حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الإعلام بسنته عليه الصلاة والسلام بشرح سنن ابن ماجه الإمام

الترجيع في الأذان

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عفان ، حدثنا همام بن يحيى ، عن عامر الأحول ، أن مكحولا حدثه ، أن ابن محيريز حدثه ، أن أبا محذورة حدثه ، قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة كلمة فذكره . هذا الحديث خرجه مسلم مختصرا من حديث الأحول ، عن مكحول ، عن ابن محيريز فذكر : الله أكبر . في أوله مثنى مثنى ، وأبو عوانة من حديث ابن المديني ، عن معاذ بن هشام ، عن أبيه ، وابن منده من حديث عبيد الله بن عمر عنه ، وأما تخريج الحاكم له من جهة عبد الله بن سعيد ، عن معاذ ففيه نظر لكونه في مسلم ، قال ابن القطان : والصحيح عن عامر في هذا الحديث إنما هو تربيع التكبير في أوله ، كذلك رواه عن عامر جماعة منهم عفان ، وسعيد بن عامر ، وحجاج ، ورواه عن هؤلاء الحسن بن علي ، ذكر ذلك أبو داود عنه ، وبذلك يصح ، فيكون الأذان تسع عشرة كلمة ، وقد قيده بذلك في نفس الحديث وقيد الإقامة بسبع عشرة كلمة ، وقد وقع في بعض روايات مسلم لهذا الحديث مربعا ، وهي التي ينبغي أن تعد فيه صحيحة ، ذكره البيهقي في كتابه .

انتهى كلامه . وفيه نظر ، وذلك أنه يسقط منه هكذا رجل ، وبيانه : هو أن أبا داود إنما رواه عن الحسن بن علي ، عن عفان ، وسعيد بن عامر ، وحجاج ، عن همام ، عن عامر ، وكذا رواه أبو عيسى - وسيأتي - ورواه ابن سعد في كتاب الطبقات ، عن سعيد بن عامر ، وعفان ، عن همام بن يحيى ، عن عامر - والله أعلم - ولهذا فإن أبا عمر حكى عن ابن السكن تفرد همام بروايته ، ورواه أبو عيسى من حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ، قال : أخبرني أبي ، وجدي جميعا عن أبي محذورة ، وعن أبي موسى ، عن عفان ، عن همام ، عن عامر ، عن مكحول به مختصرا ، وقال : حسن صحيح ، وكذا قاله في العلل حين ذكره بكماله ، ولفظ ابن خزيمة ، وخرجه من حديث مكحول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر نحوا من عشرين رجلا فأذنوا ، فأعجبه صوت أبي محذورة ، فعلمه الأذان ، وعلمه الإقامة مثنى مثنى . وعن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك مؤذن المسجد الحرام قال : حدثني أبي ، وجدي جميعا عن أبي محذورة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقعده فألقى عليه الأذان حرفا حرفا .

قال بشر بن معاذ : قال لي إبراهيم : هو مثل أذاننا هذا . فقلت له : أعد علي قال أبو بكر بن خزيمة : عبد العزيز لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة ، وإنما رواه عن ابن محيريز ، عن أبي محذورة . وقال الدورقي في أول الأذان : الله أكبر الله أكبر ، وباقي حديثه مثل لفظ حديث بندار ، عن أبي عاصم ، وهكذا رواه روح ، عن ابن جريج ، عن عثمان بن السائب ، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة عنه ، قال في أول الأذان : الله أكبر ، الله أكبر ، لم يقله أربعا ، ورواه أبو عاصم ، وعبد الرزاق ، عن ابن جريج ، وقالا في أول الأذان : الله أكبر .

أربعا . قال الحافظ أبو بكر : خبر أبي محذورة ثابت صحيح من جهة النقل ، وفي سؤالات الأثرم : قيل لأبي عبد الله : حديث أبي محذورة صحيح؟ قال : أما أنا فلا أدفعه . وذكره ابن الجارود في منتقاه ، وحكى أبو عمر ، عن الشافعي أنه يقول في أول الأذان : الله أكبر أربعا ، وزعم أن ذلك محفوظا من رواية الحفاظ الثقات في حديث ابن زيد ، وأبي محذورة ، وهذه زيادة يجب قبولها ، والعمل بها عندهم بمكة ، في آل أبي محذورة إلى زمانه ، وفي كتاب الإقناع لابن المنذر : والأذان الذي علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا محذورة ، ولم يزل عليه أهل الحرمين قديما وحديثا إلى يومنا هذا التربيع .

وقال الحافظ أبو علي الطوسي في كتاب الأحكام وذكره فقال : هذا حديث حسن صحيح ، وقال أحمد بن سنان : هذا الحديث أصل في هذا الباب ، فأما الإقامة فلا يختلف على واحدة واحدة إذ علمها النبي - عليه السلام - أبا محذورة ، وأمر بها بلالا ، وقد روي حديث أبي محذورة من غير وجه ، وعليه العمل بمكة ، وقال البغوي في شرح السنة : هذا حديث صحيح ، ولفظ النسائي : خرجت عاشر عشرة ، فسمعناهم يؤذنون للصلاة ، فأرسل إلينا فأذنا رجلا رجلا ، فكنت آخرهم ، زاد الكجي : وكان ذلك في الحجرة . وقد تقدم من عند أبي داود ، وابن خزيمة ما يرده - والله أعلم - ورواه أبو حاتم في صحيحه بلفظ : فكنا في بعض طريق حنين ، وفي آخره ، قال ابن جريج : وأخبرني غير واحد من أهلي خبر ابن محيريز هذا ، وفي كتاب النسائي ، وابن خزيمة قال ابن جريج : أخبرني هذا الخبر كله عثمان بن السائب ، عن أبيه ، وعن أم عبد الملك أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة ، وزعم ابن القطان أن عثمان ، وأباه ، وأمه مجهولون ، وهو مردود بما ذكرناه ، قال ابن حبان : حدثنا الفضل بن الحباب ، حدثنا مسدد ، حدثنا الحارث بن عبيد ، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قلت يا رسول الله ، علمني سنة الأذان .قال : فمسح مقدم رأسي ، وقال : تقول : فذكره مرجعا ، ثم قال : فإن كانت صلاة الصبح قلت : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . واعترض أبو محمد الإشبيلي على هذا الحديث بقوله : هذا يرويه الحارث بن عبيد ، عن محمد بن عبد الملك ، عن أبيه ، عن جده ، ولا يحتج بهذا الإسناد ، وقال في الكبرى : الحارث بن عبيد يضعف ، وقد روى عنه ابن مهدي ، وقال : هو من شيوخنا .

وهو كلام جيد ، واعترض ابن القطان على الأول ذهولا عن الثاني ، وأصاب ؛ لأن كلامه على الوسطى لا الكبرى ، ولكنه غالبا يبين الصواب وعدمه منها ، قال : لأنه لم يبين علته قال : وهي الجهل بحال محمد بن عبد الملك ، ولا نعلم روى عنه إلا الحارث ، وهو أيضا ضعيف ، قاله ابن معين . وقال فيه أيضا : مضطرب الحديث . وكذا قاله ابن حنبل ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، ولا يحتج به .

وقال عمرو بن علي : سمعت ابن مهدي يحدث عنه ، وقال : كان من شيوخنا ، وما رأيت إلا خيرا ؛ فأما عبد الملك بن أبي محذورة فقد روى عنه جماعة منهم : ابنه محمد ، والنعمان بن راشد ، وابنا ابنيه : إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك ، وإبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك . انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ من حيث إن الحارث خرج له مسلم في صحيحه على طريق الاحتجاج ، وقال الساجي : كان صدوقا . وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، واستشهد به البخاري في موضعين من كتابه ، وأما ما ذكره عن أحمد فقد جاء عنه خلافه ، قال أحمد بن حميد : سألت أبا عبد الله عنه فقال : لا أعرفه .

قلت : يروي عن هود بن شهاب ؟ قال : لا أعرفه . قلت : روى عن هود ، عن ابن عباد ، عن أبيه ، عن جده ، مر عمر على أبيات بعرفات ؟ فقال : نعم ، هذا يروى عن عباد من غير هذا الوجه ، وقد جاء هذا الحديث بهذا اللفظ من حديث غيره ، رواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن يزيد بن سنان ، ثنا أبو عاصم ، وأشار الطحاوي في المشكل إلى ثبوته ، ورواه أبو داود ، عن الحسن بن علي ، حدثنا أبو عاصم ، وعبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني عثمان بن السائب ، أخبرني أبي ، وأم عبد الملك بن أبي محذورة ، عن أبي محذورة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو هذا الحديث - يعني حديث الحارث بن عبيد - وفيه : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، في الأول من الصبح ، قال أبو داود : ثنا النفيلي ، ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة ، سمعت جدي عبد الملك يذكر أنه سمع أبا محذورة يقول : ألقى علي النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان فذكره . وفيه : كان يقول في الفجر : الصلاة خير من النوم .

وهو أيضا إسناد صحيح . قال : ثنا محمد بن داود ، حدثنا زياد - يعني ابن يونس - عن نافع بن عمر الجمحي ، عن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن عبد الله بن محيريز عنه ، فذكر مثل حديث ابن جريج ، عن عبد العزيز بن عبد الملك ، ومعناه . ورواه النسائي عن عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، وعبد الرحمن ، قالا : حدثنا سفيان ، عن أبي جعفر ، عن أبي سلمان ، عن أبي محذورة قال : كنت أؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر ، فأقول إذا كنت في الأذان الأول : حي على الفلاح ، الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم .

ثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، وعبد الرحمن قالا : ثنا سفيان بهذا الإسناد نحوه ، قال عبد الرحمن بن مهدي : وليس بأبي جعفر الفراء ، وأما ابن حزم فذكره في كتابه مصححا له ، وقال : عن أبي جعفر المؤذن ، عن أبي سليمان . كذا رأيته بالياء بعد اللام ، وكأنه تصحيف من النسخة ، وصوابه : سلمان ، واسمه همام ، وزعم المزي أن أبا جعفر هذا هو الفراء ، وأنت ترى ابن مهدي نص على أنه ليس به ، ولو كان الفراء لكان سندا صحيحا - والله أعلم - . ورواه أبو الشيخ ، عن إبراهيم بن محمد بن الحارث ، ومحمود بن أحمد بن الفرج ، ومحمد بن نصر قالوا : حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ، أنبأ الثوري ، وفي آخره : فدعاني - عليه السلام - فمسح يده على رأسي .

حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، ثنا سلمة بن الخليل الكلاعي ، ثنا مروان ، ثنا النعمان ، عن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن ابن محيريز الشامي ، عن أبي محذورة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان ، وأمره أن يقول في الأذان الأول من الصبح : الصلاة خير من النوم ، مرتين . وثنا الوليد بن أبان ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن راشد ، حدثني النعمان بن راشد ، عن عبد الملك ، عن ابن محيريز ، عن أبي محذورة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يؤذن لأهل مكة ، وأن يدخل في أذانه في الغداة الصلاة خير من النوم . انتهى ، وفي هذا أيضا رد لما تقدم من قول البيهقي في المعرفة : حديث أبي محذورة منقطع .

ولما يفهم أيضا من قول أبي الشيخ في موضع آخر : إن الحرشي سأل ابن أبي محذورة ، عن التثويب فقال كان في أذان بلال . وفي سنن الدارقطني بسند صحيح ، حدثنا أحمد بن العباس ، حدثنا عباد بن الوليد أبو بدر ، ثنا الحماني ، ثنا أبو بكر بن عياش ، ثنا عبد العزيز بن رفيع ، قال : سمعت أبا محذورة يقول : كنت غلاما صيتا ، فأذنت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين الفجر ، فلما بلغت حي على الفلاح ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ألحق فيها : الصلاة خير من النوم . وقال ابن المنذر جاء الحديث ، عن أبي محذورة أنه قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أذنت الصبح فقل : الصلاة خير من النوم .

وأما قول الشيخ في المهذب : لم يحك أبو محذورة الترجيع . فمردود بما قدمناه - والله أعلم - . وفي كتاب النسائي بسند صحيح : آخر أذان أبي محذورة لا إله إلا الله .

ولما ذكره في الأوسط قال : لم يروه عن هشام إلا ابنه ، تفرد به ابن راهويه . قال ابن عبد البر : والتثويب في أذان أبي محذورة محفوظ معروف مشهور عند العلماء ، وذهب مالك ، وأصحابه إلى أن التكبير في أول الأذان مرتين ، قال : وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي محذورة ، وفي أذان عبد الله بن زيد ، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظ إلى زمانهم . ويؤيده ما أسلفناه من عند الترمذي ، وأبي داود ، وروى أبو بكر بن الجهم المالكي من طريق عمار بن سعد القرظ ، عن أبيه ، أنه سمعه يقول : إن هذا الأذان أذان بلال ، فذكره مثنى ، قال : والإقامة واحدة واحدة ، ويقول : قد قامت الصلاة واحدة .

وكذا حديث أبي أمامة بن سهل قال : سمعت معاوية يقول : إذا كبر المؤذن اثنين كبر اثنين ، وإذا تشهد اثنين تشهد اثنين ، ثم التفت فقال : هكذا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عند الأذان . وسيأتي له مزيد بيان - إن شاء الله تعالى - قال ابن المنذر في الإشراف : لم يختلف مالك ، والشافعي إلا في أول الأذان . وقال سفيان ، وأصحاب الرأي : الأذان على حديث عبد الله بن زيد مربعا من غير ترجيع .

وقالت طائفة : الاختلاف في هذا من جهة المباح . وقال أحمد بن حنبل : إن رجع فلا بأس ، وإن لم يرجع فلا بأس . وكذلك قال إسحاق .

غريبه : قوله الله أكبر . ذكر ثعلب أن أهل العربية اختلفوا في معنى أكبر ؛ فقال أهل اللغة : معناه كبير ، وقالوا : أكبر بمعنى كبير . واحتجوا بقول الفرزدق : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول .

أراد دعائمه عزيزة طويلة : واحتجوا بقول الآخر : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد . أراد : لست فيها بواحد . واحتجوا بقول معن بن أوس : لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول .

أراد : وإني لوجل . واحتجوا بقول الأحوص : يا بيت عاتكة الذي أتعزل حذر العدا وبه الفؤاد موكل إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل . أراد : لمائل واحتجوا بقوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ .

قالوا : فمعناه ، وهو هين عليه ، قال ابن الأنباري في الكتاب الزاهر : قال أبو العباس : وقال النحويون - يعني الكسائي ، والفراء ، وهشاما - الله أكبر معناه : أكبر من كل شيء ، فحذفت من ؛ لأن أفعل خبر كما تقول : أبوك أفضل ، وأخوك أعقل . فمعناه : أفضل ، وأعقل من غيره ، واحتجوا بقول الشاعر : إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن سراج لنا إلا ووجهك أنور . أراد : أنور من غيره .

وقال معين بن أوس : فما بلغت كف امرئ متناول بها المجد إلا حيث ما نلت أطول ولا بلغ المهدون في القول مدحة ولو صدقوا إلا الذي فيك أفضل . أراد : أفضل من قولهم . قال : وأجاز أبو العباس : الله أكبر ، الله أكبر ، واحتج بأن الأذان سمع وقفا لا إعراب فيه لقولهم : حي على الصلاة حي على الفلاح ، ولم يسمع على الصلاة والفلاح فكان الأصل فيه : الله أكبر بتسكين الراء ، فألقوا على الراء فتحة الألف من اسم الله تعالى ، وانفتحت الراء ، وسقطت الألف ، كما قال تعالى : الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .كان الأصل فيه - والله أعلم - : الم الله ، بتسكين الميم ، فألقيت فتحة الألف على الميم ، وسقطت الألف قال : وسمعت أبا العباس يقول : ( من ) تحذف في مواضع الأخبار ، ولا تحذف في مواضع الأسماء ، من قال : أخوك أفضل لم يقل : إن أفضل أخوك .

وإنما حذفت في مواضع الأخبار ؛ لأن الخبر يدل على أشياء غير موجودة في اللفظ ، واعترض أبو إسحاق الزجاجي على أبي بكر بأن هذا الذي حكاه عن ثعلب غير صحيح ، واعتلاله غير مستقيم ، وذكر كلاما طويلا أغفل فيه التنبيه على البيتين الأخيرين ، وأنهما ليسا في ديوان معن ، وإنما هما ثابتان في ديوان الخنساء تمدح أخاها في غير ما نسخة ، حتى لقد استشهد العلماء بذلك في كلامهم ، قال ابن معط في كتاب البديع المنظوم تصنيفه : براعة الاستهلال : أن تبتدئ بما يدل على المقصود بالنظم أولا ، كما قالت الخنساء تطري أخاها : ولا مدحة إلا وذا المدح أجمل . وما بلغت كف امرئ .. . البيتين ، وقوله : أشهد ألا إله إلا الله .

قال أبو بكر : معناه عند أهل العربية أعلم أنه ، وأبين ألا إله إلا الله . الدليل على هذا قوله تعالى : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ وذلك أنهم لما جحدوا نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا قد تبينوا على أنفسهم الضلالة ، والكفر ، قال حسان - رضي الله عنه - : فنشهد أنك عبد المليك أرْسلت نورا بدين قيم . ومن ذلك قولهم : شهد الشاهد عند الحاكم .

معناه : قد بين له ، وأعلمه الخبر الذي عنده . وقال أبو عبيدة : معناه : قضى الله تعالى . قال ابن الأنباري : وقول أبي العباس أحسن مشاكلة لكلام العرب .

قال الزجاجي : ليس حقيقة الشهادة ما ذكره ، ولو كان معنى الشهادة البيان والإعلام لما أكذب تعالى المنافقين في قوله : قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ . لأن البيان ، والإعلام إنما هو باللسان لا بالقلب ، فقد قالوا بلسانهم ، وأعلموا ، فكذبهم الله تعالى ؛ لأن الشهادة في هذا الموضع إنما هي تحقق الشيء ، وتيقنه ، فكذبهم تعالى ؛ لأنهم أبطنوا خلاف ما أظهروا ، فقد تكون الشهادة على ضروب ، وأصلها تحقق الشيء ، وتيقنه من شهادة الشيء أي : حضوره ؛ لأن من شاهد شيئا فقد تيقنه علما ، فاستعملت هذه اللفظة في تحقق الأشياء ، ثم اتسع فيها بعد ذلك فاستعملت في موضعين آخرين ؛ أحدهما : الإقرار بالشيء ، والآخر البيان ، والإظهار ، فمن البيان والإظهار : ما ذكر في قوله تعالى : شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ فأما شهادة الشاهد في الحقوق فإنما هي إخبار منه عما شاهده ، وتيقنه ، وأحضر للوقوف عليه معاينة وسماعا ، وأما الإقرار فما كان يؤخذ به المشركون في صدر الإسلام ، من الدعاء إليه ، وهو أنهم كانوا يقاتلون حتى يتشهدوا فيحصن ماله ، ويحقن دمه ، وإنما كان يراد منهم الإقرار بهذا ، ألا ترى أن المنافقين كانوا على عهده - عليه السلام - يقولون هذا ، ويقرون به في الظاهر فيصير لهم حكم المسلمين ، ويبطنون خلافه ، وأما الرسول فمعناه في اللغة : الذي يتابع أخبار الذي بعثه ، أخذ من قول العرب : قد جاءت الإبل رسلا . إذا جاءت متتابعة ، قال الأعشى : يسقي ديارا لنا قد أصبحت غرضا زورا أجنف عنها القود والرسل .

القود : الخيل ، والرسل : الإبل المتتابعة ، ويقال في تثنيته : رسولان ، وفي جمعه : رسل . ومن العرب من يوحده في موضع التثنية ، والجمع فيقول : الرجلان رسولك ، والرجال رسولك . قال الله تعالى : إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ وفي موضع آخر : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فالأول خرج الكلام فيه على الظاهر ؛ لأنه إخبار عن موسى وهارون - عليهما السلام - والثاني قال يونس : وأبو عبيدة : وحده لأنه في معنى الرسالة ، كأنه قال : إنا رسالة رب العالمين .

واحتج يونس بقول الشاعر : فأبلغ أبا بكر رسولا سريعة فما لك يا ابن الحضرمي وما ليا . وبقول الآخر : ألا من مبلغ عني خفافا رسولا بيت أهلك منتهاها . أراد رسالة سريعة .

واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر : لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول . وقال الفراء : إنما وحد لأنه اكتفى بالرسول من الرسولين ، واحتج بقول الشاعر : ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر . أراد : وخبر الرسل .

فاكتفى بالواحد من الجمع ، قال أبو بكر : وفصحاء العرب - أهل الحجاز ومن والاهم - يقولون : أشهد أن محمدا رسول الله . وجماعة من العرب يبدلون من الألف عينا فيقولون : أشهد عن محمدا رسول الله . قال أبو بكر : أنشد أبو العباس قال : أنشدنا الزبير بن بكار : قال الوشاة لهند عن تصارمنا ولست أنسى هوى هند وتنساني .

وقال قيس بن الملوح المجنون : أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني لك اليوم من وحشية لصديق فعيناك عيناها وجيدك جيدها سوى عن عظم الساق منك دقيق . أراد : سوى أن . فأبدل من الألف عينا ، وقال أيضا : فما هجرتك النفس يا ليلى عن قلى قلته ولا عن قل منك نصيبها أتضرب ليلى عن ألم بأرضها وما ذنب ليلى عن طوى الأرض ذيبها .

قال أبو بكر : وفي قولهم : أشهد أن محمدا رسول الله . ثلاثة أوجه ؛ الوجه المجتمع عليه : أن محمدا ، ويجوز : إن محمدا لرسول الله ، وإن محمدا رسول الله ، على معنى أقول : ولا يجوز أن تبدل من الألف إذا انكسرت عينا ، إنما يفعل ذلك بها إذا انفتحت ، قال أبو إسحاق الزجاجي : ليس ما ذكره في اشتقاق الرسول صحيحا ، ولو كان كذلك ما جاز لهم في أول مجيئه إليهم أن يقول : إني رسول الله إليكم ؛ لأنه لم يتابع إليهم بعد بإخبار ، ولا يدرى ما يكون بعد ، بل كان لا يقع عليه في الحال الأولى اسم رسول ، ولا تجب له حجة على تأويله هذا ، ولكان من أرسل إنسانا في حاجة واحدة إلى آخر لم ينفذه قط في غيرها لم يجز للمرسل أن يقول لصاحبه المنفذ إليه : إني رسول فلان إليك . وهذا غلط بين ، يدفعه استعمال الكافة ذلك غير منكرين له ، وإنما الرسول بمعنى المرسل المنفذ ، من أرسلت أي : أنفذت ، وبعثت ، وكذلك قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وقال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ولذلك قيل في معناه : مبعوث ، وإنما غلط أبو بكر ؛ لأنه رآه على فعول فتوهمه مما جاء على فعول للمبالغة ، ولا يكون ذلك إلا لتكرار الفعل : نحو ضروب ، وشبهه من الأسماء المبنية من الأفعال للمبالغة ، وليس كذلك ، وإنما هو اسم لغير تكثير الفعل بمنزلة عمود ، وعتود ، وعجوز ، فهو وإن كان مشتقا ، فإنه يجري مجرى الأسماء المحضة في الاستعمال ، والدليل على صحة ما قلنا : قول سيبويه وجميع النحويون من البصريين والكوفيين : أزيد أتت إليه رسول؟ قالوا : برفع زيد ؛ لأن رسولا اسم لا يجري مجرى الفعل ، فكأنك قلت : أزيد أتت له عجوز؟ ولو كان من تلك الأسماء الجارية مجرى الفعل للمبالغة لنصبت وأزيدًا أتت له ضروب ؟ وأزيدا أتت له شكور ؟ وكذلك ما أشبهه ، وهذا بين واضح ، انتهى .

أنشد المبرد في كامله ، وحبيب في حماسته الوسطى لبعضهم : وما هجرتك النفس يا مي أنها قلتك ولا أن قل منك نصيبها ولكنهم يا أملح الناس أولعوا بقول إذا ما جئت هذا حبيبها . وعزاهما الشنتمري لنصيب ، قال : ويقال : هما لمعاذ . وأما قوله : ( حي على الصلاة ) .

فذكر الفراء أن حي في كلام العرب معناها : هلم وأقبل ، وفتحت الياء من حي لسكونها ، وسكون الياء التي قبلها ، كما قالوا : ليت ، ولعل . قال أبو بكر : ومنه قول ابن مسعود : إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر . معناه : أقبلوا على ذكر عمر .

وفيه ست لغات : حي هلا بالتنوين ، الثاني : فتح اللام بغير تنوين ، الثالث : تسكين الهاء ، وفتح اللام بغير تنوين ، الرابع : فتح الهاء ، وسكون اللام ، الخامس : حي هلن ، السادس : حي هلين على عمر ، قال الزجاجي : أما الوجه الخامس : بالنون فهو الأول بعينه ؛ لأن التنوين ، والنون سواء . وأما الفلاح فذكر جماعة من أهل اللغة معناه : هلموا إلى الفوز ، قال أبو بكر : وقالوا : يقال : قد أفلح الرجل إذا فاز ، وأصاب خيرا ، من ذلك الحديث الذي يروى : استفلحي برأيك . أي : فوزي برأيك .

قال لبيد : اعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل . وقال تعالى : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقال آخرون ( حي على الفلاح ) معناه : هلموا إلى البقاء أي : أقبلوا إلى سبب البقاء في الجنة ، قالوا : والفلح ، والفلاح عند العرب البقاء ، أنشدنا أبو العباس : لكل هم من الهموم سعة والمسي والصبح لا فلاح معه . وقال لبيد : لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح .

وقال عبيد : أفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف وقد يخدع الأريب . فهذا من الفوز ، وقال أصحاب البقاء : معنى قوله : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . يعني : الباقون في الجنة ، والفلح والفلاح عند العرب : السحور .

انتهى كلامه ، ولم يتبع عليه الزجاجي شيئا ، ومما ينبغي أن يتبع عليه أمور : الأول : إطلاقه أن الفلاح البقاء ، وأهل اللغة يقيدونه بالبقاء في النعيم ، والخير ، قاله ابن سيده ، وقال : وفي التنزيل : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . أي : نالوا البقاء الدائم في الخير .قال : والفلاح : الفوز بما يغبط به ، وفيه صلاح الحال ، الثاني : قوله من ذلك الحديث الذي يروى إلى آخره ، وليس هو بحديث ، إنما هو من ألفاظ الطلاق في أيام الجاهلية . قاله ابن سيده ، والنجيرمي ، وأما قول الهروي في الغريبين : وفي حديث ابن مسعود : إذا قال الرجل لامرأته : استفلحي برأيك .

فليس حديثا مرفوعا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل هو أثر هذا هو الاصطلاح ، وأيضا فيجوز أن يكون قاله حاكيا عن العرب في الجاهلية ؛ إذ ليست هذه اللفظة موضوعة للكناية عن الطلاق إجماعا . الثالث : ولئن سلمنا له قوله ، فليست هذه اللفظة بالحاء ، وإن كان غيره سبقه إلى ذلك ، فإنما هي بالجيم ، كذا ذكره الزمخشري في الأساس ، وأما قوله : أنشدنا أبو العباس فذكر البيت ، وفيه لا فلاح معه ، فليس كذا أنشده أبو العباس بن محمد بن يزيد ، وأحمد بن يحيى فيما رأيت من أماليه ، إنما فيهما : ( لا بقاء معه ) ، وكذا أنشده أبو الفرج ، وأبو علي القالي ، وغيرهما ، وذكر الحافظ أبو القاسم الجوزي فيما رويناه عنه في كتاب الترغيب والترهيب : إن قول المؤذن الله أكبر أي : الله أعظم ، وعمله أوجب ، فاشتغلوا بعمله ، واتركوا غيره ، وقوله : أشهد ألا إله إلا الله أي : أشهد أنه واحد لا شريك له ، ومعناه : إن الله يأمركم بأمر فاتبعوه فإنه لا ينفعكم أحد إلا الله ، ولا ينجيكم أحد من عذابه إن لم تؤدوا أمره ، وقوله : أشهد أن محمدا رسول الله أي : أشهد أن محمدا أرسله إليكم لتؤمنوا به ، وتصدقوه ، ومعناه : قد أمركم بالصلاة والجماعة فاتبعوا ما أمركم به ، وقوله : حي على الصلاة أي : أسرعوا إلى أداء الصلاة ، ومعناه : حان وقت الصلاة فلا تؤخروها عن وقتها ، وقوله : حي على الفلاح أي : أسرعوا إلى النجاة ، والسعادة ، ومعناه : إن الله تعالى جعل الصلاة سببا لنجاتكم وسعادتكم لتنجوا من عذاب الله تعالى قال ، وقوله : الله أكبر أي : الله أعظم ، وأجل ، وعمله أوجب فلا تؤخروا عمله ، وقوله : لا إله إلا الله أي : اعلموا أنه واحد لا شريك له ، ومعناه : أخلصوا ، وابتغوا بصلاتكم وجه الله تعالى .

ورد في أحاديث14 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث