الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ ، قُلْت : حَدِيثٌ غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَالْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ اسْتَدَلَّ بِهِ هُنَا عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ كَمَا تَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ - يَعْنِي فِي الْجِمَاعِ - لِأَنَّ مَنْ تُطْلَقُ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَبِمَذْهَبِنَا قَالَ أَحْمَدُ ، وَالْحَدِيثُ لَمْ أَجِدْهُ ، وَلَكِنْ اسْتَدَلَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ لِمَذْهَبِنَا ، وَمَذْهَبِهِ بِمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً ، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا انْتَهَى . قَالَ : وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَلَّقَ التَّكْفِيرَ بِالْإِفْطَارِ ، وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، ثَنَا هشيمٌ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ الَّذِي أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ . انْتَهَى . قَالَ : وَالْمَحْفُوظُ عَنْ هُشَيْمِ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ النَّبِيِّ مُرْسَلًا ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ اللَّيْثِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَيْثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْفِطْرِ الْعَمْدِ ، أَكْلًا كان أَوْ شُرْبًا ، أَوْ جِمَاعًا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْجِمَاعِ ، وَاسْتَدَلَّ لَنَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ فِي رَمَضَانَ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً ، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا . انْتَهَى . وَأَعَلَّهُ بِأَبِي مَعْشَرٍ ، وَقَالَ : قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ احْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّهُمْ يَحْمِلُونَهُ عَلَى الْجِمَاعِ ، قَالُوا : وَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوِ الْعِشْرِينَ رَجُلًا ، ذَكَرَهُمْ الْبَيْهَقِيُّ ، فَقَالُوا فِيهِ : إنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرِوَايَةُ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُقَيَّدَةً بِالْوَطْءِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ لِزِيَادَةِ حِفْظِهِمْ ، وَأَدَائِهِمْ الْحَدِيثَ عَلَى وَجْهِهِ ، كَيْفَ وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ : أَعْتِقْ رَقَبَةً ، قَالَ مَا أَجِدُهَا ، قَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْنِ ، قَالَ : مَا أَسْتَطِيعُ ، قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَاسْتَدَلَّ به الْمُصَنِّفُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي هَذَا الْبَابِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ كِفَايَةٌ .
تخريج كتب التخريج والعلل
نصب الراية لأحاديث الهدايةحديث في وجوب التكفير بالإفطار عمدا وبيان المذاهب · ص 449 التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبيرص 397 922 - ( 49 ) - حَدِيثُ : رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَاءَهُ وَقَدْ وَاقَعَ : ( صُمْ شَهْرَيْنِ ). فَقَالَ : وَهَلْ أُتِيتُ إلَّا مِنْ قِبَلِ الصَّوْمِ ، هَذَا اللَّفْظُ لَا يُعْرَفُ ، قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَقَالَ : إنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَهَذِهِ غَفْلَةٌ عَمَّا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ : ( صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لَقِيت مَا لَقِيت إلَّا مِنْ الصِّيَامِ ) ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي قِصَّةِ الْمُظَاهِرِ مِنْ زَوْجَتِهِ أَنَّهُ قَالَ : وَهَلْ أَصَبْت الَّذِي أَصَبْت إلَّا مِنْ الصِّيَامِ ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ هُوَ الْمُجَامِعُ . قَوْلُهُ : لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْمُجَامِعِ . وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ لَا يَقْتَضِي الْكَفَّارَةَ ، مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِمَا نَصٌّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ فِي رَمَضَانَ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً - الْحَدِيثَ - لَكِنَّ إسْنَادَهُ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ أَبِي مَعْشَرٍ رَاوِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ : ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : أَفْطَرْت فِي رَمَضَانَ ) ، لَكِنْ حُمِلَ عَلَى الْفِطْرِ بِالْجِمَاعِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : رَوَاهُ عِشْرُونَ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ بِذِكْرِ الْجِمَاعِ . قَوْلُهُ : وَيُحْمَلُ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى خَاصَّتِهِ وَخَاصَّةِ أَهْلِهِ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ ، وَإِرْضَاعِ الْكَبِيرِ وَنَحْوِهِمَا ، وَمُرَادُهُ بِالْأُضْحِيَّةِ قِصَّةُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ خَالِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ ، وَبِإِرْضَاعِ الْكَبِيرِ قِصَّةُ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَهِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ عَلَيَّ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ ). وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ : أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا ، وَقُلْنَ : مَا نَرَى هَذِهِ إلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً . قَوْلُهُ : فِي صَرْفِ الْكَفَّارَةِ إلَى عِيَالِهِ ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ بِصَرْفِهِ إلَيْهِمْ كَفَّارَةٌ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكْت - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ - فَقَالَ : انْطَلِقْ فَكُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُك ، فَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْك )لَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ مَنْ لَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ . قَوْلُهُ : السُّقُوطُ عِنْدَ الْعَجْزِ ، احْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ بِأَنْ يُطْعَمَهُ هُوَ وَعِيَالُهُ ، لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِخْرَاجِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، وَلَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهُ ، نَازَعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ : وَلَمْ يَقُلْ لَهُ : سَقَطَتْ عَنْك لِعُسْرِك بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ، وَكُلُّ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ فِي الْيَسَارِ لَزِمَ الذِّمَّةَ إلَى الْمَيْسَرَةِ . ( تَنْبِيهٌ ) : سَبَقَ الزُّهْرِيُّ إلَى دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ بِالْأَعْرَابِيِّ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .
إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرةمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ · ص 587