الاستنجاء بالماء
حدّثنا أبو كريب ، ثنا معاوية بن هشام ، عن يونس بن الحارث ، عن إبراهيم بن أبي ميمونة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نزلت في أهل قباء فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ، قال : كانوا يستنجون بالماء ، فنزلت فيهم هذه الآية . هذا حديث قال فيه الترمذي عند تخريجه : غريب من هذا الوجه . ولما ذكره أبو داود سكت عنه ، وكذلك عبد الحق .
وتعقب عليه أبو الحسن بن القطان بأن قال : احتمل أن يكون من قسم ما يتسمح فيه ، وهو حديث إنّما يرويه إبراهيم بن أبي ميمونة ، وهو مجهول الحال لا يعرف روى عنه غير يونس بن الحارث الطائفي ، وهو ضعيف . قال فيه ابن معين : لا شيء . وسئل أحمد عنه فقال : مضطرب الحديث ، وحكى أبو أحمد عن ابن معين أنه قال فيه : ضعيف ، وعنه قول آخر : إنّه ليس به بأس ، يكتب حديثه .
وقال النسائي : ليس بالقوي ، وعندي أنه لم تثبت عدالته وليس له من الحديث إلا اليسير . قاله ابن عدي . والجهل بحال إبراهيم كاف في تعليل الخبر ، والله تعالى أعلم .
انتهى قوله . وفيه نظر لكونه قد عصب الجناية برأس إبراهيم ، وليس كذلك فإنّه ممن ذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات ، فذهب ما توهمه من جهالة حاله ، والله أعلم . فيشبه أن يكون سكوت أبي محمد تابعًا لسكوت أبي داود ، والترمذي ، فلم يقض عليه بشيء ، إذ الغرابة تكون في الحديث الصحيح .
وقول ابن معين فيه : لا بأس به يكتب حديثه توثيق . وكذا قاله ابن عدي . وقال أبو داود : مشهور ، وروى عنه غير واحد ، ومع ذلك فهو معروف في غير ما حديث .
وأما قول الترمذي : وفي الباب عن أبي أيوب وأنس وابن سلام ففيه نظر ؛ لإِهماله حديث جابر بن عبد الله ، وحديث عويم وابن عباس المذكورين قبل ، وحديث عمر بن الخطاب . قال مهنأ : ذكرت لأحمد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : رأيت عمر بن الخطاب بال فمسح ذكره بالتراب ، ثم توضأ ، ثم التفت إلي ، فقال : هكذا علمنا . قال أحمد : ليس بصحيح .
قال شعبة : قال الحكم : إنما كان لعبد الرحمن بن أبي ليلى حين قتل عمر ست أو سبع سنين . شعبة عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى قال : كان لعمر مكان يبول فيه . لم يذكر رأيت عمر ، وحديث محمد بن عبد الله بن سلام ذكره الفريابي عن مالك بن مغول : سمعت سيارا أبا الحكم يذكر عن شهر ، عن محمد بن عبد الله بن سلام ، قال : لما قدم علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله أثنى عليكم في الطهور ، قال : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ، ألا تخبروني ؟ قالوا : يا رسول الله إنا نجده مكتوبًا في التوراة أن نستنجي بالماء .
ذكره البرقي في تاريخه ، والله تعالى أعلم . وفي كتاب ابن حبان والترمذي من حديث أبي عوانة ، عن قتادة ، عن معاذة ، عن عائشة ، أنها قالت : مُرن أزواجكن أن يغسلوا إثر الغائط والبول بالماء ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . وقال فيه : حسن صحيح .
وفي لفظ لأحمد : وهو شفاء من الناسور . كذا هو في المسند . ولما سئل عنه فيما ذكره حرب الكرماني ، قال : لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث ، قيل : فحديث عائشة ؟ قال : لا يصح ؛ لأنّ غير قتادة لم يرفعه .
وفي كلامه نظر ؛ لأن الحربي ذكر في كتاب العلل من تأليفه : هذا الحديث اختلف فيه أصحاب معاذة ؛ فرفعه قتادة ، وليس منتشرا عنه ، وأوقفه يزيد الرشك ، واتفق على ذلك أصحابه إلَّا ابن شوذب فإنه رفعه ، والوهم في ذلك منه أو من ضمرة ، والصواب ما أجمع عليه شعبة ، وابن علية ، وحماد بن زيد ، وعبد الوارث ، وجعفر بن سليمان . ورواه أبو قلابة أيضا فأوقفه ، ولم أسمعه عنه إلا من حديث أيوب ، ولم يختلف أصحاب أيوب إلا ابن طهمان ، فإنه رفعه . ورواه عاصم الأحول فأوقفه ، إلَّا أن أبا زيد قد رفعه عنه ، وعاصم أحفظ من أبي زيد ، إن شاء الله .
ورواه إسحاق بن سويد وعائشة ابنة عرار ، فأوقفاه ، والحديث عندي - والله أعلم - موقوف ؛ لكثرة من أجمع على ذلك ممن تقدّم ذكره ، فهذا كما ترى غير قتادة رفعه . ووهم ابن شوذب عن يزيد وابن طهمان ، وأبو زيد عن أيوب . وفي كلام أبي إسحاق الحربي نظر ، وذلك في قوله : وفي حديث عائشة ابنة عرار وإسحاق بن سويد موقوف .
ولما ذكره الطبراني في الأوسط ، فإنه لما ذكر حديث عائشة مرفوعا ، قال : لم يروه عنها إلَّا هشام بن حسان ، تفرد به عمر بن المغيرة . وقال في حديث إسحاق حين رواه كذلك : لم يروه عنه إلَّا إبراهيم بن مرثد العدوي ، تفرد به حوثرة بن أشرس ، ولئن سلمنا لهم أن غير قتادة لم يروه ، وأنه منفرد بذلك ، فلا يضر ذلك الحديث ؛ لأنه مع علمه وحفظه إذا رفع حديثا خالفه فيه غيره ، قبل قوله ، وهو الصحيح ؛ لكونها زيادة من حافظ ، والله تعالى أعلم . وفي حديث معاذة المذكور علة أغفلاها ، أعني الإِمامين أحمد والحربي ، وهي انقطاع ما بين قتادة ومعاذة ، ذكر ذلك يحيى بن معين فيما حكاه عنه ابن أبي حاتم ، وفي كتاب البلخي : قال شعبة : كنت إذا قدمت المدينة يسألني الأعمش عن حديث قتادة ، فقلت له يوما : ثنا قتادة ، عن معاذة ، فقال : عن امرأة ؟! اغرب ، اغرب .
وفي قول الإِمام أحمد : لم يصح في الاستنجاء حديث نظر ؛ لما في الصحيح من حديث أنس : كنت أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء ، فيستنجي بالماء . ولفظ أبي عوانة في صحيحه يرد ما قاله ، وهو : فخرج علينا وقد استنجى بالماء . وفي لفظ له : إذا تبرز لحاجته أتيته بالماء فتغسل به .
ولو سلم من كلام قاله الأصيلي ، وهو القائل : فيستنجى بالماء ، هو أبو الوليد هشام بن الوليد . وفي الصحيح : وانتقاص الماء ، وفسر بالاستنجاء ، وقد تقدم . وحديث عائشة المذكور عند ابن ماجه وابن حبان ، وحديث ابن مسعود قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ، فأتيته بماء ، فقال : مَنْ أمرك بهذا؟ قلت : ما أمرني أحد ، قال : قد أحسنت ، أبشر بالجنة .
ذكره أبو القاسم في معجمه الأوسط ، وقال : لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن مرة عن إبراهيم بن يزيد يعني عن عبيدة عنه إلا أبو مريم عبد الغفار بن القاسم ، ورواه الأعمش وأبو الجحاف عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن عبيدة عن عبد الله . وحديث جرير الآتي بعد : فأتيته بماء فاستنجى به وهو مصحح وغير ذلك ، وحديث معاذة مذكور في مسنده ، وهو قد أخبر عن نفسه أنَه لا يقع فيه إلا ما صح عنده ، أنا بذلك الشيخ الإِمام كمال الدين عبد الرحيم بن عبد المحسن بن أبي عامر ، قراءة عليه ، أنا الإمام نجيب الدين الحراني ، عن الحافظ أبي محمد عبد الغني المقدسي ، قالَ : قرأت على الإمام الحافظ محيي السنة أبي موسى المديني في كتاب خصائص المسند من تأليفه . فذكره .
فلا عدول له عنه على هذا ، والله أعلم . وطريق الجمع بين هذه الأخبار وحديث عمر : ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ ، ولو فعلت لكانت سنة الحمل على النّدب لا الوجوب ، استدامة للطهارة ؛ لما تقدّم في استحباب الجمع ، وقد روي في فضل ذلك حديث رواه بريدة مرفوعا . قولها : يغسل مقعدته يعني دبره ، ومن أسمائها : العجز والعجيزة ، والسه ، والمؤخر ، والإلية ، والكفل ، والبوص ، والمعرص ، والسته ، والوجعاء ، والصحارى ، والجهوة ، والذعرة ، وَالوباعة ، وأم سويد ، وأم خنور ، وأم النعمة ، وأم عزم ، وأم عزمة ، وأم عزيمة ، وأم عزمل ، وأم سكين ، وأم تسعين ، وأم كيسان .
لخصت ذلك من كتاب العرب المصنف ، وجامع القزاز ، والتلخيص لأبي هلال العسكري ، والآباء والأمهات لعيسى بن إبراهيم القيسي ، وكتاب البنت والبنات لأبي السري عبد الرحيم بن محمد بن أحمد ، وأعرضت عما ذكره التيفاشي في كتاب فصل الخطاب لكون معظمه لم تتكلم به العرب . وأما قباء فهو فيما ذكره البكري في كتاب معجم ما استعجم ، ممدود على وزن فعال ، من العرب من يذكره ويصرفه ، ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه ، وهما موضعان : موضع في طريق مكة من البصرة ، وبالمدينة ، وقال ابن الأنباري في كتاب التذكير والتأنيث ، وقاسم في الدلائل : وقد جاءت قباء مقصورًا ، وأنشدا : فلأبغينكم قبا وعوارضًا ولأقبلن الخيل لابه ضَرغد وهذا وهم منهما ؛ لأنّ الذي في البيت إنّما هو قناء بفتح القاف بعدها نون ، وهو جبل في ديار بني ذبيان ، وهو الذي يصلح أن يقرن ذكره بعوارض ، وكذلك أنشده جميع الرواة الموثوق بروايتهم ونقلهم في هذا البيت . وقال الهمداني : القباء اسم للأرض بلغة حمير .
انتهى كلامه ، وفيه نظر في موضوعين : الأول : في قوله : وهما موضعان يفهم من كلامه أنه ليس غيرهما ، وليس كذلك ، فإنّ ياقوت زاد ثالثا ، قال : وهي قرية في أول أرض اليمن من عمل الكوز ، ورابعا بلدة كبيرة من نواحي فرغانة قرب الشاش ، ينسب إليها أبو المكارم رزق الله بن محمد بن أبي الحسن القبائي ، سكن بخارى ، وكان أديبا فاضلًا ، سمع منه أبو سعد وغيره . والثاني : قوله : موضع في طريق مكة .. . إلى آخره ؛ لأن الحنفي زعم أنه منهل ، وكذا ذكره أبو حاتم السجستاني - رحمهما الله - وإن كانت اللغة لا تمنع من تسمية المنهل موضعا ، فإن العرف يقضي عليها ، والله أعلم .