باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة
حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ، ثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن زهير ، عن أبي إسحاق قال : ليس أبو عبيدة ذكره ، ولكن عبد الرحمن بن الأسود ، عن الأسود ، عن عبد الله بن مسعود : أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أتى الخلاء فقال : ائتني بثلاثة أحجار ، فأتيته بحجرين وروثة ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة ، وقال : هي رجس . هذا حديث خرجه البخاري ، عن أبي نعيم ، ثنا زهير . فذكره .
وقد ردّ بكونه مدلسا ؛ لأنّ السبيعي لم يصرح فيه بسماعه ، ولم يأت فيه بصيغ ذلك المعتبرة . ذكر الحاكم أن علي ابن المديني قال : كان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول : ليس أبو عبيدة حدّثنا ، ولكن الحديث في الاستنجاء بالأحجار . قال ابن الشاذكوني : ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى .
قال أبو عبيدة : لم يحدثني ذلك عبد الرحمن ، عن الأسود ، عن فلان ، ولم يقل حدثني ، فجاز الحديث وسار . ولما ذكره الإِسماعيلي في صحيحه قال : كان يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير عن أبي إسحاق ما ليس بسماع لأبي إسحاق ، ففي هذا إشعار ، بل تصريح باتصال الحديث . ويزيد ذلك وضوحا ما علّقه البخاري بصيغة الجزم في بعض النسخ المعتبرة إثر حديث أبي نعيم فقال : وقال إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق : حدثني عبد الرحمن بهذا ، ويوسف معروف بالسماع من جدّه أبي إسحاق ، وإن كان البيهقي أبَى ذلك في كتاب الخلافيات فغير مسلم له ، ويؤيّده ما ذكره الكرابيسي في كتاب المدلسين : أبو إسحاق يقول في هذا مرة : حدثني عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد اللّه ، ومرّة : حدثني علقمة ، عن عبد اللّه ، ومرة : حدثني أبو عبيدة ، ومرة يقول : ابن أبي عبيدة حدثنيه جدي عبد الرحمن بن الأسود ، عن عبد الله .
وأما ابن أبي حاتم فذكر عن أبي زرعة أنهم اختلفوا في هذا ، والصحيح عندي حديث أبي عبيدة . وأما الترمذي فإنه ذكر أن أصح الروايات في هذا عنده حديث إسرائيل ، وقيس بن الربيع ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد اللّه قال : لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء ، وتابعه على ذلك قيس ، وزهير عن أبي إسحاق ليس بذاك ؛ لأن سماعه منه بأخرة ، سمعت أحمد بن الحسن ، سمعت أحمد بن حنبل يقول : إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير ، فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما إلَّا حديث أبي إسحاق . ورواه زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن الأسود بن عبد اللّه بن يزيد ، وهذا حديث فيه اضطراب .
قال : وسألت الدارمي : أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح ؟ فلم يقضِ فيه بشيء ، وسألت محمدا عن هذا ، فلم يقضِ فيه بشيء ، وكأنه رأى حديث زهير أشبه ، ووضعه في جامعه ، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ، ولا يعرف اسمه . وفيما قاله نظر من وجوه : الأول : بترجيحه حديث إسرائيل على حديث زهير ، وهو معارض بما حكاه الإِسماعيلي عن القطان ، وما حكاه الآجري ، وسألت أبا داود عن زهير ، وإسرائيل عن أبي إسحاق ، فقال : زهير فوق إسرائيل بكثير . وهذا يصلح أن يكون بابا في الردّ على الترمذي ؛ لتقديمه إسرائيل على زهير في أبي إسحاق ، وكان جماعة تابعوا زهيرا فيما حكاه الدارقطني ، وهم : أبو حماد الحنفي ، وأبو مريم ، وشريك ، وزكريا بن أبي زائدة في رواية ، وبما تقدم من متابعة يوسف له أيضا من عند البخاري المصرّح فيها بسماع أبي إسحاق من عبد الرحمن ، وبأن زهيرا لم يختلف عليه ، وبأن إسرائيل تابع زهيرا كما أسلفناه .
الثاني : اعتماده على متابعة قيس بن الربيع ، وهي كلا شيء ؛ لشدة ما يرمى به من الضعف ونكارة الحديث ، وإضرابه عن متابعة الثوري ويونس ، وهما هما . الثالث : وفي المعجم الأوسط للطبراني من حديث زياد بن سعد ، عن أبي الزبير : حدثني يونس بن خباب الكوفي ، سمعت أبا عبيدة بن عبد اللّه يذكر أنه سمع أباه يقول : إنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر إلى مكة ، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج إلى الغائط أبعد الحديث . وسيأتي ذكره عن قريب .
الرابع : قوله في أبي عبيدة : ولا يعرف اسمه ، وفي العلل الكبير عزا ذلك للبخاري ، وليس كذلك ؛ لأن مسلم بن الحجاج سماه في كتاب الكنى عامرا . الخامس : إضرابه عن الحديث المتصل إلى منقطع على زعمه ، وهو ما رواه الدارقطني ، عن عثمان بن أحمد الدقاق ، ثنا محمد بن عيسى بن حيان ، ثنا الحسن ابن قتيبة ، نا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص ، عن ابن مسعود . فذكره .
السادس : اقتصاره على ما ذكر من التعليل والاضطراب ، وأضرب عن أشياء ، وإن كان ذلك غير لازم له ، وإنما ذكرناه تبرعا وإعلاما ، أن ثم غير ما ذكر من غير إشباع تتبع ، بل ليستدل على غرضنا في ذلك ، فمن ذلك ما رواه عمار بن رزيق ، وورقاء ، ومعمر ، وسليمان بن قرم ، وإبراهيم الصائغ ، وعبد الرحمن بن دينار ، وأبو شيبة محمد بن جابر ، وشعبة بن الحجاج ، وصباح بن يحيى المزني ، وروح بن مسافر ، عن أبي إسحاق ، عن علقمة ، عن عبد الله . قال أبو الحسن الدارقطني : وكذلك قال إسحاق الأزرق ، عن شريك ، وروي عن علي بن صالح بن حي ، ومالك بن مغول ، ويوسف بن أبي إسحاق وحديج بن معاوية ، وشريك ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عبد اللّه . ورواه أبو سنان عن أبي إسحاق ، عن هبيرة بن يريم ، عن عبد اللّه بزيادة : فتوضأ ولم يمسّ ماء .
قال الطبراني في الأوسط : لم يروه عن أبي إسحاق عن هبيرة إلَّا أبو سنان ، تفرد به الصباح بن محارب ، ولفظ أبي نعيم في تاريخ أصبهان : لا تستنجوا بالعظام والروث . ورواه من حديث أبي كريب ، نا حفص ، ثنا داود ، عن الشعبي ، عن علقمة عنه . السابع : قوله : رواه زكريا إلى آخره جازما بذلك ، وليس هو كذلك ، بل روي عنه على وجوه : فَمِنْها بِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، وَالْأَزْرَقِ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانَ ، وهي المذكورة عند الترمذي ، ومنها رواية سهل عن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن ، ولم ينسبه .
وقال منجاب عن يحيى عنه ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، وقيل : عن منجاب عن يحيى عن أبيه عن أبي إسحاق عن الأسود ، لم يذكر بين أبي إسحاق والأسود أحدا . الثامن : رواية إسرائيل المرجحة عنده مضطربة أيضا بما ذكره عباد القطواني وخالد العبد عنه ، عن أبي إسحاق ، عن علقمة ، عن عبد اللّه . ورواه الحميدي ، عن ابن عيينة عنه ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، وإنما منعنا من استقصاء الخلاف على أبي إسحاق في هذا - قول الدارقطني : اختلف عنه فيه اختلافا شديدا ، والله تعالى أعلم .
والذي يظهر من ذلك أنّ أبا إسحاق سمعه من جماعة ، ولكنه كان غالبا إنّما يحدثهم به ، عن أبي عبيدة ، فلما نشط قال : ليس أبو عبيدة الذي هو في ذهنكم أني حدّثتكم عنه حدّثني وحده ، ولكن عبد الرحمن . ويؤيد ذلك مجيئه عنه أيضا عن غير المذكورين ، أو يكون من باب السلب والإيجاب ، نفى حديث أبي عبيدة ، وأثبت حديث عبد الرحمن ، وهذا أشد على الترمذي ؛ لكونه نفي حديث أثبته هو ، ولعلّ البخاري لم ير ذلك متعارضا ، وجعلهما إسنادين ، وأسانيدهما قدّمناها . وروى الدارقطني في سننه هذا الحديث من جهة أبي إسحاق ، عن علقمة ، وفي آخره ائتني بحجر ، وفي لفظ ائتني بغيرها ، وهو منقطع فيما بين أبي إسحاق وعلقمة ، ورواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق سالم ، من أبي إسحاق وأبي عبيدة وزهير بزيادة تستفاد ، فقال : ثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج ، ثنا زياد بن الحسن بن فرات ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتبرز ، فقال : ائتني بثلاثة أحجار ، فوجدت له حجرين وروثة حمار ، فأمسك الحجرين وطرح الروثة ، وقال : هي رجس .
قال الإمام أبو بكر : فيه بيان على أن أرواث الحمر نجسة ، وإذا كانت أرواث الحمَر نجسة بحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حكم جميع أرواث ما لا يؤكل لحومها من ذوات الأربع مثل أرواث الحمر . وفي حديث علي بن رباح عنه : نُهي أن نستنجي بعظم حائل ، أو روثة ، أو حممة ، قال الدارقطني : علي لا يثبت سماعه من ابن مسعود ، وفي المسند عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ائتني بشيء أتمسح به ، ولا تقربني حائلًا ولا رجيعًا ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم .