باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث
حدثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، قال : سأل رجل أنسا : ما سمعت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في الثوم ؟ فقال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ، ولا يصلين معنا . وخرجه في موضع آخر ، وقال : فلا يقربن مسجدنا . وفي النهي لمن أكلهما عن قربان الناس : دليل على أنه يكره له أن يغشى الناس حتى يذهب ريحها ، ولكن حضوره مجامع الناس للصلاة والذكر ومجالسته لأهل العلم والدين أشد كراهة من حضوره الأسواق ومجالسته الفساق .
ولهذا في حديث جابر المتقدم : وليقعد في بيته . وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على زراعة بصل هو وأصحابه ، فنزل ناس منهم ، فأكلوا منه ، ولم يأكل آخرون ، فرحنا إليه ، فدعا الذين لم يأكلوا البصل ، وأخر الآخرين ، حتى ذهب ريحها . وقد روي عن عمر ، أنه قال : من أكل البصل والكراث فلا يأكله عند قراءة القرآن ، ولا عند حضور المساجد .
خرجه عثمان الدارمي في كتاب الأطعمة . ومن أغرب ما روي في هذا الباب : ما خرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث حذيفة - بالشك في رفعه - : من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثا . وهذا مشكوك في رفعه .
وقد رواه جماعة من الثقات ، فوقفوه على حذيفة بغير شك ، وهو الأظهر . والله أعلم . ويحتمل أن في الكلام حذفا ، تقديره : قالها ثلاثا .
يعني : أنه أعاد هذه الكلمة ثلاث مرات . وقد دلت أحاديث هذا الباب على أن أكل الثوم غير محرم في الجملة ، وإنما ينهى من أكله عن دخول المسجد حتى يذهب ريحه ، وعلى هذا جمهور العلماء . وذهب إلى تحريم أكله طائفة قليلة من أهل الظاهر .
وروي عن بعض المتقدمين - أيضا - والنصوص الصحيحة صريحة برد هذا الكلام . وأما كراهة أكل ذلك ، فمن العلماء من كره أكله نيئا حتى يطبخ ، منهم : عمر وابن عمر والنخعي ، وهو قول أحمد ، وقال : الثوم أشد . وروي عنه رواية ، أنه قال : لا أحب أكل الثوم خاصة ، وإن طبخ ، لأنه لا يذهب ريحه إذا طبخ ، قال : وإن أكله من علة فلا بأس ، وقال : الذي يأكلها يتجنب المسجد ، وكل ما له ريح ، مثل البصل والثوم والكراث والفجل فإنما أكرهه لمكان الصلاة .
وسئل عن أكل ذلك بالليل ؟ فقال : أليس يتأذى به الملك . وظاهر هذا : يدل على كراهة أكل ما له ريح كريهة ، وإن كان وحده . وقد روي عن سعد بن أبي وقاص ، أنه كان إذا أراد أن يأكل الثوم بدا - يعني : خرج إلى البادية .
وعن عكرمة ، قال : كنا نأكله ونخرج من الكعبة . خرجه ابن جرير الطبري . ولو أكله ، ثم دخل المسجد كره له ذلك .
وظاهر كلام أحمد : أنه يحرم ، فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد : إن أكل وحضر المسجد أثم . وهو قول ابن جرير - أيضا - وأهل الظاهر وغيرهم . قال ابن جرير : وإذا وجد منه ريحة في المسجد ، فإن السلطان يتقدم إليه بالنهي عن معاودة ذلك ، فإن خالف وعاد ، أمر بإخراجه من البلد إلى أن تذهب منه الرائحة .
واستدل بحديث عمر - رضي الله عنه - وقد سبق ذكره . وقد استدل قوم من العلماء بأحاديث هذا الباب على أن حضور الجماعة في المساجد ليست فرضا ؛ لأنها لو كانت فرضا لم يرخص في أكل الثوم وينهى من أكله عن حضور المسجد ، وجعلوا أكل هذه البقول التي لها ريح خبيثة عذرا يبيح ترك الجماعة . ورد عليهم آخرون : قال الخطابي : قد توهم هذا بعض الناس ؛ قال : وإنما هو - يعني : النهي عن دخول المسجد - توبيخ له وعقوبة على فعله إذ حرم فضيلة الجماعة .
ونقل ابن منصور ، عن إسحاق ، قال : إن أكل الثوم من علة حادثة به فإن ذلك مباح ، وإن لم يكن علة لا يسعه أكله ، لكي لا يترك الجماعة . وهذا محمول على ما إذا أكله بقرب حضور الصلاة ويعلم [...] فريضة . ودخول المسجد مع بقاء ريح الثوم محرم ، وهو قول طائفة من أصحابنا وابن جرير وغيرهم من العلماء .
ويشهد لهذا : أن الخمر قبل أن تحرم بالكلية كانت محرمة عند حضور الصلاة ، كيلا يمنع من الصلاة ، حيث كان الله قد أنزل فيها : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ فكان منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - ينادي : لا يقرب الصلاة سكران . وفي ضمن ذلك النهي عن السكر بقرب وقت الصلاة ، ثم حرمت بعد ذلك على الإطلاق بالآية التي في سورة المائدة . وقد تقدم نص أحمد بأنه قال : أكرهه في وقت الصلاة ، لمكان المسجد .
وهذا يحتمل كراهة التنزيه ، وكراهة التحريم . وروى ابن وهب ، عن مالك ، أنه سئل عن أكل الثوم يوم الجمعة ؟ فقال : بئسما صنع حين أكل الثوم ، وهو ممن يجب عليه حضور الجمعة . وقد ذكرنا : أن هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحة كريهة ، كالفجل وغيره ، وأن أحمد نص عليه .
وكذلك قال مالك : الكراث كالثوم ، إذا وجدت ريحهما يؤذي . وألحق أصحاب مالك به : كل من له رائحة كريهة يتأذى بها ، كالحراث والحوات . وفيه نظر ، فإن هذا إثر عمل مباح ، وصاحبه محتاج إليه ، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه ، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل ، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة .
وذكر ابن عبد البر ، عن بعض شيوخه ، أنه ألحق بأكل الثوم من كان أهل المسجد يتأذون بشهوده معهم من أذاه لهم بلسانه ويده ، لسفهه عليهم وإضراره بهم ، وأنه يمنع من دخول المسجد ما دام كذلك ، وهذا حسن . وكذلك يمنع المجذوم من مخالطة الناس في مساجدهم وغيره ؛ لما روي من الأمر بالفرار منه . والله أعلم .
وفي تهذيب المدونة : ويقام الذي يقعد في المساجد يوم الخميس وغيره لقراءة القرآن . ولعل مراده : إذا كان يقرأ جهرا ، ويحصل بقراءته أذى لأهل المسجد ، ويشوش عليهم . والله أعلم .