باب ما جاء في تخليل اللحية
حدّثنا محمد بن أبي عمر العدني ، ثنا سفيان ، عن عبد الكريم أبي أمية ، عن حسان بن بلال ، عن عمار بن ياسر ، ( ح ) وثنا ابن أبي عمر قال : وثنا سفيان ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن حسان بن بلال ، عن عمار بن ياسر قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخلل لحيته . هذا حديث حرف ابن ماجه ألفاظه ، وذلك أن العدني لم يروه له كما ذكر ، وإنما قال في مسنده : ثنا سفيان ، عن عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن حسان بن بلال ، قال : رأيت عمار بن ياسر توضأ ، فخلل لحيته ، فقيل له : أتخلل لحيتك ؟ قال : ما يمنعني ، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخلل لحيته . ثنا سفيان ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن حسان بن بلال ، عن عمار ، عن النبي - عليه السلام - مثله .
هذا نص ما في مسنده ، وكذلك رواه عنه الترمذي لا يغادر حرفًا ، فقد تبين لك تحريف نقله له ، وانتقاله من التصريح بالسماع والرواية إلى العنعنة المشعرة بعدم الاتصال ، لا سيما من كوفي ، وقد كنت قديمًا رأيت من تكلم في هذا الحديث بنحو من هذه العلة فقط ، وهو أبو محمد بن حزم ، قال : حسان بن بلال مجهول ، وأيضا فلا يعرف له لقاء عمار ، وفيما قاله نظر ؛ وإن كان ابن حبّان قد سبقه بقوله : روى عن عمار ، إن كان قد سمع منه حين ذكره في الثقات ، لما تقدم من تصريحه بالرواية والسماع عند ابن ماجه والمكي وابن منده في كتاب الوضوء من تصنيفه ، ولأنه قد روى عنه جماعة ، منهم : أبو قلابة وأبو بشر وقتادة ويحيى بن أبي كثير ، وقال ابن المديني فيه : ثقة ، فمن كانت هذه حاله فليس مجهولا بحال ، والذي يظهر من العذر لابن ماجه أنه عدل عن حديث عبد الكريم بن أبي المخارق قيس ، ويقال : طارق أبي أمية البصري ، فقد قال فيه أيوب : كان غير ثقة ، سألني عن حديثه لعكرمة ، فحدثته ثم قال : حدثني عكرمة ، وذكر ابن أبي معين أنّه اتهم بالكذب ، وقال مرة : هو ضعيف ، وإن كان مسلم قد خرج له في صحيحه . كذا ذكره ابن سرور ، وأظنّه وهم ؛ لأني لم أر ذلك لغيره ، إنما خرّج له البخاري مستشهدًا في باب التهجد بقوله : قال سفيان : وزاد عبد الكريم أبو أمية ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، ومسلم إنما جرحه في مقدمة كتابه . ولهذا قال أبو محمد بن يربوع : أمّا مسلم فقد بين جرحه في صدر كتابه ، وأمّا البخاري فلم ينبه من أمره على شيء ؛ فدل أنه عنده على الاحتمال ؛ لأنه قد قال في التاريخ : كل من لم أبين فيه جرحة فهو على الاحتمال ، وإذا قلت : فيه نظر ، فلا يحتمل .
وقال معمر : سألني حماد عن فقهائنا ، فذكرتهم ، فقال : قد تركت أفقههم ، يعني أبا أمية ، قال أحمد : كان يوافقه على الإِرجاء ، وكان ابن عيينة يستضعفه . وقال أحمد : هو ضعيف ، وفي رواية : ليس بشيء قد ضربت على حديثه ، وهو شبيه بالمتروك . وفي إطلاق ذلك نظر ؛ لما ذكره ابن أبي حاتم عنه ، وذكروا مرة عند يحيى يوم الجمعة في مسجد الجامع ، قال عمرو : وأنا شاهد الترويح في الصلاة ، فقال : يذكرون عن مسلم بن يسار وأبي العالية ، فقال له عفان : من حديث من ؟ فقال فيما بينه وبينه وأنا أسمع : ثنا هشام ، عن عبد الكريم المعلم ، عن عمير بن أبي يزيد ، وأما عبد الرحمن فإني سألته فيما بيني وبينه ، فقال : فأين التقوى ؟ انتهى .
فهذا يحيى قد حدّث عنه . وقال الفلاس : كان ابن مهدي ويحيى لا يحدثان عنه . وقال ابن عدي : والضعف بين على كل ما يرويه .
وقال ابن معين : ليس بشيء . وقال مرّة : هو ضعيف . وقال السعدي : غير ثقة .
وقال ابن حبان : كثير الوهم فاحش الخطأ ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به . وقال النسائي وأبو الحسن الدارقطني : متروك . وقال الحربي في كتاب العلل من تأليفه : كان يتفقه ويرى الإرجاء ، غيره أوثق منه .
وقال الآجري : سمعت أبا داود يقول : لم يحدث مالك عن أحد أضعف من عبد الكريم ، وسمعه يقول : مرجئة البصرة : أبو أمية عبد الكريم ، وعثمان بن غياث ، والقاسم بن الفضل . وقال أبو عمر في التمهيد : بصري ضعيف متروك ، مجتمع على ضعفه ، لقيه مالك بمكة ، فروى عنه ، ولم يكن عرفه قبل . وفي موضع آخر : عبد الكريم ضعيف لا يختلف العلماء بالحديث في ضعفه ، إلا أنّ منّهم من يقبله في غير الأحكام خاصة ، ولا يحتج به على كل حال ، ومن أَجَلِّ من جرحه وطرحه أبو العالية وأيوب مع ورعه ، ثم شعبة ويحيى القطان وأحمد وابن المديني وابن معين ، وكان مؤدب كتاب ، غر مالكًا منه سَمْته ، ولم يكن من أهل بلده ، ولم يخرج عنه في موطئه حكمًا ، إنما ذكر عنه فيه ترغيبًا وفضلًا ، ولقائل أن يقول : إنّ ذلك ليس كما زعم ، بل روى عنه حكمًا وهو قوله : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحْيِ فاصنع ما شئت ، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة ، وتعجيل الفطر ، والاستيناء بالسحور , فهذه الأحاديث لا شك في أنها أحكام ، والله أعلم .
ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ، قال : ثنا أحمد بن محمود ، ثنا عثمان بن سعيد قال : سمعت الحسن يقول : عبد الكريم بن أبي المخارق ليس بشيء . وقال الساجي : فيه ضعف ، ليس بحجة في الأحكام ، وذكره البلخي في الضعفاء ، وكذلك يعقوب بن سفيان ، وضعف به ابن طاهر غير حديث ، وسئل عنه أبو حاتم فقال : ضعيف ، وسئل أبو زرعة فقال : ليّن . وأما ابن راهويه فإن حَرَبا لما سأله عن التخليل قال : سنة ، وذكر له حديثه في معرض الاحتجاج به في تصريح حسان بسماعه له من عمار ، وهو ردّ على من نفاه ، وأخرجه من حديث ابن أبي عروبة لعدالة رواته وثقتهم ، وذلك هو المحوج لأبي عبد الله الحاكم إلى تصحيحه ، ولعمري لقد كان ذلك عذرا لو صحّ ، لكن مهنأ ذكر عن أحمد ، عن ابن المديني أنه قال : إنّ قتادة لم يسمع هذا الحديث إلَّا من عبد الكريم فلا عذر إذا ، والله أعلم .
وفيه تصريح بسماع سفيان من سعيد . وقال البخاري في الكبير : إنّ ابن عيينة قال مرّة : عن سعيد ، عن قتادة ، عن حسان ، ولا يصح سعيد ، ومع ضعف حديث عبد الكريم فيه انقطاع أيضا فيما بينه وبين حسان . قال الترمذي : سمعت إسحاق بن منصور ، سمعت أحمد بن حنبل قال : قال ابن عيينة : لم يسمع عبد الكريم من حسان حديث التخليل ، وكذا ذكره البخاري في التاريخ ، فهاتان علّتان كافيتان في عدم الاحتجاج بالحديث ، ولو كانت واحدة لكانت كافية .
وأمّا ما ذكره مهنأ ، قلت لأحمد : حدّثوني عن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن حسان بن بلال ، عن عمار .. . الحديث - فقال أبو عبد الله : إمّا أن يكون الحميدي اختلط ، وإمّا أن يكون الذي حدّث عنه خلط ، قلت : كيف ؟ فحدثني أحمد قال : ثنا سفيان ، عن عبد الكريم ، عن حسان بن بلال ، عن عمار . انتهى .
وفي عصْبه الجناية برأس الحميدي أو الراوي عنه - نظر ؛ لما أسلفناه من عند ابن أبي عمر ، وهو كاف في الردّ عليه . وأما قول ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة ، عن سعيد ، يعني هذا ، فقال : لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة ، عن ابن أبي عروبة ، قلت : هو صحيح ؟ فقال : لو كان صحيحا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة ، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث ، يعني سماعا ، وهذا أيضا مما يوهنه ، فليس كما زعم ، لأنا أسلفنا من عند الحاكم تصريحه بالسماع لهذا الحديث من سعيد ، فزال ما يخشى من تدليسه . وأمّا كونه ليس في كتبه فليس بشيء أيضا ، إذ العالم قد يشذ عنه عند التصنيف الكثير من روايته .
وأمّا قول الطبراني في المعجم الصغير : لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلَّا سعيد ، تفرد به ابن عيينة ، فليس بموهن له ، إذ في الصحيح الكثير من أفراد الثقات ، فكيف بالحفاظ ! ورواه أبو القاسم في الكبير ، عن إبراهيم بن موسى ، ثنا صالح بن قطن ، ثنا محمد بن عمار بن محمد بن عمّار ، حدثني أبي ، عن جدي ، عن عمار ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ وخلل لحيته .