باب ظلم دون ظلم
من حديث ابن مسعود قال : لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ - قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أينا لم يظلم نفسه ؟ فأنزل الله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ معنى هذا أن الظلم يختلف : فيه ظلم ينقل عن الملة ، كقوله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وقوله تعالى : وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ؛ فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وأعظم ذلك أن يوضع المخلوق في مقام الخالق ، ويجعل شريكا له في الربوبية وفي الإلهية ، سبحانه وتعالى عما يشركون . وأكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يراد به الكفار كقوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ الآيات ، وقوله : وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ الآيات ، ومثل هذا كثير . ويراد بالظلم ما لا ينقل عن الملة ، كقوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ وقوله : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وحديث ابن مسعود هذا صريح في أن المراد بقوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ - أن الظلم هو الشرك .
وجاء في بعض رواياته زيادة : قال إنما هو الشرك . وروى حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس - أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ ، فدخل ذات يوم فقرأ ، فأتى على هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ إلى آخر الآية ، فانتعل وأخذ رداءه ، ثم أتى أبي بن كعب ، فقال : يا أبا المنذر ، أتيت قبل على هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ وقد ترى أنا نظلم ونفعل ! فقال : يا أمير المؤمنين ، إن هذا ليس بذلك ، يقول الله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إنما ذلك الشرك . خرجه محمد بن نصر المروزي .
وخرجه أيضا من طريق حماد بن زيد ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، أن عمر أتى على هذه الآية - فذكره . وحماد بن سلمه مقدم على حماد بن زيد في علي بن زيد خاصة . وروى أيضا بإسناده ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .
يعني أن الفسق قد يكون ناقلا عن الملة كما قال في حق إبليس : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وقال : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾وقد لا يكون الفسق ناقلا عن الملة كقوله تعالى : وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وقوله في الذين يرمون المحصنات : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وقوله : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وفسرت الصحابة الفسوق في الحج بالمعاصي كلها ، ومنهم من خصها بما ينهى عنه في الإحرام خاصة . وكذلك الشرك منه ما ينقل عن الملة ، واستعماله في ذلك كثير في الكتاب والسنة ، ومنه ما لا ينقل كما جاء في الحديث من حلف بغير الله فقد أشرك وفي الحديث الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ، وسمى الرياء شركا . وتأول ابن عباس على ذلك قوله تعالى : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾قال : إن أحدهم يشرك حتى يشرك بكلبه : لولا الكلب لسرقنا الليلة .
قال تعالى : فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا وقد روي أنها نزلت في الرياء في العمل . وقيل للحسن : يشرك بالله ؟ قال : لا ، ولكن أشرك بذلك العمل عملا يريد به الله والناس ، فذلك يرد عليه .