13 - بَاب الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْمُقِلُّونَ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 6443 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ ، قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ : فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ : أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ : تَعَالَ ، قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِي : اجْلِسْ هاهُنَا قَالَ : فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي : اجْلِسْ هَاهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ ، قَالَ : فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ، قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا ، قَالَ : ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ : بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ النَّضْرُ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، وحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ؟ قَالَ : مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَالَ : اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا : إِذَا مَاتَ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ الْأَقَلُّونَ وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِاللَّفْظَيْنِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَعْرُورِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ : الْأَخْسَرُونَ بَدَلَ الْمُقِلُّونَ ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ قِلَّةُ الثَّوَابِ ، وَكُلُّ مَنْ قَلَّ ثَوَابُهُ فَهُوَ خَاسِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَثُرَ ثَوَابُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا الْآيَتَيْنِ ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا الْآيَةَ ، وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ قَالَ : إِلَى قَوْلِهِ : وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَلَمْ يَقُلِ الْآيَةَ ، وَسَاقَ الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ . وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَةِ فَقِيلَ هِيَ عَلَى عُمُومِهَا فِي الْكُفَّارِ ، وَفِيمَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهَا مُعَاوِيَةُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي الْمُجَاهِدِ وَالْقَارِئِ وَالْمُتَصَدِّقِ ؛ لِقولِهِ - تَعَالَى - لِكُلٍّ مِنْهُمْ : إِنَّمَا عَمِلْتَ لِيُقَالَ فَقَدْ قِيلَ ، فَبَكَى مُعَاوِيَةُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقِيلَ : بَلْ هِيَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَالْمُؤْمِنُ فِي الْجُمْلَةِ مَآلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ بِالشَّفَاعَةِ ، أَوْ مُطْلَقِ الْعَفْوِ ، وَالْوَعِيدُ فِي الْآيَةِ بِالنَّارِ ، وَإِحْبَاطِ الْعَمَلِ وَبُطْلَانِهِ إِنَّمَا هُوَ لِلْكَافِرِ . وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَعِيدَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي وَقَعَ الرِّيَاءُ فِيهِ فَقَطْ فَيُجَازَى فَاعِلُهُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِحْبَاطَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا رِيَاءٌ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا عُجِّلَ لَهُ ، وَجُوزِيَ فِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ لِتَجْرِيدِهِ قَصْدَهُ إِلَى الدُّنْيَا وَإِعْرَاضِهِ عَنِ الْآخِرَةِ ، وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْمُجَاهِدِينَ خَاصَّةً وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَعُمُومُهَا شَامِلٌ لِكُلِّ مُرَاءٍ وَعُمُومُ قَوْلِهِ : نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ؛ أَيْ فِي الدُّنْيَا مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ لَهُ ذَلِكَ لِقولِهِ - تَعَالَى - : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ فَعَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ يُحْمَلُ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ ، وَكَذَا يُقَيَّدُ مُطْلَقُ قَوْلِهِ : مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ : قَدْ يُوجَدُ بَعْضُ الْكُفَّارِ مُقَتَّرًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ ، أَوْ مِنَ الصِّحَّةِ ، أَوْ مِنْ طُولِ الْعُمْرِ ؛ بَلْ قَدْ يُوجَدُ مَنْ هُوَ مَنْحُوسُ الْحَظِّ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ، كَمَنْ قِيلَ فِي حَقِّهِ : خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الْآيَةِ فِي الْبَابِ لِحَدِيثِهِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْقِيتِ فِي حَقِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا عَلَى التَّأْبيدِ ؛ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ جِنْسِ الْكَبِيرَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي أَنَّهُ قَدْ يُعَذَّبُ قَبْلَ ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَنْفِي أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ التَّعْذِيبِ عَلَى مَعْصِيَةِ الرِّيَاءِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ لَكِنْ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ لَكِنْ قُتَيْبَةُ لَمْ يُدْرِكْهُ ابْنُ حَازِمٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ بِفَاءٍ وَمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ مَكِّيٌّ سَكَنَ الْكُوفَةَ ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ لَقِيَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَأَنَسٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي ذَرٍّ ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ الْمَاضِيَةِ فِي الِاسْتِئْذَانِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ : مَكَانٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَمَلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثُ مَرَاحِلَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ سَكَنَهُ أَبُو ذَرٍّ بِأَمْرِ عُثْمَانَ ، وَمَاتَ بِهِ فِي خِلَافَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ . قَوْلُهُ : ( خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي وَحْدَهُ ، لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ ) هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ : وَحْدَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِرَفْعِ تَوَهُّمٍ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَلَكٍ أَوْ جِنِّيٍّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْهُ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً ، فَأَفَادَتْ تَعْيِينَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، وَالْحَرَّةُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ مِنْهَا ، وَكَانَتْ بِهِ الْوَقْعَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ . وَقِيلَ : الْحَرَّةُ الْأَرْضُ الَّتِي حِجَارَتَهَا سُودٌ ، وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ : انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ : هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمُكْثِرونَ وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى مُخْتَلِفَةُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالسِّيَاقِ . قَوْلُهُ : ( فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ ، فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ ) ؛ أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَيْسَ لِلْقَمَرِ فِيهِ ضَوْءٌ لِيُخْفِيَ شَخْصَهُ ، وَإِنَّمَا اسْتَمَرَّ يَمْشِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطْرَأَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجَةٌ فَيَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ ) كَأَنَّهُ رَأَى شَخْصَهُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ أَبُو ذَرٍّ ) ؛ أَيْ أَنَا أَبُو ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَكَذَا لِأَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ أَحْمَدَ : فَقُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَفِي رِوَايَةِ حَفْصٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا مَضَى فِي الِاسْتِئْذَانِ : فَقُلْتُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : أَبَا ذَرٍّ ، تَعَالَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَعَالَهْ بِهَاءِ السَّكْتِ ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : فَائِدَةُ الْوُقُوفِ عَلَى هَاءِ السَّكْتِ أَنْ لَا يَقِفَ عَلَى سَاكِنَيْنِ ، نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ، وَقَدِ اخْتَصَرَ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي رِوَايَتِهِ سِيَاقَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ : لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِيهِ : إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : هَكَذَا عِنْدَهُ ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّضْرُ ) بْنُ شُمَيْلٍ : أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَالْأَعْمَشِ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا ، الْغَرَضُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ تَصْرِيحُ الشُّيُوخِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ بِأَنَّ زَيْدَ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَهُمْ ، وَالْأَوَّلَانِ نُسِبَا إِلَى التَّدْلِيسِ ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ لَأُمِنَ فِيهِ التَّدْلِيسُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُحَدِّثُ عَنْ شُيُوخِهِ إِلَّا بِمَا لَا تَدْلِيسَ فِيهِ ، وَقَدْ ظَهَرَتْ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ بَيْنَ الْأَعْمَشِ ، وَزَيْدِ بْنِ وَهْبٍ رَجُلًا مُبْهَمًا ، ذَكَرَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُصَرِّحَةُ أَنَّهُ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ . وَقَدِ اعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا السَّنَدِ بِهَذَا ، فَأَشَارَ إِلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ هَذِهِ نَظِيرُ رِوَايَتِهِ فَقَالَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ قِصَّةُ الْمُقِلِّينَ وَالْمُكْثِرِينَ ، إِنَّمَا فِيهِ قِصَّةُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا قَالَ : وَالْعَجَبُ مِنَ الْبُخَارِيِّ كَيْفَ أَطْلَقَ ذَلِكَ ثُمَّ سَاقَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ : أَنَّ جِبْرِيلَ بَشَّرَنِي أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ . قِيلَ لِسُلَيْمَانَ ؛ يَعْنِي الْأَعْمَشَ إِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ : إِنَّمَا سَمِعْتُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ . ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَبِلَالٍ وَالْأَعْمَشِ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ سَمِعُوا زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، زَادَ فِيهِ رَاوِيًا وَهُوَ بِلَالٌ ، وَهُوَ ابْنُ مِرْدَاسٍ الْفَزَارِيُّ ، شَيْخٌ كُوفِيٌّ ، أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَهُوَ صَدُوقٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ كَرِوَايَةِ النَّضْرِ لَيْسَ فِيهِ بِلَالٌ ، وَقَدْ تَبِعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى اعْتِرَاضِهِ الْمَذْكُورِ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ مُغْلَطَايْ وَمَنْ بَعْدَهُ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَاضِحٌ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَصْلُ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَصْلِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، فَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِذَا أُرِيدَ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا ؛ أَيْ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ لَا خُصُوصِ اللَّفْظِ الْمُسَاقِ ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الثَّلَاثَةِ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا بِنَحْوِهِ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ ، وَالنُّعْمَانُ الْغِفَارِيُّ ، وَسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ ، وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَرِوَايَاتُهُمْ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْهُ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، كَمَا سَأُبَيِّنُهُ . الثَّانِي : حَدِيثُ الْمُكْثِرِينَ وَالْمُقِلِّينَ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ ، وَالنُّعْمَانُ الْغِفَارِيُّ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا . الثَّالِثُ حَدِيثُ : مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اللِّبَاسِ ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَفِيهِ أَيْضًا فَائِدَةٌ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ قَالَ : عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ الْأَعْمَشُ ، لِزَيْدٍ : مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْهُ ، قُلْتُ لِزَيْدٍ : بَلَغَنِي أَنَّهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، فَأَفَادَتْ رِوَايَةُ شُعْبَةَ أَنَّ حَبِيبًا ، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ وَافَقَا الْأَعْمَشَ عَلَى أَنَّهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ لَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ : عَنْ عِيسَى بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طريقِهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ : مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ فَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا ، وَفِي الثَّالِثَةِ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّةَ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ فَقَالَ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلَانِ صَحِيحَيْنِ قُلْتُ : وَفِي حَدِيثِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَرِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْمُقِلُّونَ · ص 265 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المكثرون هم المقلون · ص 49 - باب المكثرون هم المقلون أي : هذا باب يذكر فيه المكثرون هم المقلون ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : هم الأقلون ، ووقع في رواية أبي ذر : المكثرون هم الأخسرون ، ومعناه : المكثرون من المال هم المقلون في الثواب ، يعني : كثرة المال تؤول بصاحبه إلى الإقلال من الحسنات يوم القيامة إذا لم ينفقه في طاعة الله تعالى ، فإن أنفقه فيها كان غنيا من الحسنات يوم القيامة . وقوله تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ سيقت هاتان الآيتان بتمامهما في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية أبي ذر من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها الآيتان ، وفي رواية أبي زيد بعد قوله : وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا الآية ، ومثله للإسماعيلي ، لكن قال إلى قوله : وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قوله : مَنْ كَانَ إلى آخره على عمومها في الكفار وفيمن يرائي بعمله من المسلمين ، وقال سعيد بن جبير : الآية فيمن عمل عملا يريد به غير الله جوزي عليه في الدنيا ، وعن أنس : هم اليهود والنصارى إن أعطوا سائلا أو وصلوا رحما عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن ، وقيل : هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأسهم لهم من الغنائم ، وقال الضحاك : يعني المشركين إذا عملوا عملا جوزوا عليه في الدنيا ، وهذا أبين لقوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ قوله : " نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ أي : نوصل إليهم أجور أعمالهم كاملة وافية وهو من التوفية ، وقرئ " يوف " بالياء على أن الفعل لله وبالياء على صيغة المجهول ، ويوفي بالتخفيف وإثبات الياء . قوله : " فيها " أي : في الدنيا . قوله : لا يُبْخَسُونَ من البخس وهو النقص . قوله : وَحَبِطَ أي : بطل يقال : حبط عمله يحبط وأحبطه غيره ، ومعنى حبط عملهم : ليس لهم ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة . قوله : وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي : عملهم في نفسه باطل ، وقرئ " وبطل " على الفعل ، وعن عاصم " وباطلا " بالنصب . 30 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده وليس معه إنسان ، قال : فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد ، قال : فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني ، فقال : من هذا ؟ قلت : أبو ذر جعلني الله فداءك ، قال : يا أبا ذر ، تعاله ، قال : فمشيت معه ساعة فقال : إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا ، قال : فمشيت معه ساعة فقال لي : اجلس هاهنا ، قال : فأجلسني في قاع حوله حجارة فقال لي : اجلس هاهنا حتى أرجع إليك ، قال : فانطلق في الحرة حتى لا أراه ، فلبث عني فأطال اللبث ، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول : وإن سرق وإن زنى ، قال : فلما جاء لم أصبر حتى قلت : يا نبي الله جعلني الله فداءك ، من تكلم في جانب الحرة ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا ، قال : ذلك جبريل عليه السلام عرض لي في جانب الحرة قال : بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، قلت : يا جبريل وإن سرق وإن زنى ؟ قال : نعم ، قال : قلت : وإن سرق وإن زنى ؟ قال : نعم ، وإن شرب الخمر . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والمطابقة أيضا بين الحديث والآية المذكورة هي أن الوعيد الذي فيها محمول على التأقيت في حق من وقع له ذلك من المسلمين لا على التأبيد لدلالة الحديث على أن المرتكب لجنس الكبيرة من المسلمين يدخل الجنة ، وليس فيه ما ينفي أنه يعذب قبل ذلك كما أنه ليس في الآية ما ينفي أنه قد يدخل الجنة بعد التعذيب على معصية الزنا . وجرير هو ابن عبد الحميد ، وعبد العزيز بن رفيع بضم الراء وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة الأسدي المكي ، سكن الكوفة ، وهو من صغار التابعين ، سمع أنس بن مالك ، وزيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الكوفي من قضاعة ، خرج إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق ، وأبو ذر الغفاري اسمه في الأشهر جندب بن جنادة . والحديث بزيادة ونقصان مضى في مواضع كثيرة في الاستقراض ، وفي الاستئذان ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن قتيبة به ، وأخرجه الترمذي في الإيمان عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن عبدة بن عبد الرحمن وغيره . قوله : " خرجت ليلة من الليالي " وفي رواية الأعمش عن زيد بن وهب عنه : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء ، فبين فيه المكان والزمان . قوله : " في ظل القمر " أي : في مكان ليس للقمر فيه ضوء ليخفي نفسه ، وإنما استمر يمشي لاحتمال أن يطرأ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم حاجة فيكون قريبا منه . قوله : " قلت : أبو ذر " أي : أنا أبو ذر . قوله : " تعاله " أمر بهاء السكت ، هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : " تعال " قال ابن التين : فائدة هاء السكت أن لا يقف على ساكنين وهو غير مطرد . قوله : " إن المكثرين هم المقلون " قد مر الكلام فيه آنفا . قوله : " خيرا " أي : مالا قال تعالى : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا قوله : " فنفح فيه " بالحاء المهملة يقال : نفح فلان فلانا بشيء أي : أعطاه ، والنفحة الدفعة ، وقال صاحب ( الأفعال ) : نفح بالعطاء أعطى ، والله نفاح بالخيرات ، وقال صاحب ( العين ) : نفح بالمال والسيف ونفحت الدابة رمت بحافرها الأرض . قوله : " ووراءه " قيل : معناه يوصي فيه ويبقيه لوارثه وحبس بحبسه . قوله : " في قاع " هو أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال . قوله : " في الحرة " بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء أرض ذات حجارة سود كأنها احترقت بالنار . قوله : " وهو مقبل " الواو فيه للحال . قوله : " وهو يقول " كذلك الواو فيه للحال . قوله : " دخل الجنة " أي : كان مصيره إليها ، وإن ناله عقوبة جمعا بينه وبين مثل وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ من الآيات الموعدة للفساق . قوله : " وإن سرق وإن زنى " قيل : يحتمل معنيين : أحدهما : أن هذه الأمة يغفر لجميعها . والثاني : أن يكون يدخل الجنة من عوقب ببعض ذنوبه فأدخل النار ثم أخرج منها بذنوبه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المكثرون هم المقلون · ص 51 قال النضر : أخبرنا شعبة ، وحدثنا حبيب بن أبي ثابت والأعمش وعبد العزيز بن رفيع ، حدثنا زيد بن وهب بهذا . قال النضر بن شميل . . . إلى آخره . قوله : بهذا أي : بالحديث المذكور ، قيل : الغرض بهذا التعليق تصريح الشيوخ الثلاثة المذكورين بأن زيد بن وهب حدثهم قال الإسماعيلي : ليس في حديث شعبة قصة المكثرين والمقلين إنما فيه من مات لا يشرك به شيئا والعجب من أبي عبد الله كيف أطلق هذا الكلام ؟ أخبرنيه الحسن ، حدثنا حميد يعني : ابن زنجويه ، حدثنا النضر بن شميل ، أنا شعبة ، حدثنا حبيب بن أبي ثابت والأعمش وعبد العزيز بن رفيع قالوا : سمعنا زيد بن وهب ، عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن جبريل عليه السلام أتاني فبشرني أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، قلت : وإن زنى وسرق ؟ قال : وإن زنى وسرق قال سليمان يعني الأعمش : وإنما يروي هذا الحديث عن أبي الدرداء قال : أما أنا فإنما سمعته من أبي ذر ، أخبرنيه يحيى بن محمد الحنائي ، حدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن حبيب وبلال والأعمش وعبد العزيز المكي ، سمعوا زيد بن وهب ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . . . الحديث . قال : ورواه أبو داود عن شعبة فذكرهم ، ولم يذكر بلالا ولم يزد على هذه القصة ، أخبرنيه الهيثم الدوري ، حدثنا زيد بن أخزم ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن بلال وهو أبي مرداس ، ويقال : ابن معاذ تفرد بهذا الحديث عنه ، ورواه شعبة أيضا عن المعرور بن سويد ، سمع أبا ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قصة من مات لا يشرك بالله شيئا ، أخبرنيه الحنائي ، حدثنا عبيد الله ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، وقال بعضهم : وقد تبع الإسماعيلي على اعتراضه المذكور جماعة منهم : مغلطاي ومن بعده . قلت : فيه إساءة الأدب حيث قال مغلطاي بطريق الاستهتار وأراد بقوله : ومن بعده صاحب ( التوضيح ) الشيخ سراج الدين بن الملقن وهو شيخه ، والكرماني أيضا ، ثم تصدى للجواب عن الاعتراض المذكور بقوله : الجواب عن البخاري واضح على طريقة أهل الحديث لأن مراده أصل الحديث فإن الحديث المذكور في الأصل قد اشتمل على ثلاثة أشياء ، فيجوز إطلاق الحديث على كل واحد من الثلاثة إذا أفرد ، فقول البخاري بهذا أي بأصل الحديث لا خصوص اللفظ المساق . انتهى . قلت : الاعتراض باق على ما لا يخفى ، لأن الإطلاق في موضع التقييد غير جائز ، وقوله : بهذا أي : بأصل الحديث إلى آخره غير سديد ؛ لأن الإشارة بلفظ هذا تكون للحاضر ، والحاضر هو اللفظ المساق ، والمراد من ثلاثة أشياء ثلاثة أحاديث : الأول : قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا . الثاني : حديث المكثرين والمقلين . والثالث : حديث : من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المكثرون هم المقلون · ص 52 قال أبو عبد الله : حديث أبي صالح عن أبي الدرداء مرسل لا يصح إنما أردنا للمعرفة ، والصحيح حديث أبي ذر قيل لأبي عبد الله : حديث عطاء بن يسار عن أبي الدرداء ؟ قال : مرسل أيضا لا يصح والصحيح حديث أبي ذر ، وقال : اضربوا على حديث أبي الدرداء هذا : إذا مات قال : لا إله إلا الله عند الموت . هذا أعني قال أبو عبد الله . . . إلى آخره لا يوجد في كثير من النسخ ، وأبو عبد الله هو البخاري . قوله : حديث أبي صالح هو ذكوان الزيات عن أبي الدرداء عويمر بن مالك مرسل لا يصح ، وقال صاحب ( التلويح ) : فيه نظر من حيث إن النسائي رواه بسند صحيح على شرط أبي الحجاج القشيري فقال : حدثني قتيبة ، عن عبد الواحد بن زياد ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن زيد بن وهب ، وعن عمرو بن هشام ، عن محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عيسى بن مالك ، عن زيد ، عن أبي الدرداء . قوله : إنما أردنا للمعرفة أي : لنعرف أنه قد روي عنه لا لأنه يحتج به . قوله : قيل لأبي عبد الله هو البخاري أيضا . قوله : حديث عطاء بن يسار ضد اليمين عن أبي الدرداء قال : مرسل ، أي : هو مرسل أيضا لا يصح ، قال صاحب ( التلويح ) : فيه نظر أيضا لأن الطبراني قد أخرجه بإسناد جيد ، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا محمد بن أبي حرملة ، عن عطاء بن يسار قال : أخبرني أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فذكره . قوله : هذا أي : هذا الذي روي عن أبي الدرداء وهو قوله : من مات لا يشرك بالله شيئا في حق من قال : لا إله إلا الله عند الموت .