باب السنة في الأذان
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يعلى بن عبيد ، ثنا الإفريقي ، عن زياد بن نعيم ، عن زياد بن الحارث الصدائي قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأمرني فأذنت ، فأراد بلال أن يقيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخا صداء أذن ، ومن أذن فهو يقيم . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : إنما نعرفه من حديث الإفريقي ، والإفريقي ضعيف عند أهل الحديث ، ضعفه القطان وغيره ، وقال أحمد : لا أكتب حديثه . ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ، ويقول : هو مقارب الحديث .
وبنحوه ذكره أبو علي الطوسي في أحكامه ، ولما ذكر أبو حاتم بن حبان زيادا في كتاب الصحابة وصفه بالتابعية ، ثم قال : إلا أن الإفريقي في إسناد خبره . وقال الحافظ أبو العرب في كتاب الطبقات : إن سفيان الثوري قال : لم يرفع هذا الحديث أحد غير ابن زياد ، ورده أبو محمد الإشبيلي في الكبرى بابن أنعم ، وفي الوسطى وذكره عبد الرازق ، عن زياد ، وفيه : فأذنت على راحلتي ، قال : وفيه أيضا الإفريقي ، ولما ذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار قال : هذا حديث تفرد به الإفريقي ، وليس بحجة عندهم ، وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعد الكوفي في كتاب التفرد : إن أهل مصر تفردوا به ، وكذا ذكره أبو داود في كتاب التفرد ، وقال الخزرجي في كتابه تقريب المدارك ، وذكره : في إسناده الإفريقي ، وهو ضعيف ، متفق على ضعفه ، وأشار البيهقي في المعرفة إلى عدم ثبوته ، وقال أبو محمد بن حزم : وجائز أن يقيم غير الذي أذن لأنه لم يأت عن ذلك نهي يصح ، والأثر المروي : من أذن يقيم . إنما جاء من طريق الإفريقي ، وهو هالك .
انتهى ، أما من زعم أنه حديث تفرد به الإفريقي ، فيشبه أن يكون وهما ، وكذا من قال : تفرد به أهل مصر ؛ لما ذكره الحافظ أبو منصور ، ومحمد بن سعد بن محمد بن سعد الباوردي في كتاب الصحابة - تأليفه - حدثني إبراهيم بن ميمون بن إبراهيم ، ثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا محمد بن عيسى بن جابر الرشيدي قال : وحديث في كتاب أبي بخط يده ، عن عبد الله بن سليمان ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكر بن سوادة ، عن زياد بن نعيم الحضرمي ، عن زياد الصدائي ، فذكره مطولا ، ولما ذكره العسكري في كتاب الصحابة : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا علي بن عبيد العسكري ، حدثنا أيوب بن سليمان ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن عبد الغفار بن ميسرة ، عن رجل ، عن زياد الصدائي ، فذكره مختصرا : إنما يقيم من أذن . وفي قول ابن حبان : إلا أن في إسناد خبره - يعني خبر صحبته الإفريقي - نظر لما أسلفناه . ولما ذكره أيضا الحافظ أبو نعيم في كتاب الصحابة : حدثنا محمد بن علي بن حبيش ، حدثنا محمد بن القاسم بن هاشم ، حدثنا أبي ، حدثنا قريش بن عطاء ، حدثنا سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن جده ، عن زياد بن الحارث الصدائي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من طلب العلم تكفل الله برزقه .
[ ولأن بقي بن مخلد ذكر له حديثا آخر ٍ] ، وأما قول ابن الحصار ، وهو يعني الإفريقي : متفق على ضعفه . ففيه نظر ؛ لما أسلفناه قبل من تقوية البخاري أمره ، ومن السبب الموجب للكلام فيه ، وبيان فساده ، وأنه صادق فيما ادعاه من روايته ، عن مسلم بن يسار ، وقال أبو الحسن بن القطان : ومن الناس من يوثقه ، ويربأ به عن حضيض رد الرواية . وقال الخليلي في الإرشاد : منهم من يضعفه ، ومنهم من يلينه .
وذكر الحافظ أبو عمر المنتجيلي في تاريخه : أن ابن معين قال : لا بأس به . وذكر محمد بن أحمد بن تميم في كتاب طبقات أهل إفريقية : أن سحنون وثقه ، وكذلك قاله أحمد بن صالح العجلي الحافظ في تاريخه ، وزاد : وينكر على من تكلم فيه . وأما قول الحازمي : هذا حديث حسن - يعني حديث الصدائي هذا - فعمدته تخريج أبي داود له من غير أن يتبعه كلاما ، وخرجه الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن قديد في كتاب الصحابة مطولا ، وفيه : تفجر الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - .
وقال المقدسي : هو خبر مشهور ، وفي الباب غير ما حديث ، خلافا لقول أبي عيسى : وفي الباب حديث ابن عمر . يعني بذلك ما رواه أبو الشيخ ، عن إبراهيم ، حدثنا إبراهيم بن علي العمري ، حدثنا معلى بن مهدي ، حدثنا سعيد بن راشد ، عن عطاء ، عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يقيم من يؤذن . قال مهنأ : سألت أبا عبد الله عنه فقال : ليس بصحيح .
قلت : لم ؟ قال : من سعيد بن راشد . وضعف حديثه ، وفي كتاب العلل للخلال : أن ابن معين قال : سعيد السماك الذي يروي : من أذن فهو يقيم ليس بشيء . ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث قال : هذا حديث منكر ، وسعيد متروك الحديث .
وبنحوه قاله ابن عدي في كامله ، وقال البيهقي في الكبير : تفرد به سعيد ، وهو ضعيف . وقال في موضع آخر - وذكر حديث الصدائي - : وله شاهد من حديث ابن عمر ، وفي إسناده ضعف ، وحديث عبد الله بن عباس قال : - صلى الله عليه وسلم - : من أذن فهو الذي يقيم . رواه أبو أحمد في كامله من حديث محمد بن الفضل بن عطية ، عن مقاتل بن حيان ، عن عطاء عنه ، وقال : هذا من هذه الطريق يرويه محمد بن الفضل ، وهو متروك الحديث .
وحديث حيان بن بح ذكر أبو سعيد بن يونس في تاريخه أنه مثل حديث زياد بن الحارث . قال البيهقي : وله شاهد بسند صحيح ، عن عبد العزيز بن رفيع قال : رأيت أبا محذورة جاء وقد أذن إنسان قبله ، فأذن ثم أقام . وقد ورد حديث يعارض هذا ، ذكره أبو داود في سننه ، عن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا حماد بن خالد ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن محمد بن عبد الله ، عن عمه عبد الله بن زيد ، فذكر حديث رؤيا الأذان ، وفيه قال عبد الله : أنا رأيته ، وأنا كنت أريده قال : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فأقم أنت .
وحدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، ثنا ابن مهدي ، نا محمد بن عمرو ، سمعت عبد الله بن محمد شيخ من أهل المدينة قال : كان جدي عبد الله بن زيد بهذا الخبر ، قال : فأقام جدي . قال ابن عبد البر : هذا أحسن إسنادا من حديث الإفريقي ، ومن جهة النظر ليست الإقامة مضمنة بالأذان ، فجائز أن يتولاها غير متولي الأذان ، وقد أسلفنا حديث عبيد الله بن زيد أخي عبد الله ، أول من عند أبي موسى ، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال : في إسناده ومتنه اختلاف ، وإنه كان في أول ما شرع الأذان ، وحديث الصدائي بعده . وقال في الكبير : إن البخاري قال : فيه نظر ، قال : وكان أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه يضعف هذا الحديث .
قال البيهقي : ولو صح هذا ، وحديث الصدائي كان الحكم لحديث الصدائي ؛ لكونه بعد هذا - والله أعلم - وقال الحازمي : هذا حديث حسن ، وفي إسناده مقال ، وحديث الصدائي أقوم إسنادا منه ، وقال أبو محمد عبد الحق : إقامة عبد الله بن زيد ليست تجيء من وجه قوي فيما أعلم ، قال أبو الحسن بن القطان : علة هذا الخبر ضعف محمد بن عمرو الواقفي ، وإنه لا يساوي شيئا ، وعبد الله بن محمد الذي اضطرب فيه ، فقيل : محمد بن عبد الله ، وكلاهما لا تعرف حاله ، انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأول : عبد الله بن محمد غير مجهول لرواية أبي العميس عتبة بن عبد الله ، ومحمد بن سيرين ، ومحمد بن عمرو الأنصاري عنه ، ولذكر ابن حبان له في كتاب الثقات ، الثاني : تفسيره محمد بن عمرو الراوي عنه بالواقفي ، وهو بصري ، وزعم غير واحد منهم : ابن سرور بأن الراوي لهذا الحديث شيخ مدني ، فدل أنه غير الواقفي . الثالث : إعراضه عن علة في هذا الحديث قادحة ، وهي انقطاع ما بين عبد الله بن محمد ، وبين جده فإن ابن حبان ، وأبا حاتم الرازي ، وصفاه بالرواية ، عن أبيه ، عن جده ، ولم يتعرض أحد لسماعه من جده فيما أعلم فصار الحديث لهذا منقطعا ، وذكره أبو الشيخ من حديث محمد بن عبيد الله ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : أول من أذن في الإسلام بلال ، وأول من أقام عبد الله بن زيد .. .
الحديث . وأما قول الحازمي فتناقضه ظاهر - والله أعلم - وفي حديث شريك ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : قال - صلى الله عليه وسلم - : المؤذن أملك بالأذان ، والإمام أملك بالإقامة . وبنحوه حديث المعارك بن عباد ، عن يحيى بن أبي الفضل ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عمر ، ذكرها أبو الشيخ ، وقال البيهقي : حديث أبي هريرة ليس بمحفوظ .
وفيهما ترجيح لحديث عبد الله بن زيد ، وفي صحيح ابن خزيمة من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم . وفي حديث ابن مسعود عنده : قال - صلى الله عليه وسلم - : لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال ، عن سحوره ، فإنه يؤذن - أو ينادي - ليرجع قائمكم ، ولينبه نائمكم . وفي حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم .
ولم يكن بينهما إلا قدر ما يرقى هذا ، وينزل هذا . وفي حديث أنيسة بنت خبيب : قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا ، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ، ولا تشربوا . فإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال : أمهل حتى أفرغ من سحوري .
قال الإمام أبو بكر : هذا خبر اختلف فيه خبيب بن عبد الرحمن ، رواه شعبة عنه ، عن عمته أنيسة ، فقال : إن ابن أم مكتوم ، أو بلالا ينادي بليل فخبر أنيسة قد اختلفوا فيه في هذه اللفظة ، ولكن قد روى الدراوردي ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة مثل خبر منصور بن زاذان في هذه اللفظة : إن ابن أم مكتوم ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال . وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر . وروى شبيها بهذا المعنى أبو إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة قال : قلت لها : أي ساعة توترين ؟ قالت : ما أوتر حتى يؤذنوا ، وما يؤذنون حتى يطلع الفجر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا أذن عمرو فكلوا واشربوا ، فإذا أذن بلال فارفعوا أيديكم ، فإن بلالا لا يؤذن حتى يصبح .
قال : ولكن خبر أبي إسحاق فيه نظر ؛ لأني لا أقف على سماع أبي إسحاق هذا الخبر من الأسود ، فأما خبر هشام بن عروة فصحيح من جهة النقل ، وليس هذا الخبر يضاد خبر سالم ، عن ابن عمر ، وخبر القاسم ، عن عائشة ؛ إذ جائز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان جعل الأذان بالليل نوبتين بين بلال ، وبين ابن أم مكتوم ، فأمر بلالا أن يؤذن أولا بالليل ، فإذا نزل بلال صعد عمرو فأذن بعده بالنهار ، فإذا جاءت نوبة عمرو بدأ ابن أم مكتوم فأذن بليل ، فإذا نزل صعد بلال بعده بالنهار ، وكان مقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن بلال يؤذن بليل . في الوقت الذي كانت النوبة لبلال في الأذان بالليل ، وكانت مقالته - صلى الله عليه وسلم - : إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل . في الوقت الذي كانت النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يعلم الناس في كلا الوقتين أن أذان الأول منهما هو أذان بليل لا نهار ، وأن أذان الثاني بالنهار لا بالليل ، فأما خبر الأسود ، عن عائشة : وما يؤذنون حتى يطلع الفجر .
فإن له معنيين أحدهما : لا يؤذن جميعهم حتى يطلع الفجر ، لا أنه لا يؤذن أحد منهم ، ألا تراه قد قال في الخبر : إذا أذن عمرو فكلوا واشربوا . ولو كان عمرو لا يؤذن حتى يطلع الفجر لكان الأكل والشرب على الصائم بعد أذان عمرو محرمين ، والمعنى الثاني : أن تكون عائشة أرادت حتى يطلع الفجر الأول ، فيؤذن الثاني منهم بعد طلوع الفجر الأول لا قبله ، وهو الوقت الذي يحل فيه الطعام والشراب - والله أعلم - . وفي كتاب البيهقي ، عن أبي عبد الله ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال : فإن صح رواية أنيسة فقد يجوز أن يكون الأذان نوبا بينهما ، وهذا جائز صحيح ، فإن لم يصح فقد صح خبر ابن عمر ، وابن مسعود ، وسمرة ، وعائشة : أن بلالا كان يؤذن بليل .
وصحح ابن حبان الحديثين ، وقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل الأذان بينهما نوبا . إلى آخره ، واستدرك ذلك عليه الحافظ ضياء الدين في كتاب علله بأن ابن خزيمة شيخه إنما قال : هذا من باب الجواز لا النقل ، ولقائل أن يقول : لعل ابن حبان ظفر في هذا بنقل لم يظفر به غيره ، فلا يحسن الإيراد عليه - والله أعلم - اللهم إلا لو عزا ذلك لابن خزيمة لحسن ، وسيأتي هذا - إن شاء الله تعالى - بمزيد بيان في كتاب الصوم ، وقد ذهب أبو حنيفة أنه لا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها ، وتعاد في الوقت مستدلا بحديث حماد بن سلمة من عند أبي داود ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع فينادي : ألا إن العبد نام . فرجع فنادى : إن العبد نام .
قال أبو داود : ولم يروه عن أيوب إلا حماد . وذكر أبو حاتم الرازي أنه خطأ ، وذكر المروذي أنه قال : في الدنيا أحد روى هذا الحديث . وكان يذكر غلط حماد هذا ، ويفضحه ، ، والصحيح : أيوب ، عن ابن سيرين ، وحميد بن هلال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال هذا الكلام ، وذكر الترمذي ، عن علي ابن المديني أنه قال : حديث حماد بن سلمة - يعني هذا - غير محفوظ ، وأخطأ فيه .
انتهى ، وبيان خطئه من ، وجوه : الأول : رواية أبي داود ، عن أيوب بن منصور ، حدثنا شعيب بن حرب ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، أنبأنا نافع ، عن مؤذن لعمر يقال له : مسروح : أنه أذن قبل الصبح فأمره عمر ، فذكره ، قال الترمذي : وهذا لا يصح ؛ لأنه منقطع فيما بين نافع ، وعمر ، قال أبو داود : ورواه حماد بن زيد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع - أو غيره - أن مؤذنا لعمر ، ورواه الدراوردي ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان لعمر مؤذن يقال له : مسعود ، وهذا أصح من ذلك . الثاني : المعارضة التي أشار إليها أبو عيسى بقوله : الصحيح رواية عبيد الله ، وغير واحد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، والزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن بلالا يؤذن بليل قال : ولو كان حديث حماد بن سلمة صحيحا لم يكن لهذا الحديث معنى ، إذ قال - صلى الله عليه وسلم - : إن بلالا يؤذن بليل . وإنما أمرهم فيما يستقبل فقال : إن بلالا يؤذن بليل ، ولو أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل : إن بلالا يؤذن بليل ، وذكره أبو حاتم الرازي بنحوه ، وقال الأثرم :فأما حديث حماد فإنه خطأ معروف من خطئه ، وإنما أصل الحديث ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن مؤذنا لعمر أذن بليل ، وفي الخلافيات : ، وأما مسلم فإنه اجتهد ، وأخرج من أحاديثه : عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره ، وما سوى حديثه ، عن غير ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثا أخرجها في الشواهد ، وإذا كان الأمر على هذا فالاحتياط لمن راقب الله تعالى ألا يحتج بما يجد في حديثه ما يخالف الثقات ، وهذا من جملتها .
انتهى ، وقد روى الدارقطني في سننه ما يصلح أن يكون شاهدا لحديث حماد ، وفيه ضعف من حديث أبي يوسف القاضي ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس : أن بلالا أذن قبل الفجر ، فذكره ، قال أبو الحسن : أرسله غير أبي يوسف ، عن سعيد ، عن قتادة ، والمرسل أصح ، وما رواه محمد بن القاسم الأسدي ، حدثنا الربيع عن صبيح ، عن الحسن ، عن أنس قال : أذن بلال فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد ، وقال محمد بن القاسم : ضعيف جدا ، وما رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن امرأة من بني النجار قالت : كان بيتي من أطول بيت حول المسجد ، فكان بلال يؤذن عليه الفجر فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر ، فإذا رآه تمطى ثم قال : اللهم إني أحمدك . قال ابن القطان إثره : الصحيح الذي لا اختلاف فيه : إن بلالا يؤذن بليل ، وصحح ابن القطان هذا الحديث ، قال : ولا تعارض بينهما إلا بتقدير أن يكون قوله : إن بلالا يؤذن بليل في سائر العام . وليس كذلك ، إنما كان في وقتين ، يؤيده في الحديث : فكلوا ، واشربوا .
والذي يقال في هذا الخبر : إنه حسن ، وما رواه الدبري عند الدارقطني ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب قال : أذن بلال مرة بليل ثم ما رواه عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر أن بلالا أذن قبل الفجر فغضب النبي صلى الله عليه وسلم .. . الحديث ، قال أبو الحسن : وهم فيه عامر بن مدرك ، عن عبد العزيز ، والصواب : عن شعيب بن حرب عن عبد العزيز ، عن نافع ، عن مؤذن عمر عن عمر من قوله ، وما رواه من جهة حميد بن هلال مرسلا بسند صحيح أن بلالا أذن ليلة بسواد ، قال البيهقي في الخلافيات : رواه إسماعيل بن مسلم ، عن حميد ، عن أبي قتادة ، وحميد لم يلق أبا قتادة فهو مرسل بكل حال ، وما رواه أبو داود من حديث جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تؤذن حتى يستبين الفجر رواه الثوري ، عن جعفر ، ومن جهته أخرجه ابن منده ، ورواه سفيان بن وكيع ، عن أبيه ، عن جعفر ، واعترض الأثرم : بأن إسناده مجهول ومنقطع ، يعني أن شدادا لم يدرك بلالا فيما قاله أبو داود ، وما رواه البيهقي من طريق الحسن بن عمارة ، عن طلحة بن مصرف ، عن سويد بن غفلة ، عن بلال قال : أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا أؤذن حتى يطلع الفجر . قال : وابن عمارة متروك ، وما رواه هارون ، عن حجاج ، عن عطاء ، عن أبي محذورة : أنه كان لا يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يطلع الفجر ، قال الأثرم : حديث ضعيف ، وما رواه البيهقي من جهة أبي بكر النيسابوري : حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن ابن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن بلالا قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما حملك على ذلك ؟ قال : استيقظت ، وظننت أن الفجر طلع .
ولما ذكر أبو حاتم هذا في علله لم يقل إثره إلا ابن أبي محذورة شيخ ، وما رواه الطحاوي من حديث محمد بن بشر ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس يرفعه : لا يغرنكم أذان بلال ، فإن في بصره شيئا ، قال الطحاوي : فأخبر في هذا الإسناد أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى أنه الفجر ، وليس في الحقيقة بفجر ، قال : وقد روينا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن بلالا يؤذن بليل وقد روي عن السلف ما يوافق هذا ، - والله أعلم - .