82 - بَاب الْمُدَارَاةِ مَعَ النَّاسِ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ 6131 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ حَدَّثَهُ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ : ائْذَنُوا لَهُ ، فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ ، أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ ، فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْتَ مَا قُلْتَ ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي الْقَوْلِ ، فَقَالَ : أَيْ عَائِشَةُ : إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْمُدَارَاةِ مَعَ النَّاسِ ) هُوَ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُدَافَعَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الدَّفْعُ بِرِفْقٍ . وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِيهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى إِيرَادِ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ ، فَمِمَّا وَرَدَ فِيهِ صَرِيحًا حديث لِجَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَفِي سَنَدِهِ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي آدَابِ الْحُكَمَاءِ بِسَنَدٍ أَحْسَنَ مِنْهُ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ مُدَارَاةُ النَّاسِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : إِنَّا لَنَكْشِرُ ) بِالْكَافِ السَّاكِنَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ . قَوْلُهُ : ( فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ السَّاكِنَةِ وَالنُّونِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْقَافِ السَّاكِنَةِ قِبلَ اللَّامُ الْمَكْسُورَةُ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ مِنَ الْقِلَا بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورٌ وَهُوَ الْبُغْضُ ، وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ جَزَمَ ابْنُ التِّينِ ، وَمِثْلُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمُزَّمِّلِ مِنَ الْكَشَّافِ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالدِّينَوَرِيُّ فِي الْمُجَالَسَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ وَنَضْحَكُ إِلَيْهِمْ وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ اللَّعْنِ وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّينَوَرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ ، وَرَوَيْنَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي مِنْ طَرِيقِ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : إِنَّا لَنَكْشِرُ أَقْوَامًا فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ اللَّفْظَ الْمُعَلَّقَ سَوَاءً ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا وَالْكَشْرُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ ظُهُورُ الْأَسْنَانِ ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عِنْدَ الضَّحِكِ ، وَالِاسْمُ الْكِشْرَةُ كَالْعِشْرَةِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْمُدَارَاةُ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهِيَ خَفْضُ الْجَنَاحِ لِلنَّاسِ ، وَلِينُ الْكَلِمَةِ ، وَتَرْكُ الْإِغْلَاظِ لَهُمْ فِي الْقَوْلِ ، وَذَلِكَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْأُلْفَةِ . وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُدَارَاةَ هِيَ الْمُدَاهَنَةُ فَغَلَطَ ; لِأَنَّ الْمُدَارَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَالْمُدَاهَنَةُ مُحَرَّمَةٌ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُدَاهَنَةَ مِنَ الدِّهَانِ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى الشَّيْءِ وَيُسْتَرُ بَاطِنُهُ ، وَفَسَّرَهَا الْعُلَمَاءُ بِأَنَّها مُعَاشَرَةُ الْفَاسِقِ وَإِظْهَارُ الرِّضَا بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ عَلَيْهِ ، وَالْمُدَارَاةُ هِيَ الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ فِي التَّعْلِيمِ ، وَبِالْفَاسِقِ فِي النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ ، وَتَرْكُ الْإِغْلَاظِ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يَظْهَرُ مَا هُوَ فِيهِ ، وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِلُطْفِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا احْتِيجَ إِلَى تَأَلُّفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . ثم ذكر حديثين تقدما : أحدهما : حَدِيثُ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَقَالَ : ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَوْضِعِ شَرْحِهِ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ ، وَالنُّكْتَةُ فِي إِيرَادِهِ هُنَا التَّلْمِيحُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ الْمُدَارَاةِ . وَهُوَ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَفِيهِ : فَقَالَ : إِنَّهُ مُنَافِقٌ أُدَارِيهِ عَنْ نِفَاقِهِ ، وَأَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ غَيْرَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمُدَارَاةِ مَعَ النَّاسِ · ص 544 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المداراة مع الناس · ص 170 باب المداراة مع الناس . أي : هذا باب في بيان مندوبية المداراة ، وهي لين الكلمة ، وترك الإغلاظ لهم في القول ، وهي من أخلاق المؤمنين ، والمداهنة محرمة ، والفرق بينهما أن المداهنة : هي أن يلقى الفاسق المعلن بفسقه فيؤالفه ، ولا ينكر عليه ولو بقلبه ، والمداراة : هي الرفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي ، واللطف به حتى يرده عما هو عليه ، وقال بعضهم : المداراة مع الناس بغير همز ، وأصله الهمز ؛ لأنه من المدافعة ، والمراد به الدفع بالرفق . قلت : قوله : لأنه من المدافعة غير صحيح ، بل يقال : من الدرء وهو الدفع ، وقال ابن الأثير : المداراة في حسن الخلق ، والصحبة غير مهموز ، وقد يهمز . ويذكر عن أبي الدرداء : إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم . ذكر هذا عن أبي الدرداء عويمر بن مالك بصيغة التمريض ، قوله : لنكشر بسكون الكاف وكسر الشين المعجمة من الكشر ، وهو ظهور الأسنان ، وأكثر ما يطلق عند الضحك ، والاسم الكشرة كالعشرة ، وفي التوضيح : الكشر ظهور الأسنان عند الضحك ، وكاشره إذا ضحك في وجهه وانبسط إليه ، وعبارة ابن السكيت : الكشر التبسم ، قوله : لتلعنهم اللام فيه مفتوحة للتأكيد ، وهو من اللعن ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : لتقليهم ، أي لتبغضهم من القِلَى بكسر القاف مقصورا ، وهو البغض ، يقال : قلاه يقليه قِلى وقَلاء ، قال ابن فارس : وقد قالوا : قليته أقلاه ، وفي الصحاح : يقلاه لغة طيئ ، وهي من النوادر ؛ لأن فعل يفعل بالفتح فيهما بغير حرف حلق نادر ، وهذا الأثر أخرجه موصولا ابن أبي الدنيا من طريق أبي الزاهرية عن جبير بن نغير ، عن أبي الدرداء فذكر مثله . 155 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا سفيان ، عن ابن المنكدر حدثه عن عروة بن الزبير ، أن عائشة أخبرته أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال : ائذنوا له ، فبئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة ، فلما دخل ألان له الكلام ، فقلت له : يا رسول الله ، قلت ما قلت ثم ألنت له في القول ؟ فقال : أي عائشة ، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه ، أو ودعه الناس اتقاء فحشه . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وسفيان هو ابن عيينة يروي عن محمد بن المنكدر عن عروة . وأخرجه البخاري أيضا عن صدقة بن الفضل في باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد ، ومضى الكلام فيه هناك ، وعن عمرو بن عيسى ، وأخرجه مسلم في الأدب عن عمرو بن محمد وآخرين ، عن سفيان ، وعن محمد بن رافع ، وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن محمد بن المنكدر ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن سفيان به ، وأخرجه الترمذي في البر عن ابن أبي عمر عن سفيان به . قوله : رجل قال الكرماني : هو عيينة بن حصن ، قوله : فبئس ابن العشيرة ، أي بئس هذا الرجل من القبيلة ، قوله : أي عائشة ، أي يا عائشة ، قوله : أو ودعه شك من الراوي ، أي تركه ، وهذا يرد قول أهل الصرف ، وأماتوا ماضي يدع ويذر ، قوله : اتقاء فحشه ، أي للتجنب عن فحشه ، وقال الكرماني : الكافر أشر منزلة منه ، وأجاب بأن المراد من الناس المسلمون وهو للتغليظ . وفيه جواز غيبة الفاسق المعلن ، ولمن يحتاج الناس إلى التحذير منه ، وكان الرجل المذكور كما قاله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان ضعيف الإيمان في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم فارتد بعدها ، وقال ابن بطال : كان صلى الله تعالى عليه وسلم مأمورا بأن لا يعامل الناس إلا بما ظهر منهم دون غيره ، وكان يظهر الإسلام فقال قبل الدخول ما كان يعلمه ، وبعده ما كان ظاهرا منه عند الناس .