حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الدعاء في الركوع

باب الدعاء في الركوع 794 - حدثنا حفص بن عمر ، ثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي . في هذا الحديث : دليل على الجمع بين التسبيح والتحميد والاستغفار في الركوع والسجود . وخرج الإمام أحمد من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، قال : لما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، إنك أنت التواب الرحيم ثلاثا .

وأبو عبيدة ، لم يسمع من أبيه ، لكن رواياته عنه صحيحة . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ، من حديث عون بن عبد الله ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات : سبحان ربي العظيم ، وذلك أدناه ، وإذا سجد فليقل : سبحان ربي الأعلى ثلاثا ، وذلك أدناه . وهو مرسل ، يعني : أن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود - : قاله الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم .

وقد روي بهذا الإسناد موقوفا . وقد روي من وجوه أخر عن ابن مسعود مرفوعا - أيضا - ولا تخلو من مقال . وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فافتتح البقرة - وذكر الحديث ، إلى أن قال : ثم ركع فجعل يقول : سبحان ربي العظيم ، وكان ركوعه نحوا من قيامه ، ثم قال : سمع الله لمن حمده ، ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع ، ثم سجد فقال : سبحان ربي الأعلى ، فكان سجوده قريبا من قيامه .

وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث موسى بن أيوب الغافقي : حدثني عمي إياس بن عامر ، قال : سمعت عقبة بن عامر الجهني ، قال : لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوها في ركوعكم ، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوها في سجودكم . موسى ، وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما ، لكن ضعف ابن معين رواياته عن عمه المرفوعة خاصة . وفي صحيح مسلم عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه وسجوده : سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح .

وفيه - أيضا - : عن علي ، أنه وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : وإذا ركع قال : اللهم لك ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وذكر بقية الحديث . وخرجه الترمذي بمعناه ، وعنده : أن ذلك كان يقوله في المكتوبة . وفي إسناد الترمذي لين .

ولكن خرج البيهقي هذه اللفظة بإسناد جيد . وخرج النسائي نحو حديث علي من حديث جابر ومحمد بن مسلمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي حديث محمد بن مسلمة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك في صلاة التطوع .

وخرج - أيضا - هو وأبو داود من حديث عوف بن مالك ، قال : قمت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة ، يقول في ركوعه : سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة . وفي الباب أحاديث أخر متعددة يطول ذكرها . والكلام هاهنا في حكم التسبيح في الركوع ، وفي الدعاء فيه .

فأما التسبيح في الركوع : فمشروع عند جمهور العلماء . قال جابر : كنا نسبح ركوعا وسجودا ، وندعو قياما وقعودا . خرجه البيهقي .

وقال أصحاب مالك : لا بأس به . هكذا في تهذيب المدونة ، قال : ولا حد له . وأما الجمهور ، فأدنى الكمال عندهم ثلاث تسبيحات ، وتجزئ واحدة .

وروي عن الحسن وإبراهيم أن المجزئ ثلاث . وقد يتأول على أنهما أرادا المجزئ من الكمال ، كما تأول الشافعي وغيره حديث ابن مسعود المرفوع الذي فيه : وذلك أدناه على أدنى الكمال . وروي عن عمر ، أنه كان يقول في ركوعه وسجوده قدر خمس تسبيحات .

وعن الحسن ، قال : التام من ذلك قدر سبع تسبيحات . وعنه ، قال : سبع أفضل من ثلاث ، وخمس وسط بين ذلك . وكذا قال إسحاق : يسبح من ثلاث إلى سبع .

وقالت طائفة ، يستحب للإمام أن يسبح خمسا ليدرك من خلفه ثلاثا ، هكذا قال ابن المبارك وسفيان الثوري وإسحاق وبعض أصحابنا . ومنهم من قال : يسبح من خمس إلى عشر . وقال بعض أصحابنا : يكره للإمام أن ينقص عن أدنى الكمال في الركوع والسجود ، ولا يكره للمنفرد ؛ ليتمكن المأموم من سنة المتابعة .

ولأصحابنا وجه : أنه لا يزيد على ثلاث . وذكر القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية : أن الإمام المولى إقامة الحج بالناس ليس له أن ينفر في النفر الأول ، بل عليه أن يلبث بمنى ، وينفر في اليوم الثالث ؛ ليستكمل الناس مناسكهم . وقال أصحاب الشافعي : لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات - ومنهم من قال : خمس - إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل ، ويكونون محصورين لا يزيدون .

وهذا خلاف نص الشافعي في الإمام ، فإنه نص على أنه يسبح ثلاثا ، ويقول مع ذلك ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث علي الذي سبق ذكره . قال : وكل ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه ، إماما كان أو منفردا ، وهو تخفيف لا تثقيل . واختلف أصحابنا في [ .

.] الكمال في التسبيح : هل هو عشر تسبيحات ، أو سبع ؟ ولهم وجهان آخران في حق المنفرد : أحدهما : يسبح بقدر قيامه . والثاني : ما لم يخف سهوا . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أنس ، قال : ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفتى - يعني : عمر بن عبد العزيز - قال : فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات ، وفي سجوده عشر تسبيحات .

ولو لم يسبح في ركوعه ولا سجوده ، فقال أكثر الفقهاء : تجزئ صلاته ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي وغيرهم . وقال أحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق : إن تركه عمدا بطلت صلاته ، وإن تركه سهوا وجب عليه أن يجبره بسجدتي السهو . وقالت طائفة : هو فرض لا يسقط في عمد ولا سهو ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو قول داود ، ورجحه الخطابي ، وقد روى الحسن والنخعي ما يدل عليه ، وهو قول يحيى بن يحيى ، وعلي بن دينار من أئمة المالكية .

قال القرطبي : وقد تأوله المتأخرون بتأويلات بعيدة . ويستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة : إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن . وكذلك سمى الله الصلاة تسبيحا ، كما سماها قرآنا ، فدل على أن الصلاة لا تخلو عن القرآن والتسبيح .

وعلى القول بالوجوب ، فقال أصحابنا : الواجب في الركوع : سبحان ربي العظيم ، وفي السجود : سبحان ربي الأعلى ، لا يجزئ غير ذلك ، لحديث ابن مسعود وعقبة ، وقد سبقا . وقال إسحاق : يجزئ كل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من تسبيح وذكر ودعاء وثناء . وهو قياس مذهبنا في جواز جميع أنواع الاستفتاحات والتشهدات الواردة في الصلاة .

وفي المسند وغيره ، عن أبي ذر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام ذات ليلة بآية يرددها ، بها يقوم ، وبها يركع ، وبها يسجد . والآية : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال أصحاب الشافعي : يستحب أن يأتي بالتسبيح ، ثم يقول بعده : اللهم ، لك ركعت إلى آخره . كما رواه علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قالوا : فإن أراد الاقتصار على أحدهما ، فالتسبيح أفضل . قال بعضهم : والجمع بين التسبيح ثلاثا ، وهذا الذكر أفضل من الاقتصار على التسبيح ، وزيادته على الثلاث . وأما الدعاء في الركوع ، فقد دل حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا على استحبابه ، وعلى ذلك بوب البخاري هاهنا ، وهو قول أكثر العلماء .

وروي عن ابن مسعود . وقال مالك : يكره الدعاء في الركوع دون السجود ، واستدل بحديث علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أما الركوع ، فعظموا فيه الرب ، وأما السجود ، فاجتهدوا فيه في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم . خرجه مسلم .

وروي عن أحمد رواية ، أنه قال : لا يعجبني الدعاء في الركوع والسجود في الفريضة . قال بعض أصحابنا : وهي محمولة على الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين أو نقص بدعائه التسبيح عن أدنى الكمال ، فأما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء .

وفيه - أيضا - عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في سجوده : اللهم اغفر ذنبي كله ، دقه وجله ، أوله وآخره ، وعلانيته وسره . وخرج النسائي من حديث ابن عباس ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجوده : اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا - وذكر الحديث بطوله . وخرجه مسلم ، وعنده : أنه قال في صلاته ، أو في سجوده ، بالشك .

وفي المسند عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات ليلة في سجوده : رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت . وفيه : عنها - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات ليلة في سجوده : رب أعط نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث