المبالغة في الاستنشاق والاستنثار
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا زيد بن الحباب وداود بن عبد الله ، ثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : من توضأ فليستنثر ، ومن استجمر فليَوتر . هذا حديث اتفقا على تخريجه ، وفي الباب من الفقه أن الاستنشاق في الوضوء غير واجب ، إذ لو كان فرضًا لكان على الصائم كهو على المفطر ، وهذه مسألة اختلف فيها : فكان عطاء ، والزهري ، وابن أبي ليلى ، وحماد ، وإسحاق ، يقولون : يعيد إذا تركها في الوضوء . وقال الحسن ، وعطاء آخر قوليه ، والزهري ، والحكم ، وقتادة ، وربيعة ، ويحيى الأنصاري ، ومالك ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، والشّافعي : لا يعيد .
وقال أحمد : يعيد في الاستنشاق خاصة ، ولا يعيد من ترك المضمضة ، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور . وقال أبو حنيفة والثوري : يعيد إن تركها في الجنابة ، ولا يعيد في الوضوء . قال ابن المنذر : بقول أحمد أقول ، وفي المحلى لأبي محمد ، وذكر قول أحمد : وهذا هو الحق ؛ لأن المضمضة ليست فرضًا ، وإن تركها فوضوءه تام ، وصلاته تامة ، عمدًا تركها أو نسيانًا ؛ لأنه لم يصح بها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ، وإنما هي فعل فعله - عليه السلام - ، وأفعاله ليست فرضًا ، وإنما فيها الايتساء به - عليه السلام - .
انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لأن الأمر بالمضمضة صحيح ، لا كما زعمه ، لما أسلفناه في حديث لقيط المذكور عند أبي داود ، عن ابن فارس ، ثنا أبو عاصم ، ثنا ابن جريج بهذا الحديث ، قال فيه : إذا توضأت فمضمض ، فهذا أمر ظاهر ، صحيح الإِسناد على ما شرح آنفًا : في المعجم الأوسط من حديث يزيد بن عبد الملك النوفلي ، عن أبي موسى الحناط ، عن ابن المنكدر ، عن أنس ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : إذا توضأ أحدكم فليمضمض ثلاثا . . الحديث .
قال : لم يروه عن ابن المنكدر عن أنس إلا أبو موسى . تفرد به النوفلي ، وذكر أيضا من حديث إسماعيل بن مسلم ، عن عطاء ، عن أبي هريرة قال ، صلى الله عليه وسلم : إذا توضأ أحدكم فليمضمض ، ثم قال : لم يروه عن عطاء إلا إسماعيل ، تفرد به علي بن هاشم بن البريد ، أنا المسند المعمر أبو الفضل عبد المحسن بن أحمد - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا جدّي الحافظ أبو حامد ، أنا القاضي أبو القاسم الأنصاري ، أنا أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد بن أبي الفتح ، أنا أبو نصر الحسين بن محمد بن أحمد ، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد الغساني ، ثنا محمد بن جعفر غندر الحافظ ، ثنا الحسن بن شبيب المعمري ، ثنا هدبة من كتابه ، ثنا حماد ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمضمضة والاستنشاق . ولما ذكره البيهقي من طريق هدبة صحّح إسناده ، ثم قال : وقال مرّة أخرى مرسلا ، لم يقل : عن أبي هريرة ، وتابعه داود بن محبر ، عن حماد في وصله ، قال البيهقي : وغيرهما يرويه مرسلًا ، وخالفهما إبراهيم بن سليمان الخلال شيخ ليعقوب بن سفيان ، فقال : عن حماد عن عمار عن ابن عباس ، وكلاهما غير محفوظ ، والله أعلم .
وقد وردت أحاديث شاهدة لهما في إسنادها مقال ، فمنها : ما ذكره أبو القاسم من حديث أبي سعيد مرفوعا : من توضأ فليستنثر ، ومن استجمر فليوتر . ذكره أبو حاتم في صحيحه . وحديث وائل بن حجر من عند البزار مرفوعا : فمضمض واستنشق ثلاثا ، وسيأتي له زيادة بيان في باب الغسل .
وفي سنن البيهقي من حديث عصام بن يوسف ، عن ابن المبارك ، عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ترفعه : المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه . ورواه إسماعيل بن بشر ، عن عصام نحوه ، إلَّا أنه قال : من الوضوء الذي لا تتم الصلاة إلَّا به ، قال الدارقطني : تفرد به عصام ، ووهم فيه ، والصواب : ابن جريج ، عن سليمان مرسلا ، ورواه محمد بن الأزهر ، وهو ضعيف ، عن الشيباني ، عن ابن جريج بإسناد عصام ، ومتن الجماعة : من توضأ فليمضمض وهو خطأ ، والصواب مرسل ، زاد في السنن من تأليفه : وأحسب عصامًا حدث به من حفظه ، فاختلط عليه ، واشتبه بإسناد حديث ابن جريج ، عن سليمان ، عن الزهري : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ، وفي الأفراد : هذا غريب من حديث الزهري ، عن عروة عنها ، تفرد به سليمان بن موسى الدمشقي عنه ، ولم يروه عنه غير ابن جريج ، وهو غريب من حديث ابن المبارك ، عن ابن جريج ، تفرد به عنه عصام ، وذكره من حديث الربيع بن بدر ، وهو متروك ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس مرفوعا : تمضمضوا ، وذكره من عدة طرق عن ابن عباس ، وضعفها كلها ، والله أعلم . فتبين بمجموع ما تقدم من الأحاديث الصحيحة وغيرها صحة ما استدللنا عليه ، والله الموفق .