الحَدِيث السَّابِع الْوضُوء مِمَّا خرج
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أَنه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم - قَالَ : الْوضُوء مِمَّا خرج . هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا عَلَى أَن النَّادِر ينْقض ، فَقَالَ : لنا ظَاهر مَا رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : الْوضُوء مِمَّا خرج وَنَحْو ذَلِك . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا من حَدِيث الْفضل بن الْمُخْتَار ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن شُعْبَة مولَى ابْن عَبَّاس ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضي اللهُ عَنهما - مَرْفُوعا : الْوضُوء مِمَّا يخرج وَلَيْسَ مِمَّا يدْخل وَسبب ضعفه : الْفضل بن مُخْتَار وَشعْبَة هَذَا .
أما الأول : قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ مَجْهُول ، وَأَحَادِيثه مُنكرَة يحدث بالأباطيل . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : مُنكر الحَدِيث جدًّا . وَقَالَ ابْن عدي : لَعَلَّ الْبلَاء فِي هَذَا الحَدِيث مِنْهُ لَا من شُعْبَة ؛ لِأَن لَهُ أَحَادِيث مُنكرَة وعامتها لَا يُتَابع عَلَيْهَا .
قَالَ : وَالْأَصْل فِي هَذَا الحَدِيث أَنه مَوْقُوف . وَأما الثَّانِي : فَقَالَ مَالك فِيهِ : لَيْسَ بِثِقَة . كَذَا نَقله ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ عَنهُ ، وَكَذَا عبد الْحق فِي أَحْكَامه ، وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَيْهِ فَقَالَ : هَذَا قلَّة إنصاف من عبد الْحق ؛ فَإِن مَالِكًا لم يُضعفهُ ، وَإِنَّمَا شح عَلَيْهِ بِلَفْظ ثِقَة وَقد كَانُوا بهَا أشحاء .
وَقَالَ البُخَارِيّ : إِن مَالِكًا تكلم فِي شُعْبَة هَذَا ، وَيحْتَمل مِنْهُ - يَعْنِي من شُعْبَة - وَنِهَايَة مَا يُوجد لمَالِك فِيهِ أَنه قَالَ : لم يكن يشبه الْقُرَّاء . وَقَالَ يَحْيَى فِيهِ : لَا يكْتب حَدِيثه . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِهِ بَأْس .
وَكَذَا قَالَ أَحْمد : ومُرَاد يَحْيَى بقوله : لَيْسَ بِهِ بَأْس أَنه ثِقَة ، كَمَا نَقله عَنهُ ابْن أبي خَيْثَمَة . وَقَالَ السَّعْدِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : ضَعِيف الحَدِيث .
وَقَالَ ابْن عدي : لم أر لَهُ حَدِيثا مُنْكرا جدًّا فأحكم عَلَيْهِ بالضعف ، وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ وَلم أجد لَهُ أنكر من هَذَا الحَدِيث ، وَلَعَلَّ الْبلَاء فِيهِ من الْفضل . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا حَدِيث لَا يثبت عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم - . قَالَ : وَرَوَاهُ وَكِيع ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي ظبْيَان ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه ذكر عِنْده الْوضُوء من الطَّعَام - قَالَ الْأَعْمَش مرّة : والحجامة للصَّائِم - فَقَالَ : إِنَّمَا الْوضُوء مِمَّا خرج وَلَيْسَ مِمَّا دخل ، وَإِنَّمَا الْفطر مِمَّا دخل وَلَيْسَ مِمَّا خرج .
قلت : وأخرجه شُعْبَة فِي مُسْنده ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن يَحْيَى بن وثاب قَالَ : سَأَلت ابْن عَبَّاس عَن الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار ، قَالَ : لَا ؛ إِنَّمَا الْوضُوء مِمَّا خرج وَلَيْسَ مِمَّا دخل ، إِنَّمَا يدْخل طيبا وَيخرج خبيثًا . وَقد ضعف طَريقَة الرّفْع من الْمُتَأَخِّرين : عبد الْحق فِي أَحْكَامه ، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه وَعلله فَقَالَ فِي تَحْقِيقه بعد أَن ضعفه بشعبة وَالْفضل : وكَلَام ابْن عدي السالف إِنَّمَا يحفظ هَذَا الْكَلَام عَن ابْن عَبَّاس . كَذَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور ، وَنقل فِيهِ عَن النَّسَائِيّ أَنه قَالَ فِي شُعْبَة السالف : لَيْسَ بِثِقَة ، وَهُوَ خلاف مَا نَقله عَنهُ فِي ضُعَفَائِهِ من قَوْله : إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ كَمَا أسلفناه .
وَقَالَ فِي علله : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ثمَّ ضعفه بِمَا سلف ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ أَيْضا عَن عَلّي بن أبي طَالب من قَوْله قَالَ : مُرَاده وَمُرَاد ابْن عَبَّاس ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار . قلت : وَرُوِيَ أَيْضا عَن عبد الله بن مَسْعُود من قَوْله ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث الثَّوْريّ ، عَن وَائِل بن دَاوُد ، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ : إِنَّمَا الْوضُوء مِمَّا خرج وَلَيْسَ مِمَّا دخل ، وَالصَّوْم مِمَّا دخل وَلَيْسَ مِمَّا خرج ثمَّ ظَفرت بعد ذَلِك للْحَدِيث بطرِيق أُخْرَى مَرْفُوعَة لَكِنَّهَا واهية جدًّا رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث عبيد الله بن زحر ، عَن عَلّي بن يزِيد ، عَن الْقَاسِم ، عَن أبي أُمَامَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أكل الْعرق وَأَتَاهُ الْمُؤَذّن فَقَالَ : الْوضُوء مِمَّا خرج وَلَيْسَ علينا فِيمَا دخل . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : عبيد الله لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَعلي مَتْرُوك .
وَقَالَ ابْن حبَان : عبيد الله يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات ، وَإِذا رَوَى عَن عَلّي أَتَى بالطامات . قَالَ : وَإِذا اجْتمع فِي إِسْنَاد خبر عبيد الله بن زحر ، وَعلي بن يزِيد ، وَالقَاسِم أَبُو عبد الرَّحْمَن لم يكن متن ذَلِك الْخَبَر إِلَّا مِمَّا عملته أَيْديهم . قلت : قد اجْتَمعُوا هُنَا ؛ فنسأل الله السَّلامَة .
وَقَول الإِمَام الرَّافِعِيّ بعد إِيرَاد هَذَا الحَدِيث : وَنَحْو ذَلِك . أَرَادَ وَنَحْوه من الْأَدِلَّة ، فيستدل لَهُ بِالْحَدِيثِ الْخَامِس أَنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم أوجب من الْمَذْي الْوضُوء وَقد تقدم وَاضحا ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يقْتَصر عَلَى هَذَا عوضا عَمَّا ذكره ؛ فَإِنَّهُ حَدِيث ثَابت دون مَا اسْتدلَّ بِهِ لكنه تبع فِي ذَلِك بعض الْأَصْحَاب .