حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب هَلْ يُصَلِّي الإمَامُ بمَنْ حَضَرَ وهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ

باب هَلْ يُصَلِّي الإمَامُ بمَنْ حَضَرَ وهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ ؟ يعني بهذا الباب : أن المطر والطين ، وإن كَانَ عذراً فِي التخلف عَن الجماعة فِي المسجد ، إلا أَنَّهُ عذر لآحاد النَّاس ، وأما الإمام فلا يترك الصلاة لذلك فِي المسجد ، ويصلي جماعة فِي المسجد بمن حضر ، وكذلك يوم الجمعة لا يترك الخطبة وصلاة الجمعة فِي المسجد بمن حضر فِيهِ ، إذا كانوا عدداً تنعقد بهم الجمعة ، وإنما يباح لآحاد النَّاس التخلف عَن الجمعة والجماعات فِي المطر ونحوه ، إذا أقيم شعارهما فِي المساجد . وعلى هَذَا ، فلا يبعد أن يكون إقامة الجماعات والجمع فِي المساجد فِي حال الأعذار كالمطر فرض كفاية لا فرض عين ، وأن الإمام لا يدعهما . وَهُوَ قريب من قَوْلِ الإمام أحمد فِي الجمعة إذا كَانَتْ يوم عيد ، أَنَّهُ يسقط حضور الجمعة عمن حضر العيد ، إلا الإمام ومن تنعقد بِهِ الجمعة ؛ فتكون الجمعة حينئذ فرض كفاية .

والله أعلم . ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يترك إقامة الجمع فِي المطر ، ويدل عَلِيهِ : أَنَّهُ لما استسقى للناس عَلَى المنبر يوم الجمعة ، ومطروا من ذَلِكَ الوقت إلى الجمعة الأخرى ، أقام الجمعة الثانية فِي ذَلِكَ المطر حَتَّى شكي إليه كثرة المطر فِي خطبته يومئذ ، فدعا الله بإمساك المطر عَن المدينة ، وسيأتي الحَدِيْث فِي ( الجمعة ) و ( الاستسقاء ) إن شاء الله سبحانه وتعالى . خرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : قَالَ : 668 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن عَبْد الوهاب ، ثنا حماد بْن زيد ، ثنا عَبْد الحميد - صاحب الزيادي - قَالَ : سَمِعْت عَبْد الله بْن الحارث ، قَالَ : خطبنا ابن عَبَّاس فِي يوم ذي ردغ ، فأمر المؤذن لما بلغ ( حي عَلَى الصلاة ) ، قَالَ : قل : ( الصلاة فِي الرحال ) .

فنظر بعضهم إلى بعض ، كأنهم أنكروا ، فَقَالَ : كأنكم أنكرتم هَذَا ، إن هَذَا فعله من هُوَ خير مني - يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم - ، إنها عزمة ، وإني كرهت أن أحرجكم . وعن حماد ، عَن عاصم ، عَن عَبْد الله بْن الحارث ، عَن ابن عَبَّاس ، نحوه ، غير أَنَّهُ قَالَ : كرهت أن أؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ( بَاب : الكلام فِي الأذان ) ، وفسرنا هنالك معنى ( الروغ ) .

وقوله : ( إنها عزمة ) ، يعني : الجمعة ، والمراد : أَنَّهُ إذا دعا النَّاس إليها بقول المؤذن : ( حي عَلَى الصلاة ) ، فَقَدْ عزم عَلَى النَّاس كلهم أن يأتوه ، فليزمهم ذَلِكَ ؛ فلذلك أبدله بقوله : ( صلوا فِي رحالكم ) . وقوله : ( كرهت أن أحرجكم ) : أي أشدد عليكم ، وأضيق بإخراجكم إلى المساجد فِي الطين ، والحرج : الشدة والضيق . وفي الرواية الأخرى : ( كرهت أن أؤثمكم ) ، كأنه يريد إذا دعاهم إلى هذه الصلاة فِي هَذَا اليوم خشي عليهم الإثم إذا تخلفوا عَن الصلاة مَعَ دعائهم إليها ، فإذا خرجوا حرجوا بخوضهم فِي الطين إلى ركبهم ، وإن قعدوا أثموا .

وظاهر هَذَا يدل عَلَى أن ابن عَبَّاس يرى أن الإمام إذا دعا النَّاس إلى الجمعة فِي الطين والمطر لزمتهم الإجابة ، وإنما يباح لأحدهم التخلف إذا نادى : ( الصلاة فِي الرحال ) . والله أعلم . وقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإمام أحمد ، فيما رواه البيهقي فِي ( مناقب أحمد ) بإسناده ، عَن مُحَمَّد بْن رافع ، قَالَ : سَمِعْت أحمد بْن حنبل يَقُول : إن قَالَ المؤذن فِي أذانه : ( الصلاة فِي الرحال ) فلك أن تتخلف ، وإن لَمْ يقل فَقَدْ وجب عَلَيْك ، إذا قَالَ : ( حي عَلَى الصلاة ، حي عَلَى الفلاح ) .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث