باب بدء الأذان
حدثني محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ، نا أبي ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استشار الناس لما يجمعهم للصلاة ، فذكروا البوق ، فكرهه من أجل اليهود ، ثم ذكروا الناقوس ، فكرهه من أجل النصارى ، فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له : عبد الله بن زيد ، وعمر بن الخطاب ، فطرق الأنصاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ليلا فأمر رسول الله بلالا فأتى به ] . قال الزهري : وزاد بلال في نداء صلاة الغداة : الصلاة خير من النوم ، فأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال عمر : يا رسول الله ، قد رأيت مثل الذي رأى ، ولكنه سبقني . هذا حديث قال فيه ابن شاهين : حديث غريب إن كان عبد الرحمن حفظه ، وقد خالفه أصحاب الزهري ؛ يونس ، وشعيب ، ومعمر ، ومحمد بن إسحاق ، وابن جريج ، فرووه عن الزهري ، عن سعيد : أن الناس كانوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتمعون إلى الصلاة قبل أن يؤمروا بالتأذين ، فذكر حديث ابن زيد ، وقد خرجا أصله من حديث ابن جريج ، أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ، وليس ينادي بها أحد ، فتكلموا يوما في ذلك ، فقال بعضهم : اضربوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى .
وقال بعضهم : بل بوقا مثل بوق اليهود . فقال عمر : أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا بلال قم فناد بالصلاة . ولما خرجه أبو عيسى قال فيه : حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ، قال ابن منده : هذا إسناد مجمع على صحته ، وفي لفظ لأبي عوانة في صحيحه : فأذن بالصلاة .
ولما خرجه ابن خزيمة في صحيحه أتبعه ، ثنا بندار بخبر غريب ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، ثنا عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : إن بلالا كان يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، حي على الصلاة ، فقال له عمر : قل في إثرها : أشهد أن محمدا رسول الله ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : قل كما أمرك عمر . ورواه أبو الشيخ في كتاب الأذان ، عن محمد بن يحيى ، نا بندار بلفظ : كان يقول أول ما أذن : أشهد أن لا إله إلا الله ، حي على الصلاة . وقد ورد عنه : بلفظ آخر ذكره الطبراني في الأوسط من حديث طلحة بن زيد ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أوحى الله إليه الأذان ، فنزل به فعلمه بلالا ، وقال : لا يروي هذا الحديث عن الزهري إلا يونس ، تفرد به طلحة ، تفرد به محمد بن ماهان الواسطي عنه ، وفي الباب حديث أنس بن مالك قال : كانت الصلاة إذا حضرت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى رجل في الطريق فنادى : الصلاة الصلاة .
فاشتد ذلك على الناس فقالوا : لو اتخذنا ناقوسا ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ذاك للنصارى . فقالوا : لو اتخذنا بوقا ! فقال - صلى الله عليه وسلم - : ذاك لليهود . فقالوا : لو رفعنا نارا ! فقال - عليه السلام - : ذاك للمجوس .
فأمر بلالا أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة . رواه الطبراني ، عن ابن الطهراني ، ثنا عبيد الله بن يوسف الجبيري ، ثنا روح ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن خالد ، عن أبي قلابة عنه ، وأصله في الصحيحين ، وسيأتي ، وحديث أبي عمير ، عن عمومته من الأنصار المذكور قبل من كتاب أبي داود - رحمه الله تعالى - وكذا حديث معاذ بن جبل ، وحديث زفر بن الهذيل ، عن أبي حنيفة ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه : أن رجلا من الأنصار مر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو حزين ، فبينا هو كذلك إذ نعس ، فأتي في النوم ، فقال : على ما حزنت له . فذكر قصة الأذان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخبره : قد أخبرنا بمثل ذلك أبو بكر .
فأمر بلالا أن يؤذن بمثل ذلك ، وقال الطبراني : لم يروه عن علقمة إلا أبو حنيفة ، وحديث عبيد الله بن زيد بن عبد ربه أخي عبد الله قال : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث في الأذان ، فجاءه عبد الله فقال : إني رأيت الأذان قال : فقم فألقه على بلال . فقال يا رسول الله ، إني أريتها ، وأنا كنت أريد أن أؤذن قال : أقم أنت . رواه المديني في معرفة الصحابة من حديث سهل ابن الديلمي ، نا عبد السلام بن مطهر ، نا أبو سلمة الأنصاري ، عن عبيد الله بن محمد بن زيد عنه ، وقد ورد في بدأ الأذان حديث يدل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه في الإسراء ، أنبأ به المسند المعمر الرحلة أبو التقي صالح الأشعري - رحمه الله تعالى - قراءة عليه ، وأنا أسمع أن مسند عصره أبو العباس بن عبد الدائم قراءة عليه ، أنبأ يحيى بن محمد الثقفي قراءة عليه قال : أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ ، بجميع كتاب الترغيب والترهيب ، أنبأ أبو عثمان بن حمدان ، حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن ، ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن ، نا سلمة بن شبيب ، نا يونس بن موسى السامي البصري ، ثنا الحسن بن حماد الكوفي ، عن زياد بن المنذر ، عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب ، قال : لما أراد الله تبارك وتعالى أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبرائيل - عليهما السلام - بدابة يقال لها : البراق فاستصعب عليه ، فقال : يا جبريل ائتني بدابة ألين من هذه ، فأتاه بدابة يقال لها : برقة ، فذهب يركبها ، فاستصعب عليه أيضا ، فقال لها جبريل : اسكني برقة فما ركبك عبد أكرم على الله من محمد - صلى الله عليه وسلم - .
قال : فانتهت به إلى الحجاب الذي يلي الرحمن ، فخرج من وراء الحجاب ملك ، فقال - عليه السلام - لجبريل : من هذا؟ فقال جبرائيل : والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا ، وما رأيت هذا الملك منذ خلقت قبل ساعتي هذه . فقال الملك : الله أكبر . الله أكبر فسمعت من وراء الحجاب صدق عبدي : أنا أكبر ، أنا أكبر .
فقال الملك : أشهد ألا إله إلا الله . فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا لا إله إلا أنا . ثم قال الملك : أشهد أن محمدا رسول الله .
فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أرسلت محمدا . ثم قال الملك : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة . فقيل له من وراء الحجاب : صدق عبدي ، ودعا إلى عبادتي .
ثم قال الملك : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . فقيل من وراء الحجاب : لا إله إلا أنا . ثم أخذ الملك بيدي فأممت أهل السماء فيهم آدم ، ونوح .
قال أبو جعفر محمد بن علي : فيومئذ أكمل الله لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السماء والأرض ، قال أبو القاسم الجوزي : هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ورواه أبو بكر البزار في مسنده ، عن محمد بن عثمان بن مخلد ، ثنا أبي ، وذكره أبو الشيخ في كتاب الأذان ، عن زياد بن المنذر فذكره ، ثم قال البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن علي إلا بهذا الإسناد ، وزياد بن المنذر فيه شيعية ، وقد روى عنه مروان بن معاوية ، وغيره ، وقال أبو علي الجياني : وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا لما يعضده ، ويشاكله من أحاديث الإسراء ، وبنحوه ذكره الحافظ أبو زيد السهيلي ، وزاد ، فبمجموعها يحصل أن معاني الصلاة كلها ، أو أكثرها قد جمعها حديث الإسراء . ورواه ابن شاهين ، عن أحمد بن محمد بن هارون ، ثنا موسى بن يسار بن عبد الرحمن ، نا يونس بن موسى ، عن الحسن بن حماد ، عن زياد ، عن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن أبي رافع ، عن علي بلفظ : قال - عليه السلام - : يا علي إن الله تعالى علمني الصلاة ، وعلمني الأذان . فذكره بطوله ، وأشار إلى ضعفه ، قال : وثنا أحمد بن محمد بن سعيد ، ثنا يعقوب بن يوسف ، ثنا حصين ، عن منذر بن أبي طريف ، عن محمد بن بشير ، عن محمد ابن الحنفية ، عن علي قال : كان أذان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به ، لما كان في السماء حضرت الصلاة فأذن جبرائيل .. .
الحديث ، وثنا أحمد بن يونس [ ، ثنا إبراهيم الحربي ، ثنا عبيد الله بن عمر ، ثنا يونس ] بن أرقم ، ثنا سعيد بن دينار ، عن زياد بن المنذر ، حدثني العلاء ، قال : قلت لابن الحنفية : كنا نتحدث أن الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار ففزع ، وقال : وقد عمدتم إلى أحسن دينكم ، فزعمتم أنه كان رؤيا ، هذا والله الباطل ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به انتهى إلى مكان من السماء ، وقف ، وبعث الله عز وجل ملكا ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم ، فعلمه الأذان ، وذكر باقي الحديث ، ففي هذا رد لما ذكره البزار ، وأبو القاسم ، وحديث عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما أسري بي إلى السماء الدنيا أذن جبرائيل - عليه السلام - ، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم فقدمني فصليت بهم . ذكره أبو حفص في كتاب الناسخ والمنسوخ عن جعفر بن محمد بن نصير ، ثنا علي بن أحمد السواق ، ثنا محمد بن حماد بن زيد الحارثي ، ثنا عائذ بن حبيب الهروي ، عن هشام ، عن أبيه عنها ، وحديث ابن عباس قال : علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان حين أسري به ، وأريه رجل من الأنصار في منامه ، ورواه أيضا عن أحمد بن محمد بن سعيد ، ثنا يعقوب بن يوسف الضبي ، ثنا أبو جنادة حصين بن المخارق ، ثنا عبد الصمد بن علي ، عن أبيه عنه ، وفي كتاب أبي الشيخ : كتب إلينا ، علي بن الحسن بن سلم الرازي ، ثنا مسروق ، ثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثني عبد العزيز بن عمران ، عن إبراهيم بن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين : عن عكرمة عنه قال : الأذان نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع فرض الصلاة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ .انتهى ، وفيه إشكال ؛ لأن فرض الصلاة كان بمكة ، وسورة الجمعة مدنية إجماعا ، حكاه أبو العباس المفسر الضرير في كتاب مقامات التنزيل ، وغيره ، اللهم إلا أن يريد صلاة الجمعة لا مطلق الصلوات ؛ لأن فريضة الجمعة إنما كانت بالمدينة ، - والله أعلم - . وحديث سالم ، عن أبيه قال : لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء أوحي إليه الأذان فنزل فعلمه بلالا ، رواه أيضا عن محمد بن محمود الأنباري ، ثنا محمد بن ماهان ، حدثني عمي ، نا أبي ، ثنا طلحة بن زيد ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري عنه ، وهو مردود ؛ بأن الإسراء الذي فرضت فيه الصلاة كان بمكة ، والتأذين بالمدينة إجماعا ، وحديث عبيد بن عمر الليثي قال : ائتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه - للاجتماع للصلاة ، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى عمر في المنام أن لا تجعلوا الناقوس ، بل أذنوا بالصلاة فذهب عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أخبره بذلك : قد سبقك بذلك الوحي ، ذكره ابن إسحاق في سيره ، عن ابن جريج قال : قال لي عطاء : سمعت عبيدا به ، قال السهيلي : وقد عرفت رؤيا ابن زيد ، ولم تعرف رؤيا عمر - رضي الله عنه - ، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة : أول من أذن بالصلاة جبرائيل في السماء الدنيا ، فسمعه عمر ، وبلال فسبق عمر بلالا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأخبره بها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبلال سبقك بها عمر ، وحديث عبد الله بن الزبير قال : أخذ الأذان من أذان إبراهيم - عليه السلام - في الحج : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ، قال : فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
رواه أبو الشيخ ، عن كتاب علي بن سلم ، نا مسروق ، نا إبراهيم بن المنذر ، نا عبد العزيز بن عمران ، عن ابن المؤمل ، عن أبي الزبير عنه ، قال السهيلي : الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل ، ولم يكن بوحي ؛ فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أريه ليلة الإسراء فوق سبع سماوات ، وهذا أقوى من الوحي ، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة ، وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رآه - عليه السلام - ، فلذلك قال : أنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى ، وعلم حينئذ أن مراد الله تعالى بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض ، وقوى ذلك موافقة رؤيا عمر مع أن السكينة تنطق على لسان عمر ، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على لسان غير النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فيه من التنويه بعده ، والرفع لذكره ، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه ، وأفخم لشأنه ، وهو معنى قوله تعالى : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ، وهو معنى ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي ، والشيخ أبو العباس القرطبي ، زاد : ويحتمل أنهم لما تفاوضوا في الأذان كان عبد الله ، وعمر غائبين فلما قدما ، وجدا المفاوضة ، فقال عبد الله ما قال ، وتلاه عمر ، ولما رأى عمر قبول الرؤيا ، وصحتها قال : ألا تنادون إلى الصلاة : فقال - صلى الله عليه وسلم - لبلال : قم . وقال عياض : ظاهر قول عمر : أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ليس على صفة الأذان الشرعي ، بل إخبار بحضور وقتها ، قال النووي : وهذا الذي قاله أبو الفضل محتمل أو متعين ، فقد صح في حديث ابن زيد أنه رأى الأذان في المنام ، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبره فجاء عمر فقال : والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى ، فهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر ، فيكون الواقع الإعلام أولا ، ثم رأى ابن زيد الأذان فشرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إما بوحي ، وإما باجتهاده على مذهب الجمهور ، وليس هو عملا بمجرد المنام ، هذا ما لا شك فيه انتهى ، وفي هذا كله ذهول عن قول عمر : لقد رأيت مثل ما رأى ، ولكنه سبقني ، ويحمل قوله : ألا تناودن إلى الصلاة على الأذان الشرعي ؛ لأنه قال مثل ما رأى عبد الله ، وعبد الله رأى الأذان مفصلا ، وأخبر به كذلك ، ولأنه قد وافقهما على رؤياهما سبعة من الصحابة في تلك الليلة أيضا حكاه صاحب المبسوط ، وفي كتاب الغزالي فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر رجلا من الصحابة قد رأى كلهم مثل ذلك ، ولأنا قد قدمنا في صحيح أبي عوانة فأذن بالصلاة ؛ ولأنه لا خلاف أنهم كانوا قبل ذلك يؤذنون بها ، بقولهم : الصلاة جامعة ، ذكره ابن سعد ، عن ابن المسيب ، أو بقولهم : الصلاة الصلاة كما قدمنا ، وفي قوله : قم يا بلال حجة لمشروعية الأذان قائما ، وأنه لا يجوز الأذان قاعدا ، وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور ، فإنه جوزه ، ووافقه أبو الفرج المالكي فيما ذكره أبو الفضل ، واستضعفه النووي لوجهين : أحدهما : المراد بالنداء هنا الإعلام . الثاني : المراد قم واذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان ، قال : ومذهبنا المشهور أنه سنة فلو أذن قاعدا بغير عذر صح أذانه لكن فاتته الفضيلة ، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء ، وفي كتاب الإشراف : أجمع كل من يحفظ عنه العلم : أن من السنة أن يؤذن المؤذن قائما ، وروينا عن أبي زيد الصحابي ، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله أنه أذن وهو قاعد .
وفي كتاب أبي الشيخ ، عن عبد الجبار بن وائل بن حجر ، عن أبيه قال : حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو قائم طاهر ، وقول الصحابي : وهو من السنة يدخل في المسند ، وأما قول أبي عمير : لولا أن ابن زيد كان مريضا لأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذان ، فيرده ما ذكره الدارقطني ، قال عبد الله : أنا رأيته ، وأنا كنت أريده . قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : فأقم أنت . وسيأتي ذكره أيضا ، وفي كتاب المحيط : وإن أذن لنفسه فلا بأس بأن يؤذن قاعدا من غير الناس ، فإن أذن قاعدا من غير عذر مراعاة لسنة الأذان وعدم الحاجة إلى إعلام الناس فإن أذن قاعدا لغير عذر صح أذانه ، وفاتته الفضيلة ، وكذا لو أذن قاعدا مع قدرته على القيام صح أذانه ، فأما إذا أذن على غير وضوء فقد جوزه إبراهيم قال : لا بأس أن يؤذن على غير وضوء ، ثم ينزل فيتوضأ .
وعن قتادة : أنه كان لا يرى بأسا أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء ، فإذا أراد أن يقيم توضأ ، وعن عبد الرحمن بن الأسود : أنه كان يؤذن على غير وضوء ، وعن الحسن : لا بأس أن يؤذن غير طاهر ، ويقيم وهو طاهر ، وعن حماد : أنه كان لا يرى بأسا أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء ، وكره ذلك جماعة ، قال عطاء : الوضوء فرض وسنة ، وفي حديث الزهري قال أبو هريرة : لا يؤذن إلا متوضئ . ولما رواه الترمذي ، عن يونس ، عن الزهري مرسلا قال : هذا أصح . ورواه البيهقي من حديث الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وفي كتاب شرح الآثار للطبري عن عبد الله بن عباس قال لرجل : لا تؤذن إلا وأنت طاهر ، ورفعه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي المصنف عن مجاهد : لا أؤذن حتى أتوضأ ، واختلف في آخر الأذان ، فالصحيح ما تقدم ، وفي المصنف نا محمد بن فضيل عن يزيد عن أبي صادق أنه كان يجعل آخر أذانه - لا إله إلا الله - والله أكبر - وقال : هكذا كان آخر أذان بلال ، وكذا روى ابن علية عن ابن عون عن محمد قال : كان الأذان للنبي صلى الله عليه وسلم فذكره ، وفي آخره : لا إله إلا الله ، والله أكبر . وفي كتاب البيهقي من طريق مؤذن علي أنه إذا أذن ختمه بقوله : والله أكبر الله أكبر ، وكذا فعله أبو يوسف صاحب أبي حنيفة . وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم : ثنا إسرائيل حدثني ثوير قال : صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة ، فكان مؤذننا ، وكان يجعل آخر أذانه : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وثنا إسرائيل حدثني ثوير قال : سألت أبا جعفر عن آخر الأذان ، فقال : لا إله إلا الله ، والله أكبر وثنا زهير عن عمران بن مسلم أرسلني سيد بن غفلة إلى مؤذننا رباح فقال : قل له يختم أذانه بالله أكبر ، فإنه أذان بلال ، وعن إبراهيم قال : كان أبو محذورة يقول : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وكان بلال يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله : بلال في السفر ، وأبو محذورة في الحضر ، يعني في آخر الأذان ، رواه عن عيسى بن المسيب عنه .
وأما الناقوس فذكر الجواليقي في كتاب المعرب أنه ينظر فيه : أعرابي هو أم لا؟ وقال القزاز : ولا أراه عربيا محضا ، قال : وهو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها ، وأما قول ابن المثنى : وفي الصحاح : كانوا ينقسون ، قال وهي رواية منكرة ، لأن ظاهرها يقتضي ضربهم به ، فليس صحيحا ، لأن الذي في غير ما نسخة في الصحاح : الناقوس : الذي تضرب به النصارى لأوقات الصلوات ، قال جرير : لما تذكرت بالديرين أرقني صوت الدجاج وقرع بالنواقيس والنقس : ضرب الناقوس ، وفي الحديث : كادوا ينقسون حتى رأى عبد الله بن زيد الأذان في المنام ، زاد ابن سيده في محكمه : والنقس : ضرب من النواقيس : وهو الخشبة الطويلة ، والوبيلة القصيرة ، وقول الأسود بن يعفر : وقد سبأت لفتيان ذوي كرم قبل الصباح ولما تقرع النقس يجوز أن يكون جمع ناقوس على توهم حذف الألف ، وأن يكون جمع نقس الذي هو ضرب منها ، كرهن ورهن ، وسقف وسقف ، وقد نقس الناقوس بالوبيل نقسا ، وزعم أبو زكريا يحيي بن علي الخطيب التبريزي في كتاب العروض الكبير أن عليا رضي الله عنه سمع صوت الناقوس ، فقال لمن معه من أصحابه : أتدرون ما يقول هذا الناقوس ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، وابن عمه أعلم . فقال : إن علمي من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الناقوس يقول : حقا حقا حقا حقا صدقا صدقا صدقا صدقا يا ابن الدنيا جمعا جمعا إن الدنيا قد غرتنا يا ابن الدنيا مهلا مهلا لسنا ندري ما فرطنا ما من يوم يمضي عنا إلا أوهى منا ركنا ما من يوم يمضي عنا إلا أمضى منا قرنا . قال أبو زكريا : وهذا البحر يسمى الغريب ، والمتسق ، وركض الخيل ، وقطر الميزاب .
وفي رواية : إن الدنيا قد غرتنا واستهوتنا واستلهتنا يا ابن الدنيا مهلا مهلا زن ما تأتي وزنا وزنا . وعبد الله بن زيد لم أر أحدا ذكره في الشعر ، ولا ألم بذكره ، - والله تعالى أعلم - .