باب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ قَطْعًا
[ 47 ] ( 29 ) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ الصُّنَابِحِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَبَكَيْتُ ، فَقَالَ : مَهْلًا ، لِمَ تَبْكِي ؟ فَوَاللَّهِ لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لَكَ ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لَأَشْفَعَنَّ لَكَ ، وَلَئِنْ اسْتَطَعْتُ لَأَنْفَعَنَّكَ . ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ ، إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَبَكَيْتُ ، فَقَالَ : مَهْلًا ) أَمَّا ( ابْنُ عَجْلَانَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ فَهُوَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، كَانَ عَابِدًا فَقِيهًا ، وَكَانَ لَهُ حَلْقَةٌ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ يُفْتِي .
وَهُوَ تَابِعِيٌّ أَدْرَكَ أَنَسًا وَأَبَا الطُّفَيْلِ ؛ قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ . رَوَى عَنْ أَنَسٍ وَالتَّابِعِينَ ، وَمِنْ طُرَفِ أَخْبَارِهِ أَنَّهُ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ . وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي كِتَابِ " الْكُنَى " : مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ يُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ .
لَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ عِنْدَهُ ، وَوَثَّقَهُ غَيْرُهُ . وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ هُنَا مُتَابَعَةً ، قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ فِي الْأُصُولِ شَيْئًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( حَبَّانُ ) فَبِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى هَذَا تَابِعِيٌّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَأَمَّا ( ابْنُ مُحَيْرِيزٍ ) فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ الْجُمَحِيُّ مِنْ أَنْفَسِهمُ ، الْمَكِّيُّ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ . سَمِعَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ : عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَأَبُو مَحْذُورَةَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . سَكَنَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ .
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ كَانَ مُقْتَدِيًا فَلْيَقْتَدِ بِمِثْلِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِيُضِلَّ أُمَّةً فِيهَا مِثْلُ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ . وَقَالَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ : وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُعِدُّ بَقَاءَ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَمَانًا لِأَهْلِ الْأَرْضِ . وَأَمَّا ( الصُّنَابِحِيُّ ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ - بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - الْمُرَادِيُّ .
وَالصُّنَابِحُ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ ، ج١ / ص١٨٥رَحَلَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ بِخَمْسِ لَيَالٍ أَوْ سِتٍّ ، فَسَمِعَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَخَلَائِقَ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَقَدْ يُشْتَبَهُ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَغِلِ بِالْحَدِيثِ الصُّنَابِحِيُّ هَذَا بِالصُّنَابِحِ ابْنِ الْأَعْسَرِ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ فِيهِ لَطِيفَةٌ مُسْتَطْرَفَةٌ مِنْ لَطَائِفِ الْإِسْنَادِ ؛ وَهِيَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ : ابْنُ عَجْلَانَ ، وَابْنُ حَبَّانَ ، وَابْنُ مُحَيْرِيزٍ ، وَالصُّنَابِحِيُّ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( عَنِ الصُّنَابِحِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَيْهِ ) فَهَذَا كَثِيرٌ يَقَعُ مِثْلُهُ ، وَفِيهِ صَنْعَةٌ حَسَنَةٌ ، وَتَقْدِيرُهُ : عَنِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عُبَادَةَ بِحَدِيثٍ قَالَ فِيهِ : دَخَلْتُ عَلَيْهِ . وَمِثْلُهُ مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ : " ثَلَاثٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ " ، قَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ رَجُلًا سَأَلَ الشَّعْبِيَّ فَقَالَ : يَا أَبَا عَمْرٍو إِنَّ مِنْ قِبَلِنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ كَذَا ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ .
فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ ، فَتَقْدِيرُهُ : قَالَ هُشَيْمٌ : حَدَّثَنِي صَالِحٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ بِحَدِيثٍ ؛ قَالَ فِيهِ صَالِحٌ : رَأَيْتُ رَجُلًا سَأَلَ الشَّعْبِيَّ . وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ سَنُنَبِّهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا فِي مَوَاضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( مَهْلًا ) هُوَ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ ، وَمَعْنَاهُ أَنْظِرْنِي .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : يُقَالُ : مَهْلًا يَا رَجُلُ ؛ بِالسُّكُونِ ، وَكَذَلِكَ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُؤَنَّثِ ، وَهِيَ مُوَحَّدَةٌ بِمَعْنَى أَمْهِلْ . فَإِذَا قِيلَ لَكَ : مَهْلًا ، قُلْتَ : لَا مَهْلَ وَاللَّهِ . وَلَا تَقُلْ : لَا مَهْلًا .
وَتَقُولُ : مَا مَهْلُ وَاللَّهِ بِمُغْنِيَةٍ عَنْكَ شَيْئًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مَا مِنْ حَدِيثٍ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمُوهُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَتَمَ مَا خَشِيَ الضَّرَرَ فِيهِ وَالْفِتْنَةَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ عَقْلُ كُلِّ وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ وَلَا فِيهِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ . قَالَ : وَمِثْلُ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَثِيرٌ فِي تَرْكِ الْحَدِيثِ بِمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ ، وَلَا تَدْعُو إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ ، أَوْ لَا تَحْمِلُهُ عُقُولُ الْعَامَّةِ ، أَوْ خُشِيَتْ مَضَرَّتُهُ عَلَى قَائِلِهِ أَوْ سَامِعِهِ لَا سِيَّمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَخْبَارِ الْمُنَافِقِينَ وَالْإِمَارَةِ وَتَعْيِينِ قَوْمٍ وُصِفُوا بِأَوْصَافٍ غَيْرِ مُسْتَحْسَنَةٍ وَذَمِّ آخَرِينَ وَلَعْنِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي ) مَعْنَاهُ : قَرُبْتُ مِنَ الْمَوْتِ وَأَيِسْتُ مِنَ النَّجَاةِ وَالْحَيَاةِ . قَالَ صَاحِبُ " التَّحْرِيرِ " : أَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي الرَّجُلِ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَعْدَاؤُهُ فَيَقْصِدُونَهُ فَيَأْخُذُونَ عَلَيْهِ جَمِيعَ الْجَوَانِبِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْخَلَاصِ مَطْمَعٌ ، فَيُقَالُ : أَحَاطُوا بِهِ ؛ أَيْ : أَطَافُوا بِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ . وَمَقْصُودُهُ : قَرُبَ مَوْتِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .