حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

مقدمة الإمام النووي

فصل : التدليس قسمان ؛ أحدهما : أن يروي عمن عاصره ما لم يسمع منه موهما سماعه ، قائلا : قال فلان ، أو : عن فلان ، أو نحوه . وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره لكونه ضعيفا أو صغيرا ؛ تحسينا لصورة الحديث . وهذا القسم مكروه جدا ، ذمه أكثر العلماء ، وكان شعبة من أشدهم ذما له ، وظاهر كلامه أنه حرام .

وتحريمه ظاهر ؛ فإنه يوهم الاحتجاج بما لا يجوز الاحتجاج به ، ويتسبب أيضا إلى إسقاط العمل بروايات نفسه مع ما فيه من الغرور ، ثم إن مفسدته دائمة ، وبعض هذا يكفي في التحريم فكيف باجتماع هذه الأمور ؟ ثم قال فريق من العلماء : من عرف منه هذا التدليس صار مجروحا لا يقبل له رواية في شيء أبدا ، وإن بين السماع والصحيح ما قاله الجماهير من الطوائف أن ما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع فهو مرسل ، وما بينه فيه كسمعت وحدثنا وأخبرنا وشبهها فهو صحيح مقبول يحتج به ، وفي الصحيحين وغيرهما من كتب الأصول من هذا الضرب كثير لا يحصى ؛ كقتادة ، والأعمش ، والسفيانين ، وهشيم ، وغيرهم . ودليل هذا أن التدليس ليس كذبا ، وإذا لم يكن كذبا وقد قال الجماهير : إنه ليس محرما والراوي عدل ضابط وقد بين سماعه - وجب الحكم بصحته ، والله أعلم . ثم هذا الحكم في المدلس جاز فيمن دلس مرة واحدة ولا يشترط تكرره منه ، واعلم أن ما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى ، وقد جاء كثير منه في الصحيح بالطريقين جميعا ؛ فيذكر رواية المدلس بعن ثم يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى الذي ذكرته ، وسترى من ذلك إن شاء الله تعالى جملا مما ننبه عليه في مواضعه إن شاء الله تعالى .

وربما مررنا بشيء منه على قلة من غير تنبيه عليه اكتفاء بالتنبيه على مثله قريبا منه ، والله أعلم . وأما القسم الثاني من التدليس فإنه يسمي شيخه أو غيره أو ينسبه أو يصفه ، أو يكنيه بما لا يعرف به كراهة أن يعرف ، ويحمله على ذلك كونه ضعيفا أو صغيرا ، أو يستنكف أن يروي عنه لمعنى آخر ، أو يكون مكثرا من الرواية عنه فيريد أن يغيره كراهة تكرير الرواية عنه على صورة واحدة ، أو لغير ذلك من الأسباب . وكراهة هذا القسم أخف ، وسببها توعير طريق معرفته ، والله أعلم

موقع حَـدِيث