حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

مقدمة الإمام النووي

فصل : في أحرف مختصرة في بيان الناسخ والمنسوخ وحكم الحديثين المختلفين ظاهرا . أما النسخ فهو رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر ، هذا هو المختار في حده ، وقد قيل فيه غير ذلك . وقد أدخل فيه كثيرون أو الأكثرون من المصنفين في الحديث ما ليس منه ، بل هو من قسم التخصيص ، أو ليس منسوخا ولا مخصصا بل مؤولا أو غير ذلك .

ثم النسخ يعرف بأمور ؛ منها تصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم به كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ومنها قول الصحابي : كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار ، ومنها ما يعرف بالتاريخ ، ومنها ما يعرف بالإجماع كقتل شارب الخمر في المرة الرابعة فإنه منسوخ عرف نسخه بالإجماع ، والإجماع لا ينسخ ولا ينسخ ، لكن يدل على وجود ناسخ ، والله أعلم . وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما ، وإنما يقوم بذلك غالبا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصولين المتمكنون في ذلك الغائصون على المعاني الدقيقة الرائضون أنفسهم في ذلك ، فمن كان بهذه الصفة لم يشكل عليه شيء من ذلك إلا النادر في بعض الأحيان . ثم المختلف قسمان ؛ أحدهما يمكن الجمع بينهما فيتعين ويجب العمل بالحديثين جميعا ، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة تعين المصير إليه ، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع ؛ لأن في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به .

ومثال الجمع حديث لا عدوى مع حديث لا يورد ممرض على مصح ، وجه الجمع أن الأمراض لا تعدي بطبعها ، ولكن جعل الله سبحانه وتعالى مخالطتها سببا للإعداء ؛ فنفى في الحديث الأول ما يعتقده الجاهلية من العدوى بطبعها ، وأرشد في الثاني إلى مجانبة ما يحصل عنده الضرر عادة بقضاء الله وقدره وفعله . القسم الثاني أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بوجه ، فإن علمنا أحدهما ناسخا قدمناه ، وإلا عملنا بالراجح منهما كالترجيح بكثرة الرواة وصفاتهم وسائر وجوه الترجيح ، وهي نحو خمسين وجها جمعها الحافظ أبو بكر الحازمي في أول كتابه الناسخ والمنسوخ ، وقد جمعتها أنا مختصرة ولا ضرورة إلى ذكرها هنا كراهة للتطويل ، والله أعلم .

موقع حَـدِيث