الحَدِيث الثَّانِي عشر لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ
الحَدِيث الثَّانِي عشر أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح . رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث سعيد بن الْمسيب أنَّه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ (الصَّوْم) فُهوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ .
وَ (لَخَلُوفُ) فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عَنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ . وَفِي رِوَايَة لَهما : فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : لَخلْفَةُ .
وَرَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَذكر حَدِيثا فِيهِ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ منْ رِيحِ المِسْكِ . وروياه جَمِيعًا من حَدِيث أبي صَالح الزيات أنَّه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ الله عزَّ وجلَّ : الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ ، يدع شَهْوَته وَأكله وشربه من أَجلي ، وَالصَّوْم جنَّة ، وللصائم فرحتان ، فرحة حِين يفْطر وفرحة حِين يلقى الله عزَّ وجلَّ . ولخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك .
زَاد مُسلم : يَوْم الْقِيَامَة . (وَأخرجه مُسلم من رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَيْضا مُنْفَردا بِهِ) قَالَ عبد الْحق : انْفَرد بهَا (م) . وأمَّا الْحميدِي فعزاها إِلَيْهِمَا .
وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده من رِوَايَة عَلّي - كرَّم الله وَجهه - مَرْفُوعا بِهَذَا اللَّفْظ ، ثمَّ قَالَ : لَا (نعلمهُ) يرْوَى عَن عَلّي إلاَّ من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الإِسناد . وَأخرجه أَحْمد من رِوَايَة الْحَارِث بن مَالك الْأَشْعَرِيّ ، وَلَفظه : وَإِنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ منْ رَائِحَةِ المِسْكِ . وَهُوَ حَدِيث طَوِيل .
وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا بِطُولِهِ . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا بِلَفْظ : وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ منْ رِيحِ المِسْكِ . فَائِدَة : الخُلوف - مضموم الْخَاء لَا غير - : التَّغَيُّر فِي الْفَم ، يُقَال : خَلَفَ يَخْلُفُ - بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالضَّم فِي الْمُسْتَقْبل - خلوفًا ، كقعد يقْعد قعُودا .
وَعَن بعض الْمُحدثين أَنه فتح (الْخَاء) فخطأ فِيهِ ، قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي الْمَشَارِق : قيدناه عَن (المتقنين) بِضَم الْخَاء ، وَأكْثر الْمُحدثين يَرْوُونَهُ بِفَتْح الْخَاء ، وَهُوَ خطأ عِنْد أهل الْعَرَبيَّة ، وبالوجهين ضبطناه عَن الْقَابِسِيّ . وَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح : كثير من الْمُحدثين يفتحون الْخَاء ، وَهُوَ خطأ ، وَالْمعْنَى يُفْسِدهُ ؛ فَإِن الخلوف بِفَتْح الْخَاء : هُوَ الشَّخْص الَّذِي يكثر خَلفه فِي وعده . ذكر ذَلِكَ الْخطابِيّ عادًا لَهُ فِي غلطاتهم .
فَائِدَة أُخْرَى لَهَا تعلق بِهَذَا الحَدِيث ، وَهِي : اخْتلف الْعلمَاء فِي مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : كُلُّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إلاَّ الصَّوم ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة . ذكر أَبُو الْخَيْر الطَّالقَانِي فِيهِ خَمْسَة وَخمسين قولا . وَمن أحْسنهَا قَولَانِ : (أَحدهمَا) : - وَهُوَ الْمَشْهُور - أَن الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف إلاَّ الصَّوم .
الثَّانِي : أنَّه يَوْم الْقِيَامَة (يتَعَلَّق) خصماؤه بِجَمِيعِ أَعماله ، إلاَّ الصَّوْم ، فَلَا سَبِيل لَهُم عَلَيْهِ ، فإنَّه لله ، (فَإِذا) لم يبْق إلاَّ الصَّوْم (فيتحمل) الله مَا بَقِي من الْمَظَالِم ، ويدخله الجنَّة بالصَّوم . قَالَه سُفْيَان بن عُيَيْنَة . قَالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ : أحسن مَا أول الحَدِيث بِهِ أنَّ الصَّوْم لم يُعْبَد (بِهِ) غير الله - تَعَالَى - وَمَا عداهُ من الْعِبَادَات تقربُوا بهَا إِلَى آلِهَتهم .
وَالصَّوْم صَبر . قَالَ - تَعَالَى - : (إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب) . (فَائِدَة ثَالِثَة) : وَقع نزاع بَين الشَّيْخَيْنِ الإِمامين العالِمين ، تَقِيّ الدَّين أبي عَمْرو بن الصّلاح وَعز الدَّين أبي مُحَمَّد بن عبد السَّلام فِي أنَّ هَذَا الطّيب فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أم فِي الْآخِرَة خَاصَّة ؟ فَقَالَ الشَّيْخ عز الدَّين : فِي الْآخِرَة خَاصَّة ، مستدلًا بِرِوَايَة مُسلم : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ منْ رِيحِ المِسْكِ يَوْم الْقِيَامَة .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : عَام فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . مستدلًا بأنَّ الإِمام أَبَا حَاتِم ابْن حبَان قَالَ فِي صَحِيحه بَاب فِي كَون ذَلِكَ (فِي) يَوْم الْقِيَامَة . ثمَّ رُوِيَ (بِسَنَدِهِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ منْ رِيحِ المِسْكِ .
(ثمَّ قَالَ) : بَاب فِي كَونه فِي الدُّنيا . ثمَّ رَوَى فِي هَذَا الْبَاب بِإِسْنَادِهِ الثَّابِت من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ من الطّعَامِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ منْ رِيحِ المِسْكِ . وَرَوَى الإِمام الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه (أنَّ) النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُعْطِيتْ أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَان خَمْسًا .
وَأَمَّا الثَّانِيَة فَإِنَّهُم يُمْسُون وُخُلوفُ أَفْواهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ منْ رِيحِ المِسْكِ . قَالَ السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ : هَذَا حَدِيث حسن . وكلّ وَاحِد من الْحَدِيثين مُصَرِّح بأنَّه فِي وَقت وجود الخلوف فِي الدُّنْيَا يتحقّق وَصفه بِكَوْنِهِ أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك .
قَالَ : وَقد (قَالَ) الْعلمَاء شرقًا وغربًا مَعْنَى مَا ذكرته فِي تَفْسِيره ، ثمَّ عدد أَقْوَالهم . ثمَّ قَالَ : لم يذكر أحد مِنْهُم تَخْصِيصًا . وإنَّما جزموا بأنَّه عبارَة عَن الرِّضَى وَالْقَبُول وَنَحْوهمَا مِمَّا هُوَ ثَابت فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .
قَالَ : وأمَّا ذكر يَوْم الْقِيَامَة (فِي تِلْكَ الرِّوَايَة) فلأنَّه يَوْم الْجَزَاء . وَفِيه يظْهر رُجْحَان الخلوف فِي الْمِيزَان عَلَى الْمسك الْمُسْتَعْمل لدفع الرَّائِحَة الكريهة طلبا لرضى الله - تَعَالَى - حَيْثُ يُؤمر باجتنابها (وَاخْتِلَاف) الرَّائِحَة الطّيبَة كَمَا فِي (الْمَسَاجِد) والصلوات وَغَيرهَا من الْعِبَادَات ، فخصَّ يَوْم الْقِيَامَة بالذِّكر فِي رِوَايَة كَذَلِك كَمَا خصَّ فِي قَوْله تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾) ، وَأطلق فِي بَاقِي الرِّوَايَات نظرا إِلَى أنَّ أصل أفضليته ثَابت فِي الدَّارين . فَائِدَة رَابِعَة : لما اسْتدلَّ الرَّافِعِيّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى كَرَاهَة السِّواك للصَّائِم بعد الزَّوال ، قَالَ : وَجه الدّلَالَة أنَّه أثر عبَادَة مشهود لَهُ بالطيب ، فكره إِزَالَته كَدم الشَّهيد .
وَأَشَارَ بِطيب دم الشَّهِيد إِلَى حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قَالَ : لَا (يُكْلَمُ) أحدٌ فِي سَبِيل الله عزَّ وجلَّ ، وَالله أعلم بِمن يكلم فِي سَبيله ، إلاَّ جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وجرحه يثعب ، اللَّوْن لون الدَّم وَالرِّيح ريح الْمسك ، متَّفق عَلَيْهِ . وَلَو عبر الإِمام الرَّافِعِيّ بدل قَوْله : فكره إِزَالَته بقوله : فَكَانَ إبقاؤه راجحًا عَلَى إِزَالَته ، لَكَانَ أولَى لِأَن إِزَالَة دم الشَّهِيد حرَام لَا مَكْرُوهَة ، فَلم يستو الْمَقِيس (و) الْمَقِيس عَلَيْهِ فِي الحكم .