الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ كَانَ يخلل لحيته ويدلك عارضيه بعض الدَّلك
الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يخلل لحيته ويدلك عارضيه بعض الدَّلك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ من حَدِيث عبد الحميد بن حبيب ، نَا الْأَوْزَاعِيّ ، نَا عبد الْوَاحِد بن قيس ، حَدَّثَني نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا تَوَضَّأ عَرك عارضيه بعض العرك ، ثمَّ شَبكَ لحيته بأصابعه من تحتهَا . وأعل بِثَلَاث علل : أَحدهَا : عبد الحميد بن حبيب هَذَا هُوَ ابْن أبي الْعشْرين ، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لم يكن صَاحب حَدِيث ، وَضَعفه دُحَيْم .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَعَن أَحْمد توثيقه . الثَّانِيَة : قَالَ الْبَيْهَقِيّ : اخْتلفُوا فِي عَدَالَة عبد الْوَاحِد بن قيس ؛ فوثقه يَحْيَى بن معِين .
وأَبَاهُ يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ . انْتَهَى كَلَامه . وَقَالَ النَّسَائِيّ فِيهِ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يحتجّ بِهِ . وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ ، عَن يَحْيَى بن معِين أنَّه مرّة ضعفه وَمرَّة وَثَّقَهُ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أنَّه لَا بَأْس بِهِ . وَتَركه البرقاني . وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم : مُنكر الحَدِيث .
الْعلَّة الثَّالِثَة : التَّعْلِيل بالإِرسال وَالْوَقْف . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ ابْن أبي حَاتِم : - ورأيته أَنا بعد ذَلِكَ فِي علله - قَالَ أبي : رَوَى هَذَا الحَدِيث الْوَلِيد ، عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن عبد الْوَاحِد ، عَن يزِيد الرقاشِي ، وَقَتَادَة قَالَا : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .. . مُرْسلا وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَرَوَاهُ أَبُو الْمُغيرَة ، عَن الْأَوْزَاعِيّ مَوْقُوفا . ثمَّ أسْندهُ عَن ابْن عمر من غير طَرِيق ابْن أبي الْعشْرين . وصَوَّب الدَّارَقُطْنِيّ الْمَوْقُوف ، وَأخرج هَذَا الحَدِيث عبد الحقّ فِي أَحْكَامه الصُّغْرَى .
قَالَ : وَالصَّحِيح أنَّه فعل ابْن عمر غير مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . قَالَ ابْن الْقطَّان : هَذَا نَص كَمَا ذكر وَلم يبين علته ، وَقد يظنّ أنَّ تَعْلِيله إِيَّاه هُوَ مَا ذكر من وَقفه وَرَفعه ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيح ، فإنَّه إنَّما يَصح أَن يكون هَذَا عِلّة لَو كَانَ رافعه ضَعِيفا وواقفه ثِقَة ، فَفِي مثل هَذَا الْحَال كَانَ يصدق قَوْله : الصَّحِيح مَوْقُوف من فعل ابْن عمر أمَّا إِذا كَانَ رافعه ثِقَة وواقفه ثِقَة فَهَذَا لَا يضرّهُ ، وَلَا هُوَ عِلّة فِيهِ ، وَهَذَا حَال هَذَا الحَدِيث ، فإنَّ رافعه عَن الْأَوْزَاعِيّ هُوَ عبد الحميد بن حبيب بن أبي الْعشْرين كَاتبه ، وواقفه عَنهُ هُوَ أَبُو الْمُغيرَة ، وَكِلَاهُمَا ثِقَة ، فالقضاء للْوَاقِف عَلَى الرافع يكون خطأ ، وَبعد هَذَا فعلة الْخَبَر هِيَ غير ذَلِكَ ، وَهِي : ضعف عبد الْوَاحِد بن قيس رَاوِيه عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، وَعنهُ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ فِي الْوَجْهَيْنِ ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : عبد الْوَاحِد بن قيس الَّذِي رَوَى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ : شبه لَا شَيْء . وَإِذا الْمَوْقُوف الَّذِي صحّح لابدَّ فِيهِ من عبد الْوَاحِد بن قيس فَلَيْسَ إِذا بِصَحِيح ، وَالدَّارَقُطْنِيّ لم يقل فِي الْمَوْقُوف : صَحِيح وَلَا أصحّ ، إنَّما قَالَ : إنَّ رِوَايَة أبي الْمُغيرَة بوقفه هُوَ الصَّوَاب ؛ فَاعْلَم ذَلِكَ .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : عبد الحقّ تبع الدَّارَقُطْنِيّ فِيمَا قَالَ . وَقَول ابْن الْقطَّان : إنَّما كَانَ يَصح أَن يكون هَذَا عِلّة ، لَو كَانَ رافعه ضَعِيفا وَوَافَقَهُ ثِقَة فِي هَذَا الْحصْر نظر ، فقد يَأْخُذُونَ ذَلِكَ من كَثْرَة الواقفين ، أَو تَقْدِيم مرتبَة الْوَاقِف عَلَى الرافع ، ولعلَّ هَذَا مِنْهُ عِنْد من قَالَ ذَلِكَ ، فإنَّ أَبَا الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَعبد الحميد رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَوَثَّقَهُ الرَّازِيّ ، وَقَالَ ابْن معِين : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ الْعجلِيّ قَرِيبا مِنْهُ .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ البُخَارِيّ : شَامي رُبمَا يُخَالف فِي حَدِيثه . وقَدَّمه هِشَام بن عمار عَلَى أَصْحَاب الْأَوْزَاعِيّ فَقَالَ فِي حِكَايَة : أوثق أَصْحَابه كَاتبه عبد الحميد قَالَ الشَّيْخ : وَلَعَلَّ أَبَا الْحسن بن الْقطَّان أَرَادَ إنَّما يَصح ذَلِكَ فِي النّظر الصَّحِيح عِنْده .
وَقَالَ شَيخنَا أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي : أمَّا مَا ذكره ابْن الْقطَّان فَلَيْسَ بَعيدا من حَيْثُ النّظر ، إِذا اسْتَويَا فِي مرتبَة الثِّقَة وَالْعَدَالَة أَو تقاربا ، كَمَا هُوَ هَا هُنَا ؛ لأنَّ الرّفْع زِيَادَة عَلَى الْوَقْف ، وَقد جَاءَ عَن ثِقَة فسبيله الْقبُول ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي زَعمه ابْن الصّلاح ، فَإِن كَانَ نظرا مِنْهُ فَهُوَ نظر صَحِيح ، وَإِن كَانَ نقلا عَمَّن تقدمه فَلَيْسَ للنَّاس فِي ذَلِكَ عمل مطرد ، وَأَبُو الْمُغيرَة احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَابْن أبي الْعشْرين رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه ، وَقَالَ ابْن معِين : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ الْعجلِيّ قَرِيبا من ذَلِكَ . وَذكر مقَالَة النَّسَائِيّ وَالْبُخَارِيّ الْمُتَقَدّمَة ، ثمَّ قَالَ : فَإِن كَانَ عبد القدوس مرجحًا عَلَى عبد الحميد فإنَّ لعبد الحميد اختصاصًا بالأوزاعي يُوجب لَهُ مزية فِيمَا يروي عَنهُ - كَانَ كَاتبه - وقَدَّمه هِشَام بن عمار عَلَى أَصْحَاب الْأَوْزَاعِيّ ، فَقَالَ فِي حِكَايَة : أوثق أَصْحَابه كَاتبه عبد الحميد وَعرف عَن يَحْيَى بن معِين أنَّ قَوْله : لَيْسَ بِهِ بَأْس يَعْنِي بِهِ الثِّقَة ، فَلَيْسَ يقصر فِي الْأَوْزَاعِيّ عَن دَرَجَة أبي الْمُغيرَة وَإِن احْتمل أَن يقصر عَنهُ فِي غَيره .
قَالَ : وأمَّا رد ابْن الْقطَّان الْخَبَر بِعَبْد الْوَاحِد بن قيس فَلَيْسَ فِي عبد الْوَاحِد كَبِير أَمر ، عبد الْوَاحِد مُخْتَلف فِي حَاله ، وَثَّقَهُ ابْن معِين ، وأباه البُخَارِيّ ، وَيَحْيَى الْقطَّان ، وَقَالَ ابْن عدي : ضَعِيف ، وَإِذا رَوَى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ فَهُوَ صَالح . وَهَذَا من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَنهُ ، وأمَّا أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق فإنَّه قد صحّح ذَلِكَ عَن ابْن عمر من فعله ، وَلَيْسَ إِلَّا الِاعْتِمَاد عَلَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي تَرْجِيح مَوْقُوف هَذَا الْخَبَر عَلَى مرفوعه ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَصْحِيح الْمَوْقُوف مُطلقًا . فتلخص أَن للحفاظ فِي هَذَا الحَدِيث اضْطِرَاب تَرْجِيح ، وَأَرْجُو أَن يكون حسنا ، وَذكره ابْن السكن فِي صحاحه وتنبه لأمر آخر يتعلَّق بِالْكِتَابَةِ ، وَهُوَ أَن الحَدِيث الَّذِي أوردته مَوْجُود كَذَلِك فِي عدَّة نسخ من الرَّافِعِيّ ، وَفِي بَعْضهَا ضرب عَلَى قَوْله : كَانَ يخلل لحيته ، وَوصل الثَّانِي بِحَدِيث عُثْمَان الْمُتَقَدّم .
وَهُوَ هَكَذَا فِي هَذِه النُّسْخَة ، وَعَن عُثْمَان : أنَّ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يخلل لحيته ويدلك عارضيه وَهَذِه النُّسْخَة معتنى بهَا ؛ فَإِن صَحَّ ذَلِكَ فَلم أر هَذِه الْجُمْلَة فى حَدِيث عُثْمَان ، فَاعْلَم ذَلِكَ .