الحَدِيث السَّادِس مَنْ اغْتَسَلَ بِمَاء مشمس فأصابهُ وَضَحٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَه
الحَدِيث السَّادِس عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ اغْتَسَلَ (بِمَاء مشمس) ، فأصابهُ وَضَحٌ ، فَلَا يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَه . هَذَا الحَدِيث غَرِيب (جدًّا ) لَيْسَ فِي السّنَن الْأَرْبَعَة قطعا ، حاشا الصَّحِيحَيْنِ مِنْهُ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي السّنَن الْكَبِير ، و الْمعرفَة للبيهقي ، وَلَا فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ ، و علله ، وَلَا فِي المسانيد ، فِيمَا فحصت عَنهُ عدَّة سِنِين فَوق الْعشْرَة ، وسؤالي لبَعض الْحفاظ بِمصْر ، والقدس ، ودمشق عَنهُ ، فَلم يعرفوه . (إلاَّ أَنِّي ظَفرت بِهِ) فِي (مشيخة) قَاضِي المرستان ، فِي أَوَاخِر الْجُزْء الْخَامِس مِنْهَا ، وَقد أخبرنَا بهَا : المُسْنِد ، أَبُو عبد الله ، مُحَمَّد بن أَحْمد بن (خَالِد) الفارقي ، أَنا الْعِزّ الْحَرَّانِي سَمَاعا ، والنجيب إجَازَة ، أخبرنَا ابْن الخُرَيف ، ضِيَاء (الدَّين) بن أبي الْقَاسِم ، سَمَاعا ، أَنا القَاضِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْبَزَّاز ، الْمَعْرُوف بقاضي المرستان ، أَنا أَبُو الْحسن عَلّي بن جَامع النَّيْسَابُورِي ، أَنا أَبُو بكر بن عبد ربه ، أَنا أَبُو مُسلم فَارس بن المظفر بن غَالب ، أَنا (أَبُو عمر مُحَمَّد) بن عَمْرو بن أَحْمد الْمُقْرِئ ، أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الإِسماعيلي ، أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن هَارُون بن حميد بن [ المجدر ] ، وثنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مَيْمُون الْبَصْرِيّ ، نَا عَلّي بن (الْحسن) بن يعمر ، عَن عمر بن (صُبْح) ، عَن مقَاتل بن حَيَّان ، عَن الضَّحَّاك ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : من احْتجم يَوْم الْأَرْبَعَاء ، أَو السبت ، فَأَصَابَهُ داءٌ فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، وَمن اغْتسل (بالمشمس) فَأَصَابَهُ وَضَحٌ ، فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، ومَنْ بَال فِي مستنقع ، مَوضِع وضوئِهِ ، فَأَصَابَهُ وسواس فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، وَمن تَعَرَّى فِي غير كِنٍّ ، فَخُسِفَ بِهِ فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، وَمن نَام وَفِي يَده غَمَرُ الطَّعَام ، فَأَصَابَهُ لَمَمٌ فَلَا يلومنَّ إِلَّا نَفسه ، وَمن نَام بعد الْعَصْر ، فاختلس عقله فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، وَمن شَبَّك فِي صلَاته ، فَأَصَابَهُ زحِيْرٌ فَلَا يلومنَّ إِلَّا نَفسه .
( حَدِيث واهٍ ) ، (عمرُ) بن صبح : كَذَّاب ، اعْترف بِالْوَضْعِ ، والضَحَّاك : لَمْ يَلْقَ ابْن عَبَّاس ، وَابْن [ المجدر ] : صَدُوق ، لكنه نَاصِبِيٌّ منحرفٌ عَن (الْحق ) . وَفِي الْبَاب - أَيْضا - فِي النَّهْي عَن المشمس : حَدِيث أنس ، وَله طَرِيقَانِ : أَولهمَا : عَن سوَادَة ، عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أنَّه سمع النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : لَا تغتسلوا (بِالْمَاءِ) الَّذِي يُسَخَّن فِي الشَّمْس ، فإنَّه يُعْدِي من البَرَصِ . رَوَاهُ الْعقيلِيّ ، وَغَيره ، من حَدِيث : عَلّي بن هَاشم الْكُوفِي ، عَن سوَادَة ، بِهِ كَمَا تقدم ، ثمَّ قَالَ : سوَادَة مَجْهُول بِالنَّقْلِ ، حَدِيثه غير مَحْفُوظ .
وَقَالَ البُخَارِيّ : كَانَ ( عليٌّ وهَاشِم غاليين) فِي مَذْهَبهمَا . يَعْنِي التَّشَيُّع . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ (عليٌّ) غاليًا فِي التَّشَيُّع ، ويروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير .
وَثَانِيهمَا : عَن زَكَرِيَّا بن حَكِيم ، عَن الشّعبِيّ ، عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تغسلوا صِبْيَانكُمْ بِالْمَاءِ الَّذِي يسخن بالشمس ، فإنَّه يُورث البَرَص . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْجُزْء النيف والثمانين من أَفْرَاده ، كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام ، وَهِي طَريقَة غَرِيبَة ، ( قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تَفَرَّد بِهِ زَكَرِيَّا بن حَكِيم ، عَن الشّعبِيّ ، وَلم يروه) عَنهُ (غير) أبي اليسع ، أَيُّوب بن سُلَيْمَان . قلت : زَكَرِيَّا هَذَا ضَعِيف بِمرَّة .
قَالَ فِيهِ أَحْمد ، وَيَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وقَالَ مرّة : لَيْسَ بِثِقَة . وَكَذَلِكَ قَالَ النَّسَائِيّ .
وَقَالَ عليٌّ : هَالك . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَأما أَيُّوب بن سُلَيْمَان ، الرَّاوِي عَنهُ : فَهُوَ المكفوف ، قَالَ الْأَزْدِيّ : غير حجَّة .
فَتَلَخَّص : أَن الْوَارِد فِي النَّهْي عَن اسْتِعْمَال المَاء المشمس ، من جَمِيع طرقه بَاطِل ، لَا يصحّ ، وَلَا يحلُّ (لأحدٍ) الِاحْتِجَاج بِهِ . وَمَا (قَصَّرَ) ابنُ الْجَوْزِيّ فِي نسبته إِلَى الْوَضع فِي حَدِيث عَائِشَة وأَنس ، وَقَوله فِي كل مِنْهُمَا : هَذَا حَدِيث لَا يصحّ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن : لَا يصحُّ .
وَقَالَ فِي الْمعرفَة : لَا يثبت الْبَتَّةَ . وَقَالَ الْعقيلِيّ الْحَافِظ : لَا يصحُّ فِي المَاء المشمس حَدِيث مُسْند ، إنَّما يرْوَى فِيهِ شَيْء عَن عمر بن الْخطاب من قَوْله . وَسَيَأْتِي ذَلِك قَرِيبا .
ثمَّ بَينه بعد ذَلِك لما وَقع لأبي عبد الله ، مُحَمَّد بن معن الدِّمَشْقِي فِي كِتَابه الَّذِي وَضعه عَلَى الْمُهَذّب ، الْمُسَمَّى ب التنقيب ، فإنَّه لمَّا ذكر حَدِيث عَائِشَة الْمُتَقَدّم ، قَالَ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي كِتَابَيْهِمَا . هَكَذَا هُوَ ثَابت فِي كل النّسخ ، وَلَا أَدْرِي كَيفَ وَقع لَهُ هَذَا الْغَلَط الْقَبِيح ، (وَمن أَيْن أَخذه) ؟ ! ، وَقد (وَقع فِي) الْكتاب الْمَذْكُور أَمْثَال ذَلِك ، لَعَلَّنَا نُنَبِّه عَلَيْهَا فِي مواطنها - إِن شَاءَ الله ذَلِك وقَدَّره . انْقَضَى الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب ، بِحَمْد الله وعونه .