من دلك يده بالأرض بعد الاستنجاء
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد قالا : ثنا وكيع ، عن شريك ، عن إبراهيم بن جرير ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى حاجته ، ثم استنجى من تور ، ثم دلك يده بالأرض . هذا حديث خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه ، فقال : ثنا إسحاق بن إبراهيم وإسماعيل بن مبشر قالا : ثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس ، ثنا أبي ، ثنا شريك ، ثنا إبراهيم ، به . وقال في الأوسط : لم يروه عن أبي زرعة إلا إبراهيم .
تفرد به شريك ، وسكت عنه الإشبيلي ، واعترض عليه ابن القطان ، فقال : لا يصح لعلتين : إحداهما : شريك ، فإنه سيئ الحفظ ، مشهور بالتدليس ، وهو في سوء الحفظ مثل ابن أبي ليلى وقيس بن الربيع ، وكلهم اعتراهم سوء الحفظ لما ولوا من القضاء . والثانية : إبراهيم ، فإنه لا تعرف حاله ، وهو كوفي يروي عن أبيه مرسلًا ، ومنهم من يقول : حدّثني أبي . انتهى كلامه .
وعليه فيه مآخذ ، منها : تدليس شريك المخوف زال بحديث آدم عنه المصرح فيه بحدّثنا إبراهيم من عند ابن حبان ، ومنها : تسويته بين شريك وقيس ومحمد في سوء الحفظ ، وليس كذلك ؛ لأنه ممن خرج مسلم حديثه في صحيحه . وقال فيه ابن معين : ثقة ثقة . وهو أحب إلي من أبي الأحوص ، وجرير ، ليس يقاس هؤلاء به .
وفي رواية : ثقة إلا أنه لا يتقن ، ويغلط ، ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة ، قال فيه الإمام أحمد نحو ذلك ، زاد : وهو في أبي إسحاق أثبت من زهير وإسرائيل ، وخالف ذلك أبو داود ، وسيأتي كلامه . وقال وكيع : لم نر أحدًا من الكوفيين مثل شريك ، وحدث عنه ابن مهدي ، وقال العجلي : ثقة حسن الحديث . وقال ابن عدي : والغالب على حديثه الصحة والاستواء .
وقال أبو داود : ثقة يخطئ على الأعمش ، زهير وإسرائيل فوقه . وقال الآجري : وسمعت أبا داود يقول : إسرائيل أصح حديثًا من شريك ، وسمعت أبا داود يقول : أبو بكر بن عياش بعد شريك ، قال الآجري : سمعت أحمد بن عمار بن خالد ، سمعت سعدويه يقول لإبراهيم بن محمد بن عرعرة : ارو هذا ، أنا سمعت عبد الله بن المبارك ، يقول : شريك أعلم بحديث الكوفة من سفيان . وقال ابن سعد : كان ثقة مأمونًا ، كتب الحديث ، وكان يغلط ، توفي في ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائة .
ولما ذكره الحربي في كتاب العلل قال : كان ثقة . وقال الفسوي في تاريخه : ثقة صدوق ، صحيح الكتاب ، رديء الحفظ ، مضطربه . وقال النسائي في التمييز : ليس به بأس ، فكيف يشبه من يكون هذه حاله بابن أبي ليلى ؟! القائل فيه شعبة بن الحجاج : ما رأيت أسوأ حفظًا منه .
قال أحمد : سيئ الحفظ ، مضطرب في الحديث . وكذلك قاله يحيى بن سعيد ، زاد : جدا . وقال أبو حاتم : شغل بالقضاء فساء حفظه .
وقال ابن حبان : كان فاحش الخطأ ، رديء الحفظ ، فكثرت المناكير في حديثه ، فاستحق الترك ، تركه أحمد ويحيى ، وكذلك زائدة . وقال الدارقطني : هو رديء الحفظ ، كثير الوهم . وقال ابن طاهر في كتاب التذكرة : أجمعوا على ضعفه ، وليس كما ذكر ؛ لأنّ العجلي ذكره في تاريخه ، فقال : كان صدوقا جائز الحديث ، صاحب سنة ، فلا إجماع إذًا ، والله تعالى أعلم .
وأما قيس بن الربيع فقال فيه أحمد لما سئل عنه : لم يترك الناس حديثه ، وقال : كان يتشيع ويخطئ في الحديث ، ويروي أحاديث منكرة . وقال الجوزجاني : ساقط . وقال أبو داود : إنما أتي من قبل ابن له ، كان يدخل أحاديث الناس في فُرَج كتابه ، ولا يعرف الشيخ ذاك .
وقال الأزدي : كان يعلّق النساء بثديهن ، ويرسل عليهن الزنابير ، وتكلم فيه غير هؤلاء . ومنها قوله : إبراهيم لا يعرف حاله ، وليس كما قال ، فإنه ممن روى عنه أبان بن عبد الله البجلي ، وحميد بن مالك اللخمي ، وداود بن عبد الجبار ، وزياد بن أبي سفيان ، وقيس بن مسلم الجدلي ، وشريك ، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات . وقال ابن عدي : لم نضعفه في نفسه ، وإنما قيل : لم يسمع من أبيه شيئا ، وأحاديثه مستقيمة تكتب .
ومنها قوله : ومنهم من يقول حدثني أبي ، وذلك لا يستقيم ، وأنى له السّماع من أبيه مع قول ابن سعد فيه : مولده بعد موت أبيه . وكذلك قاله الحربي في كتاب العلل ، وبنحوه ذكره الآجري . ومنها : إغفاله علّة هي في الحقيقة إن صحت علة الخبر لا ما ذكر ، وهي ما ذكره أبو عبد الله أحمد بن حنبل حين سأله حنبل عنه ؟ فقال : هذا حديث منكر .
وأشد من هذا ما ذكر أبو داود من رواية ابن العبد عنه : ثنا محمد بن عبد الله المخرمي ، ثنا وكيع ، عن شريك ، عن إبراهيم بن جرير ، عن المغيرة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة . فهذا كما ترى إبراهيم صرح بأنه لم يسمعه من أبي زرعة ، إنما سمعه من المغيرة عنه ، ولو كان أتى بلفظ يشعر بسماعه منه لكنا نقول : سمعه منه وعنه ، فلما يأت بذلك ، إنما قاله معنعنا ؛ دلنا ذلك على انقطاع حديثه ؛ لرؤيتنا واسطة بينهما ، ولا أدري من هو في جماعة مسمين بهذا الاسم ، وفي هذه الطبقة ؟ ولفظ أبي داود : كان - عليه السلام - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة ، فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ، ثم أتيته بإناء آخر يتوضأ ، ولما ذكره الحافظان أبو محمد المنذري ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد في كتابيهما ، قالا : خرجه أبو داود وابن ماجه ، تبعا في ذلك الحافظ أبا القاسم ابن عساكر ، وهو وهم منه ؛ لأنّه ثابت في كتاب السنن للنسائي المجتبى والكبير ، ولفظه : فتوضأ ، فلما استنجى دلك يده بالأرض رواه عن محمد بن عبد الله بن المبارك ، ثنا وكيع ، عن شريك ، وأشار الطبراني في الأوسط إلى أن إبراهيم تفرّد به وعنه شريك . وأما قول من قال من العلماء المتأخرين : إن ابن خزيمة خرجه في صحيحه ، فيشبه أن يكون وَهِمَ ؛ لأنّي نظرت كتاب ابن خزيمة فلم أجد ذلك فيه ، إنّما فيه حديثه ، أعني إبراهيم ، عن أبيه ، الآتي بعد ، فلعله اشتبه عليه ، والله أعلم .
ورواه أبان بن عبد الله ، عن مولى لأبي هريرة ، عن أبي هريرة ، قال - عليه السلام - : ائتني بوضوء ، ثم دخل غيضة ، فأتيته بماء ؛ فاستنجى ثم مسح يده بالتراب ، ثم غسل يده . ذكره الدارمي في مسنده ، عن محمد ابن يوسف عنه ، وأبو زرعة اختلف في اسمه ، فذكر الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب الأسماء والكنى من تأليفه أنَّ اسمه عمرو بن عمرو بن جرير بن عبد الله . أنا محمد بن عيسى ، سمعت عباسًا ، سمعت يحيى يقول : اسم أبي زرعة بن عمرو بن جرير : عمرو بن عمرو بن جرير .
وفرَق بينه وبين أبي زرعة هَرِم . وقال عن علي : هرم أبو زرعة ليس هو ابن عمرو بن جرير ، إنما هو آخر . ثم في الطبقات لابن سعد : كان لجرير ابن يقال له عمرو ، وبه كان يكنى ، هلك في إمارة عثمان ، فوُلد له ابن ، فسماه جرير بن عبد الله باسم أبيه ، وغلب عليه أبو زرعة ، وأبى ذلك أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات ، وأبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستغناء ، فلم يذكرا غيره .
زاد أبو حاتم : وقد قيل : اسمه كنيته . وأما أبو حاتم الرازي وأبو زرعة فسمّياه عبد الرحمن . وأما مسلم فاختلف قوله ، فسماه في الطبقات عبد الله ، وفي الكُنى هرما .