باب هَلْ يُصَلِّي الإمَامُ بمَنْ حَضَرَ وهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ
باب هَلْ يُصَلِّي الإمَامُ بمَنْ حَضَرَ وهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ ؟ يعني بهذا الباب : أن المطر والطين ، وإن كَانَ عذراً فِي التخلف عَن الجماعة فِي المسجد ، إلا أَنَّهُ عذر لآحاد النَّاس ، وأما الإمام فلا يترك الصلاة لذلك فِي المسجد ، ويصلي جماعة فِي المسجد بمن حضر ، وكذلك يوم الجمعة لا يترك الخطبة وصلاة الجمعة فِي المسجد بمن حضر فِيهِ ، إذا كانوا عدداً تنعقد بهم الجمعة ، وإنما يباح لآحاد النَّاس التخلف عَن الجمعة والجماعات فِي المطر ونحوه ، إذا أقيم شعارهما فِي المساجد . وعلى هَذَا ، فلا يبعد أن يكون إقامة الجماعات والجمع فِي المساجد فِي حال الأعذار كالمطر فرض كفاية لا فرض عين ، وأن الإمام لا يدعهما . وَهُوَ قريب من قَوْلِ الإمام أحمد فِي الجمعة إذا كَانَتْ يوم عيد ، أَنَّهُ يسقط حضور الجمعة عمن حضر العيد ، إلا الإمام ومن تنعقد بِهِ الجمعة ؛ فتكون الجمعة حينئذ فرض كفاية .
والله أعلم . ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يترك إقامة الجمع فِي المطر ، ويدل عَلِيهِ : أَنَّهُ لما استسقى للناس عَلَى المنبر يوم الجمعة ، ومطروا من ذَلِكَ الوقت إلى الجمعة الأخرى ، أقام الجمعة الثانية فِي ذَلِكَ المطر حَتَّى شكي إليه كثرة المطر فِي خطبته يومئذ ، فدعا الله بإمساك المطر عَن المدينة ، وسيأتي الحَدِيْث فِي ( الجمعة ) و ( الاستسقاء ) إن شاء الله سبحانه وتعالى . خرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : قَالَ : 668 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن عَبْد الوهاب ، ثنا حماد بْن زيد ، ثنا عَبْد الحميد - صاحب الزيادي - قَالَ : سَمِعْت عَبْد الله بْن الحارث ، قَالَ : خطبنا ابن عَبَّاس فِي يوم ذي ردغ ، فأمر المؤذن لما بلغ ( حي عَلَى الصلاة ) ، قَالَ : قل : ( الصلاة فِي الرحال ) .
فنظر بعضهم إلى بعض ، كأنهم أنكروا ، فَقَالَ : كأنكم أنكرتم هَذَا ، إن هَذَا فعله من هُوَ خير مني - يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم - ، إنها عزمة ، وإني كرهت أن أحرجكم . وعن حماد ، عَن عاصم ، عَن عَبْد الله بْن الحارث ، عَن ابن عَبَّاس ، نحوه ، غير أَنَّهُ قَالَ : كرهت أن أؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ( بَاب : الكلام فِي الأذان ) ، وفسرنا هنالك معنى ( الروغ ) .
وقوله : ( إنها عزمة ) ، يعني : الجمعة ، والمراد : أَنَّهُ إذا دعا النَّاس إليها بقول المؤذن : ( حي عَلَى الصلاة ) ، فَقَدْ عزم عَلَى النَّاس كلهم أن يأتوه ، فليزمهم ذَلِكَ ؛ فلذلك أبدله بقوله : ( صلوا فِي رحالكم ) . وقوله : ( كرهت أن أحرجكم ) : أي أشدد عليكم ، وأضيق بإخراجكم إلى المساجد فِي الطين ، والحرج : الشدة والضيق . وفي الرواية الأخرى : ( كرهت أن أؤثمكم ) ، كأنه يريد إذا دعاهم إلى هذه الصلاة فِي هَذَا اليوم خشي عليهم الإثم إذا تخلفوا عَن الصلاة مَعَ دعائهم إليها ، فإذا خرجوا حرجوا بخوضهم فِي الطين إلى ركبهم ، وإن قعدوا أثموا .
وظاهر هَذَا يدل عَلَى أن ابن عَبَّاس يرى أن الإمام إذا دعا النَّاس إلى الجمعة فِي الطين والمطر لزمتهم الإجابة ، وإنما يباح لأحدهم التخلف إذا نادى : ( الصلاة فِي الرحال ) . والله أعلم . وقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإمام أحمد ، فيما رواه البيهقي فِي ( مناقب أحمد ) بإسناده ، عَن مُحَمَّد بْن رافع ، قَالَ : سَمِعْت أحمد بْن حنبل يَقُول : إن قَالَ المؤذن فِي أذانه : ( الصلاة فِي الرحال ) فلك أن تتخلف ، وإن لَمْ يقل فَقَدْ وجب عَلَيْك ، إذا قَالَ : ( حي عَلَى الصلاة ، حي عَلَى الفلاح ) .