حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب كفران العشير وكفر دون كفر

من حديث مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء بكفرهن . قيل : أيكفرن ؟ قال : يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان ؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئا - قالت : ما رأيت منك خيرا قط وقال البخاري : كفر دون كفر . والكفر قد يطلق ويراد به الكفر الذي لا ينقل عن الملة مثل كفران العشير ونحوه ، وهذا عند إطلاق الكفر .

فأما إن ورد الكفر مقيدا بشيء فلا إشكال في ذلك كقوله تعالى : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ وإنما المراد هاهنا أنه قد يرد إطلاق الكفر ، ثم يفسر بكفر غير ناقل عن الملة ، وهذا كما قال ابن عباس في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال : ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ، إنه ليس بكفر ينقل عن الملة وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ كفر دون كفر . خرجه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . وعنه في هذه الآية قال : هو به كفر ، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .

وكذا قال عطاء وغيره : كفر دون كفر . وقال النخعي : الكفران كفران : كفر بالله ، وكفر بالمنعم . واستدل البخاري لذلك بحديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا ، وهو قطعة من حديث طويل خرجه في أبواب الكسوف ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق على النساء الكفر ، فسئل عنه ، ففسره بكفر العشير .

وحديث أبي سعيد في هذا المعنى يشبه حديث ابن عباس . وقد خرج هذا المعنى من حديث ابن عمر وأبي هريرة أيضا . وفي المعنى أيضا حديث ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر .

وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . وقوله : من قال لأخيه : يا كافر - فقد باء بها أحدهما .

وللعلماء في هذه الأحاديث وما أشبهها مسالك متعددة : منهم من حملها على من فعل ذلك مستحلا لذلك . وقد حمل مالك حديث من قال لأخيه : يا كافر - على الحرورية المعتقدين لكفر المسلمين بالذنوب . نقله عنه أشهب .

وكذلك حمل إسحاق بن راهويه حديث من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر - على المستحل لذلك . نقله عنه حرب وإسحاق الكوسج . ومنهم من يحملها على التغليظ والكفر الذي لا ينقل عن الملة كما تقدم عن ابن عباس وعطاء .

ونقل إسماعيل الشالنجي عن أحمد ، وذكر له قول ابن عباس المتقدم ، وسأله : ما هذا الكفر ؟ قال أحمد : هو كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض ، فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه . قال محمد بن نصر المروزي : واختلف من قال من أهل الحديث : إن مرتكب الكبائر مسلم وليس بمؤمن - هل يسمى كافرا كفرا لا ينقل عن الملة كما قال عطاء : كفر دون كفر ، وقال ابن عباس وطاوس : كفر لا ينقل عن الملة ؟ على قولين لهم . قال : وهما مذهبان في الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أهل الحديث .

قلت : قد أنكر أحمد في رواية المروذي ما روي عن عبد الله بن عمرو أن شارب الخمر يسمى كافرا ، ولم يثبته عنه مع أنه قد روي عنه من وجوه كثيرة ، وبعضها إسناده حسن . وروي عنه مرفوعا . وكذلك أنكر القاضي أبو يعلى جواز إطلاق كفر النعمة على أهل الكبائر ، ونصب الخلاف في ذلك مع الزيدية من الشيعة ، والإباضية من الخوارج .

ورواية إسماعيل الشالنجي عن أحمد قد توافق ذلك ، فمن هنا حكى محمد بن نصر عن أحمد في ذلك مذهبين . والذي ذكره القاضي أبو عبد الله بن حامد شيخ القاضي أبي يعلى عن أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة ، وقد حكاه عن أحمد . وقد روي عن جابر بن عبد الله أنه سئل : هل كنتم تسمون شيئا من الذنوب الكفر أو الشرك ؟ قال : معاذ الله ، ولكنا نقول مؤمنين مذنبين .

خرجه محمد بن نصر وغيره . وكان عمار ينهى أن يقال لأهل الشام الذين قاتلوهم بصفين : كفروا . وقال : قولوا : فسقوا ، قولوا : ظلموا .

وهذا قول ابن المبارك وغيره من الأئمة . وقد ذكر بعض الناس أن الإيمان قسمان : أحدهما : إيمان بالله ، وهو الإقرار والتصديق به . والثاني : إيمان لله ، وهو الطاعة والانقياد لأوامره .

فنقيض الإيمان الأول الكفر ، ونقيض الإيمان الثاني الفسق ، وقد يسمى كفرا ولكن لا ينقل عن الملة . وقد وردت نصوص اختلف العلماء في حملها على الكفر الناقل عن الملة أو على غيره مثل الأحاديث الواردة في كفر تارك الصلاة . وتردد إسحاق بن راهويه فيما ورد في إتيان المرأة في دبرها أنه كفر ، هل هو مخرج عن الدين بالكلية ؟ أم لا ؟ ومن العلماء من يتوقى الكلام في هذه النصوص تورعا ، ويمرها كما جاءت من غير تفسير مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرج عن الملة .

وحكاه ابن حامد رواية عن أحمد . ذكر صالح بن أحمد وأبو الحارث أن أحمد سئل عن حديث أبي بكر الصديق : كفر بالله تبري من نسب وإن دق ، وكفر بالله ادعاء إلى نسب لا يعلم . قال أحدهما : قال أحمد : قد روي هذا عن أبي بكر ، والله أعلم .

وقال الآخر : قال : ما أعلم ، قد كتبناها هكذا . قال أبو الحارث : قيل لأحمد : حديث أبي هريرة من أتى النساء في أعجازهن فقد كفر ! فقال : قد روي هذا ، ولم يزد على هذا الكلام . وكذا قال الزهري لما سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ليس منا من لطم الخدود وما أشبهه من الحديث ، فقال : من الله العلم ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم .

ونقل عبدوس بن مالك العطار عن أحمد أنه ذكر هذه الأحاديث التي ورد فيها لفظ الكفر ، فقال : نسلمها وإن لم نعرف تفسيرها ، ولا نتكلم فيه ، ولا نفسرها إلا بما جاءت . ومنهم من فرق بين إطلاق لفظ الكفر ، فجوزه في جميع أنواع الكفر سواء كان ناقلا عن الملة أو لم يكن ، وبين إطلاق اسم الكافر ، فمنعه إلا في الكفر الناقل عن الملة ؛ لأن اسم الفاعل لا يشتق إلا من الفعل الكامل . ولذلك قال في اسم المؤمن : لا يقال إلا للكامل الإيمان ، فلا يستحقه من كان مرتكبا للكبائر حال ارتكابه ، وإن كان يقال : قد آمن ، ومعه إيمان .

وهذا اختيار ابن قتيبة . وقريب منه : قول من قال : إن أهل الكتاب يقال : إنهم أشركوا وفيهم شرك ، كما قال تعالى : سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ولا يدخلون في اسم المشركين عند الإطلاق ، بل يفرق بينهم وبين المشركين كما في قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فلا تدخل الكتابية في قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وقد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره . وكذلك كره أكثر السلف أن يقول الإنسان : أنا مؤمن ، حتى يقول : إن شاء الله ، وأباحوا أن يقول : آمنت بالله .

وهذا القول حسن لولا ما تأوله ابن عباس وغيره في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ والله أعلم .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث