71 - بَاب الصَّبْرِ في الْأَذَى وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ 6099 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا ، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّبْرِ فِي الْأَذَى ) أَيْ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْمُجَازَاةِ عَلَى الْأَذَى قَوْلًا أَوْ فِعْلًا ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحِلْمِ ( وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى جِهَادُ النَّفْسِ ، وَقَدْ جَبَلَ اللَّهُ الْأَنْفُسَ عَلَى التَّأَلُّمِ بِمَا يُفْعَلُ بِهَا وَيُقَالُ فِيهَا ; وَلِهَذَا شَقَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسْبَتُهُمْ لَهُ إِلَى الْجَوْرِ فِي الْقِسْمَةِ ، لَكِنَّهُ حَلُمَ عَنِ الْقَائِلِ فَصَبَرَ لِمَا عَلِمَ مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِ الصَّابِرِينَ ، وَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَأْجُرُهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَالصَّابِرُ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُنْفِقِ ؛ لِأَنَّ حَسَنَتَهُ مُضَاعَفَةٌ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ، وَالْحَسَنَةُ فِي الْأَصْلِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَّا مَنْ شَاءَ الله أَنْ يَزِيدَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْإِيمَانِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي فضل الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى حَدِيثٌ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيٍّ لَمْ يُسَمَّ . قَوْلُهُ : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ( لَيْسَ أَحَدٌ أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِيِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ . وَقَالَ فِيهِ : أَحَدٌ بِغَيْرِ شَكٍّ . قَوْلُهُ : ( أَصْبَرَ عَلَى أَذًى ) هُوَ بِمَعْنَى الْحِلْمِ ، أَوْ أَطْلَقَ الصَّبْرَ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْحَبْسِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ حَبْسُ الْعُقُوبَةِ عَلَى مُسْتَحِقِّهَا عَاجِلًا ، وَهَذَا هُوَ الْحِلْمُ . قَوْلُهُ : ( عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ ) قَدْ بَيَّنَهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ بِهِ وَيَرْزُقُهُمْ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى · ص 527 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصبر على الأذى · ص 155 باب الصبر على الأذى . أي : هذا باب في بيان فضيلة الصبر على الأذى ، أي أذى الناس ، والصبر حبس النفس على المطلوب حتى يدرك ، وأصل الصبر الحبس ، ومنه سمي الصوم صبرا لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح ، ومنه نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من صبر البهائم ، يعني من حبسها للتمثيل بها ، ورميها كما ترمى الأغراض ، والصبر على الأذى من باب جهاد النفس وقمعها عن شهوتها ، ومنعها عن تطاولها ، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين ، وإن كان الله قد جعل النفوس مجبولة على تألمها من الأذى ومشقته . وقول الله تعالى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وقول الله مجرور عطفا على الصبر على الأذى ، أراد بالصابرين الذين صبروا على البلايا ، وقيل : الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم في مكة ، وهاجروا إلى المدينة ، وقيل : نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين لم يتركوا دينهم ، قوله : بغير حساب ، يعني لا يهتدي إليه عقل ولا يوصف . 123 - حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان قال : حدثني الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن أبي موسى رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس أحد ، أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله : إنهم ليدعون له ولدا ، وإنه ليعافيهم ويرزقهم . مطابقته للترجمة في قوله : ليس شيء أصبر على أذى وإطلاق الصبر على الله بمعنى الحلم يعني حبس العقوبة عن مستحقها إلى زمن آخر وتأخيرها . ويحيى بن سعيد هو القطان ، وسفيان هو الثوري ، والأعمش سليمان ، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي بضم السين وفتح اللام ، وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، عن عبدان ، وأخرجه مسلم في التوبة ، عن أبي بكر وغيره ، وأخرجه النسائي في البعوث عن عمرو بن علي ، وفي التفسير عن محمد بن عبد الله . قوله : أو ليس شيء شك من الراوي ، قوله : ليس شيء أصبر فسروا الصبر في حق الله بالحلم ، وقد ذكرناه الآن ، قوله : من الله كلمة من صلة لقوله أصبر ، قوله : ليدعون له ، أي لله ، واللام فيه مفتوحة للتأكيد ، يعني ينسبون إليه ما هو منزه عنه ، وهو يحسن إليهم بما يتعلق بأنفسهم ، وهو المعافاة ، وبأموالهم وهو الرزق .