مقدمة الإمام النووي
فصل : في معرفة الاعتبار والمتابعة والشاهد والأفراد والشاذ والمنكر ، فإذا روى حماد مثلا حديثا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ينظر ؛ هل رواه ثقة غير حماد عن أيوب ؟ أو عن ابن سيرين غير أيوب ؟ أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين ؟ أو عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي هريرة ؟ فأي ذلك وجد علم أن له أصلا يرجع إليه ، فهذا النظر والتفتيش يسمى اعتبارا . وأما المتابعة فأن يرويه عن أيوب غير حماد ، أو عن ابن سيرين غير أيوب ، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين ، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي هريرة ؛ فكل واحد من هذه الأقسام يسمى متابعة ، وأعلاها الأولى وهي متابعة حماد في الرواية عن أيوب ثم ما بعدها على الترتيب . وأما الشاهد فأن يروى حديث آخر بمعناه ، وتسمى المتابعة شاهدا ولا يسمى الشاهد متابعة .
وإذا قالوا في نحو هذا : تفرد به أبو هريرة ، أو ابن سيرين ، أو أيوب ، أو حماد - كان مشعرا بانتفاء وجوه المتابعات كلها . واعلم أنه يدخل في المتابعات والاستشهاد رواية بعض الضعفاء ، ولا يصلح لذلك كل ضعيف ، وإنما يفعلون هذا لكون التابع لا اعتماد عليه ، وإنما الاعتماد على من قبله . وإذا انتفت المتابعات وتمحض فردا فله أربعة أحوال : حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه فهذا ضعيف ، ويسمى شاذا ومنكرا .
وحال لا يكون مخالفا ويكون هذا الراوي حافظا ضابطا متقنا فيكون صحيحا ، وحال يكون قاصرا عن هذا ولكنه قريب من درجته فيكون حديثه حسنا ، وحال يكون بعيدا عن حاله فيكون شاذا منكرا مردودا . فتحصل أن الفرد قسمان : مقبول ومردود . والمقبول ضربان : فرد لا يخالف وراويه كامل الأهلية ، وفرد هو قريب منه .
والمردود أيضا ضربان : فرد مخالف للأحفظ ، وفرد ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده ، والله أعلم .