ شَيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى فِيهِ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ تَخْرِيجِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لِتَصْرِيحِ حُمَيْدٍ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بِالتَّحْدِيثِ ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُ عَنْ هُشَيْمٍ : أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ وَحُمَيْدٌ مُدَلِّسٌ ، وَالْبُخَارِيُّ يُخَرِّجُ لَهُ مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ . قَوْلُهُ : ( فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ فِي حَاجَتِهَا ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : إِنْ كَانَتِ الْوَلِيدَةُ مِنْ وَلَائِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَمَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ الرِّفْقُ وَالِانْقِيَادُ . وَقَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوَاضُعِ لِذِكْرِهِ الْمَرْأَةَ دُونَ الرَّجُلِ ، وَالْأَمَةَ دُونَ الْحُرَّةِ ، وَحَيْثُ عَمَّمَ بِلَفْظِ الْإِمَاءِ أَيَّ أَمَةٍ كَانَتْ ، وَبِقَوْلِهِ حَيْثُ شَاءَتْ أَيْ مِنَ الْأَمْكِنَةِ . وَالتَّعْبِيرُ بِالْأَخْذِ بِالْيَدِ إِشَارَةٌ إِلَى غَايَةِ التَّصَرُّفِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ حَاجَتُهَا خَارِجَ الْمَدِينَةِ ، وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ مُسَاعَدَتَهَا فِي تِلْكَ الْحَاجَةِ لساعد عَلَى ذَلِكَ ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى مَزِيدِ تَوَاضُعِهِ وَبَرَاءَتِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكِبْرِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ الْكِبْرِ وَمَدْحِ التَّوَاضُعِ أَحَادِيثُ ، مِنْ أَصَحِّهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ . فَقِيلَ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا ، قَالَ : الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ، وَالْغَمْطُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ هُوَ الِازْدِرَاءُ وَالِاحْتِقَارُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظٍ الْكِبْرُ مَنْ بَطِرَ الْحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ ، وَالسَّائِلُ الْمَذْكُورُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ ؛ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، وَكَذَا أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ سَوَادِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : الْكِبْرُ السَّفَهُ عَنِ الْحَقِّ ، وَغَمْصُ النَّاسِ . فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : السَّفَهُ أَنْ يَكُونَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَيُنْكِرُهُ فَيَأْمُرُهُ رَجُلٌ بِتَقْوَى اللَّهِ فَيَأْبَى ، وَالْغَمْصُ أَنْ يَجِيءَ شَامِخًا بِأَنْفِهِ ، وَإِذَا رَأَى ضُعَفَاءَ النَّاسِ وَفُقَرَاءَهُمْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَجْلِسْ إِلَيْهِمْ مَحْقَرَةً لَهُمْ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ : مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً ؛ حَتَّى يَجْعَلَهُ اللَّهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ دَرَجَةً وَضَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : إِيَّاكُمْ وَالْكِبْرَ ، فَإِنَّ الْكِبْرَ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ وَإِنَّ عَلَيْهِ الْعَبَاءَةَ . وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الطَّبَرِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِبْرِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْكُفْرُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْأَحَادِيثِ عَلَى اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكِبْرِ مَا هُوَ اسْتِكْبَارٌ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَعْنَى مَا قُلْنَاهُ ؛ لِأَنَّ مُعْتَقِدَ الْكِبْرِ عَلَى رَبِّهِ يَكُونُ لِخَلْقِ اللَّهِ أَشَدَّ اسْتِحْقَارًا انْتَهَى . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَار بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ . الْحَدِيثَ ، وَالْأَمْرُ بِالتَّوَاضُعِ نَهْيٌ عَنِ الْكِبْرِ فَإِنَّهُ ضِدُّهُ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ ؛ فَقِيلَ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ أَوَّلِ الدَّاخِلِينَ ، وَقِيلَ : لَا يَدْخُلُهَا بِدُونِ مُجَازَاةٍ ، وَقِيلَ : جَزَاؤُهُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا وَلَكِنْ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ ، وَقِيلَ وَرَدَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَالَ دُخُولِهَا وَفِي قَلْبِهِ كِبْرٌ ، حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَاسْتَضْعَفَهُ النَّوَوِيُّ فَأَجَادَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ لِذَمِّ الْكِبْرِ وَصَاحِبِهِ لَا لِلْإِخْبَارِ عَنْ صِفَةِ دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَقَامُ يَقْتَضِي حَمْلَ الْكِبْرِ عَلَى مَنْ يَرْتَكِبُ الْبَاطِلَ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيرَ الْجَوَابِ إِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُ الزِّينَةِ لِإِظْهَارِ نِعْمَةِ اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ ، وَإِنْ كَانَ لِلْبَطَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى تَسْفِيهِ الْحَقِّ وَتَحْقِيرِ النَّاسِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَذْمُومُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الكبر · ص 140 باب الكبر . أي : هذا باب في بيان ذم الكبر بكسر الكاف وسكون الباء الموحدة ، وهو ثمرة العجب ، وقد هلك بها كثير من العلماء والعباد والزهاد ، والكبر والتكبر والاستكبار متقارب ، والتكبر هو الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه ، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره ، وأعظم ذلك أن يتكبر على ربه بأن يمتنع من قبول الحق والإذعان له بالتوحيد والطاعة . وقال مجاهد ثَانِيَ عِطْفِهِ مستكبر في نفسه ، عطفه رقبته . أي : قال مجاهد في قوله تعالى : ثَانِيَ عِطْفِهِ وفسر عطفه بقوله : رقبته ، وهذا التعليق وصله الفريابي عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال في قوله تعالى : ثَانِيَ عِطْفِهِ قال : رقبته ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ثَانِيَ عِطْفِهِ قال : مستكبر في نفسه ، ومن طريق السدي ثَانِيَ عِطْفِهِ أي معرض من العظمة ، وعن مجاهد أنها نزلت في النضر بن الحارث . 99 - حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، حدثنا معبد بن خالد القيسي ، عن حارثة بن وهب الخزاعي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر . مطابقته للترجمة في آخر الحديث ، وسفيان هو الثوري ، ومعبد بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحدة ابن خالد الجدلي القيسي الكوفي القاضي ، مات في سنة ثمان عشرة ومائة في ولاية خالد بن عبد الله ، وحارثة بالحاء المهملة وبالثاء المثلثة ابن وهب الخزاعي نسبة إلى خزاعة بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي وبالعين المهملة ، وهي حي من الأزد . والحديث مضى في تفسير سورة نون ، ومضى الكلام فيه . قوله : كل ضعيف مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هم كل ضعيف متضاعف ، المراد بالضعيف ضعيف الحال لا ضعيف البدن ، والمتضاعف بمعنى المتواضع ، ويروى متضعف ومستضعف أيضا ، والكل يرجع إلى معنى واحد هو الذي يستضعفه الناس ويحتقرونه لضعف حاله في الدنيا ، أو متواضع متذلل خامل الذكر ، ولو أقسم يمينا طمعا في كرم الله بإبراره لأبره ، وقيل : لو دعاه لأجابه ، قوله : عتل هو الغليظ الشديد العنف ، والجواظ بفتح الجيم وتشديد الواو ، وبالظاء المعجمة المنوع ، أو المختال في مشيته ، والمراد أن أغلب أهل الجنة ، وأغلب أهل النار ، وليس المراد الاستيعاب في الطرفين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الكبر · ص 140 وقال محمد بن عيسى : حدثنا هشيم ، أخبرنا حميد الطويل ، حدثنا أنس بن مالك قال : كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت . محمد بن عيسى بن الطباع بفتح الطاء المهملة ، وتشديد الباء الموحدة وبالعين المهملة أبو جعفر البغدادي ، نزل أذنة بفتح الهمزة والذال المعجمة والنون ، وهي بلدة بالقرب من طرسوس ، وقال أبو داود : كان يحفظ نحو أربعين ألف حديث ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين ، وقال بعضهم : لم أر له في البخاري سوى هذا الموضع قلت : قال الذي جمع رجال الصحيحين : روى عنه البخاري في آخر الحج والأدب ، وقال في الموضعين : قال محمد بن عيسى ، وقال صاحب التوضيح ، وهذا يشبه أن يكون البخاري أخذه عن شيخه محمد بن عيسى مذاكرة ، وقال أبو جعفر بن حمدان النيسابوري : كل ما قال البخاري قال لي فلان فهو عرض ومناولة ، وقال بعض المغاربة : يقول البخاري قال لي ، وقال لنا ما علم له إسناد لم يذكره للاحتجاج به ، وإنما ذكره للاستشهاد به ، وكثيرا ما يعبر المحدثون بهذا اللفظ مما جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات ، وأحاديث المذاكرة قلما يحتجون بها ، قاله الحافظ الدمياطي ، وهشيم بن بشير أبو معاوية الواسطي . والحديث من أفراد البخاري ، وأخرجه أحمد بن حنبل عن هشيم . قوله : لتأخذ اللام فيه للتأكيد ، وهي مفتوحة ، والمراد من الأخذ بيده لازمه ، وهو الرفق والانقياد ، يعني كان خلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على هذه المرتبة ، وهو أنه لو كان لأمة حاجة إلى بعض مواضع المدينة ، وتلتمس منه مساعدتها في تلك الحاجة ، واحتاجت بأن يمشي معها لقضائها لما تخلف عن ذلك حتى يقضي حاجتها ، قوله : فتنطلق به حيث شاءت ، وفي رواية أحمد : فتنطلق به في حاجتها ، وله من طريق علي بن يزيد ، عن أنس : أن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء وتأخذ بيد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فما تنزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت ، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه . وهذا دليل على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفيه أنواع من المبالغة من جهة أنه ذكر المرأة لا الرجل ، والأمة لا الحرة ، وعمم بلفظ الإماء أي أمة كانت ، وبقوله : حيث شاءت من الأمكنة ، وعبر عنه بالأخذ باليد الذي هو غاية التصرف ونحوه .